في عدد كبير من القضايا يمتد من التسخين العالمي إلى تجارة الأسلحة الصغيرة، تتسع الفجوة بين أوروبا وأمريكا، لكن واحدة من مناطق