رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 8-14 جمادى الأولى1422هـ الموافق 28 يوليو - 3 أغسطس 2001
العدد 1487

يزور بيروت·· لأمسية "البلمند" ولـ "حوارالعمر"·· أم لشيء آخر!
محمود درويش: "هـلأ مِشْ وقت مزح" الإسرائيليون لم ينتهوا بعد من حرب الـ 48

كتب المحرر الثقافي:

يعود محمود درويش الى بيروت بعد غياب، مستقبلا بالأحبة والأصدقاء والأماسي الشعرية، واللقاءات التلفزيونية وباهتمامات الصحافة·· تفوح بيروت بعطوراتها وأزاهيرها وحسنها، بوجه الضيف المحبب الى نفسها، لكن تخالط تلك الأجواء إشاعات·· إشاعة أنه لم يزرها ليقيم أمسية "البلنمد"، ولا ليبوح بـ "حوار العمر" لمحطاتها الفضائية·· أتى هذه المرة بلا حقائب شعر، ولا أوراق قصائد، أتى بأوراق أخرى رسمية (سياسية)، حملها كرسول بين السلطة الفلسطينية ودولة لبنان·· وفي أثناء مشواره العاجل بين مقر عرفات وقصر "بعبدا" حكى بعضا من "حوار عمره"··

في لقاء تلفزيوني مطول مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش أجرته معه المحطة الفضائية اللبنانية (LBC)، ضمن حلقات البرنامج الشيق (حوار العمر)، تناول موضوعات عدة، تنقل بها من السياسي الى الثقافي والشعري، كقضايا السلام، وعلاقته بالسلطة الفلسطينية ورجالاتها، ومسيرة الانتفاضة وأهدافها، والتأويل السياسي لأشعاره وغيرها من محطات·

استمر الشاعر محمود درويش طيلة ساعتين من وقت البرنامج يجيب باقتضاب وتشوش وبشيء من القلق على محاورته مقدمة البرنامج والتي يبدو أنها لم تعد جيدا للقاء ضيفها، إلا أن الضيف وفق في نصف الساعة الأخيرة عندما تحدث عن تجربته مع الموت، وعن دور اللغة في تلك التجربة·

وكان قرار عدم استقبال الاتصالات الهاتفية للمشاركة في "حوار عمر" درويش، سببا في فقدان الحلقة لحرارتها، وجمودها في محطات معينة، وإطالتها المملة، كما كان منع المشاركات سببا في غياب محاور مهمة، كان من الضروري التطرق إليها، لغيابها عن أجندة الإعداد، أو بسبب التهرب المتعمد عنها من مقدمة البرنامج لتجنب إحراج الضيف الكبير·

تحدث درويش عن مصطلح السلام ومفهومه، الذي لا يفهم الإسرائيليون منه سوى إطالة أمد الوصول للسلام الفعلي، أو إطالة العثور على حل نهائي، ومن جهة أخرى يفهمه الفلسطينيون كشكل للاستقلال الوطني وإنشاء دولتهم المستقلة، وهنا يبرز الاختلاف بين الفهمين، وأعاد درويش مقولة شارون بأن "حرب 48 لم تنته بعد" وأكد تفاؤله رغم نوايا الإسرائيليين في الإجهاز على الشعب الفلسطيني ومساعيهم نحو السلام العادل، ونبّه إلى أن الفلسطينيين يرون هذه الأيام أن معركة الاستقلال قد بدأت، ولن يعيقها صراع الارادات وإن كان مفتوحا على كل الاحتمالات·

وأشار درويش الى أن التغيرات الدولية تساعد على كبح جماح التطرف الإسرائيلي، في ظل حكومة شارون فالانخراط العربي والدولي في هذا الصراع الدائر يفرض على الإسرائيليين مسارا آخر غير تهديد الشعب الفلسطيني، مسارا يقود الى الانسحاب من مناطق الـ 67 والاعتراف المتبادل·

وفي سؤال جريء عرضت مقدمة البرنامج توصيفا "للانتفاضة" ولبداياتها، إذ سألت ما إذا كانت الانتفاضة قد حملت في بداياتها ضجرا من الوضع السياسي والمعيشي الذي وضع به عرفات شعبه وأن ذلك الغضب قد وجه باتجاه الإسرائيليين، أجاب درويش أن لياسر عرفات والسلطة الفلسطينية مكانة في ضمير الشعب، وأنه (عرفات) قائد حركة التحرر الوطني ولا يمكن أن يكون طرفا مضادا لشعبه، أو أن يتخلى عن حقه، ولا يمكن وضع عرفات في طرف والشعب الفلسطيني في طرف آخر، أو الحديث عن شعب وسلطة· وقال أيضا إنه لا يمكن للشارع أن يحدد السياسة، بل إن هناك وحدة فهم مشتركة بين الشعب وقيادته الوطنية·

وطالب درويش في حديثه الشارع العربي أن يوصل رسالته الى مركز الضغط السياسي في واشنطن، لأن التحرك الأمريكي لن يكون فاعلا، إلا بموازات عمل الأنظمة العربية مجتمعة، تلك الأنظمة التي استطاع الإسرائيليون أن يزرعوا في قلبها خوفا من الانتفاضة وما ستقود إليه مستقبلا، فأصبحت الأنظمة العربية والإسرائيليون في سلة واحدة في مواجهة الانتفاضة!

وفي إجاباته عن محاكمة شارون، بدا الشاعر درويش غير ملم بتفاصيل المحاكمة، إذ اكتفى بالقول إنها ملاحقة قضائية لجريمة إنسانية، كون (شارون) المسؤول المباشر أو غير المباشر عن مجزرة صبرا وشاتيلا، وأكد على أهمية المحاكمة لأنها تشكل ضغطا سياسيا ومعنويا على شارون، وتذكر العالم بألا يكون انتقائيا·

وعن السبب في تأخر محاكمة شارون الى حين استلامه رئاسة وزراء إسرائيل، قال درويش أنه لا يعرف تفاصيلها·· إلا أنه يعرف أن المحاكمات انتقائية، وليست حرة التحرك، فالعدالة دائما للمنتصرين وأن تتأخر المحاكمة خيرا من أن لا تأتي··

وأضاف الى أن شارون بلا ملف سياسي، ولا يحمل إلا ملفا أمنيا، لأنه يهرب من الاستحقاق السياسي، ويريد البقاء في الرئاسة بإدامة حالة العنف التي تخدمه·

وأجاب عن تدهور الوضع في الأراضي الفلسطينية وتوقعات تطورها بأن الوضع الدولي لا يسمح بإبعاد عرفات من فلسطين لأن في ذلك تصعيدا من جانب الشعب الفلسطيني، ورد بسخرية عن مقولة إيقاف العنف المتبادل "حسنا سنوقف قصف تل أبيب، ونفك حصارها ونسمح للعمال اليهود بالعمل لدينا" مشيرا الى أنه عنف من جانب واحد (إسرائيلي)، وأنه من مصلحة الفلسطينيين إيقاف تصاعد العنف وقصف القرى، والاغتيالات·

عن موقفه من العمليات الاستشهادية التي تقع في قلب الحياة المدنية الإسرائيلية، يتهرب درويش في إجابات عامة، ليقول إنه لا يمكنه أن يقيم محاكمة أخلاقية لإنسان يقدم حياته دفاعا عن وطنه وعن حريته، ويعود ليؤكد أن الانتفاضة الفلسطينية هي انتفاضة شعبية سلمية، ويبرر تحولها إلى العنف بالتعامل الإسرائيلي القمعي معها·

وعن رفضه منصب وزير الثقافة الفلسطينية في السلطة قال إن رفضه بسبب قناعته أنه لا يملك القدرة أن يكون وزيرا، وأشار الى أنه ما زال يحظى بمكانة خاصة لدى السلطة من خلال علاقاته مع رجالها وتقديم الاستشارات، وأكد علاقته المتينة مع ياسر عرفات، ولقاءاته المتكررة معه، وبيّن أن موقف عرفات بدا يتضح الآن أكثر كرجل قوي وقلق في آن واحد، وقد قويت مكانته الوطنية بعد أن عرف الشعب بأن قائده لم يتخل عن حق العودة، ولم يقبل التخلي عن الأرض·

وفي الجزء المخصص لحوار العمر الشعري تحدث درويش عن العلاقة المعقدة بين الحدث والشعر، وبأن الأول ليس شرطا للكتابة، وأشار الى أنه في قصيدته عن استشهاد محمد الدرة لم يستطع تأجيل الاحتراق الداخلي لمشهد الاغتيال، لذا حاول أن يسخّن لغته الشعرية لكتابة نص مواز لحرارة الحدث (الاغتيال)، فاللغة تتراجع دائما في وصف حالة الحدث القاسي، مؤكدا أن القصيدة هي حالة درامية لا تختلف عن الحالة النفسية·

ونفى وجود فروقات بين الخاص والعام في الوضع الفلسطيني، إلا في بعض الحالات النادرة، بسبب وجود ضغط وطني عال جدا على الشاعر الفلسطيني، مما يتطلب معه خبرة كبيرة كي لا يفقد الشاعر العلاقة المتوازنة بين الموضوع وجمالياته· ولم يستحسن درويش التأويل السياسي الذي يتتبعه قراؤه في نصوصه وطالب بحقه في أن يعطي صوته الشخصي معبرا يبتعد عن الإطار العام، من حيث المشاعر الإنسانية من حب وخوف من الموت وبهجة لتفتح "شقائق النعمان"· في حديثه عن تجربتي الموت اللتين مر بهما وكانت آخرهما الأقسى أطال درويش وتعمق أكثر فأشار الى تجربته الأخيرة مع الموت (عملية جراحية لشريان القلب) إذ كانت قاسية، تخيل عبوره الى عالم آخر، اجتاز بعبوره أزمنة قديمة ومختلفة واستمع الى عذاب النفس عن قرب، واستمر هذا الإحساس معه حتى بعد الانتهاء من إجراء العملية الجراحية، ويداهمه خوف آخر عميق من أنه قد فقد صوته·

تلك التجربة التي فتحت أمامه تساؤلات وجودية قاسية لم يواجهها من قبل، ليكتشف أن الحياة لا تستحق أكثر من أن تعاش فقط، مما يفسر معه تغير بعض طباعه المعتادة من حب للحركة والتنقل، ليركن الآن للعزلة والهدوء·

وأشار الى أنه حينما كتب عن تلك التجربة، فهو قد حارب بأقوى ما يملك من سلاح للقوة الشعرية، فشهدت نصوصه صراعا بين اللغة والموت·

وسئل عن توقيعه على "بيان المثقفين" الرافضين لعقد المؤتمر التاريخي الخاص بمناقشة "الهولوكست" في بيروت، فأجاب أنه أخطأ في التوقيع على البيان لعدم معرفته بتفاصيله، إذ لا يحق لأحد مصادرة حرية الشخص في البحث العلمي، مع اقتناعه أن العرب يجب ألا يكونوا طرفا في موضوع التشكيك في المجازر التي ارتكبت في حق اليهود·

اختتمت حلقة البرنامج الشيق - عادة - دون أن نتوقف على محطات كنا نتوقعها في "عمر" محمود درويش ودون أن نستمع لحوار حولها، علاقته ببيروت كانت تحتاج الى توغل أكثر صراحة، مهادنته لرجال السلطة الفلسطينية وتسويقه لشعاراتهم "لماذا؟"··

السر في محافظته لأكثر من ثلاثة عقود على جماهيريته الشعبية، هل كانت بتعمد على حساب جمالية النص؟

شهادات كبار الشعراء في درويش، أصدقائه، محبيه، نقاده ومعاديه؟؟ شهادات كثيرة افتقدها المشاهد·

لم يُسأل شاعرنا درويش عن المواجهة التي جرت بينه وبين الفنان ناجي العلي، بعد انتقاد العلي (برسوماته) لدعوة درويش بمد الجسور مع اليسار الإسرائيلي· ولا عن المكالمة الهاتفية (القاتلة) التي نقلتها مجلة "الأزمنة العربية" في عددها (170) في العام 1987 والواردة في كتاب "أكله الذئب" للناقد شاكر النابلسي والتي أعادها أخيرا حمزة عليان في صفحته المميزة "قضايا وأحداث" في القبس كانت بين ضيفنا "الشاعر" وفقيدنا "الرسام" جاء فيها:

درويش: هلأ مش وقت مزح·· بدي ياك تفهم يا ناجي منيح اليوم إني أنا محمود درويش اللي قادر يخرجك من لندن في أية لحظة!·

العلي: أووف·· والله هاي جديدة يا زلمة·· بالله عليك بتعملها يا محمود··؟! وشو هالسلطات الماهولة اللي صارت عندك والله "أبو رسول" بزمانه ما قال هالحكي·· ولا صلاح نصر قبله·· هاي جديدة علينا اليوم·· من إمتى يا محمود بتشتغل هالشغلة·· على كل حال انتو يا عمي السلطة·· إنتو الدولة والشيلة·· سووها·· هاي مش أول مرة بتصير ولا آخر مرة·· مش عملتوها قبل سنتين في الكويت·· وخرّجتوني·· وقبلها قال "الختيار" قائدك وصديقك في ثانوية عبدالله السالم في الكويت في الـ 75، إنو راح يحط أصابعي في الأسيد إن ما سكت·· بعدين الشغلة صارت مش فارقة معاي بيني وبينك·· هالخد صار معوّد عاللطم·· زي ما بتقول عمتي حنيفة!"·

طباعة  

إضاءات
 
ترجمات
 
خبر
 
إصدارات
 
قرءاة في نص
عندما رأى ما رآه الغائب
السبتي يشرخ ليل الحلم·· فتنساب الرؤية

 
وتد
 
المرصد الثقافي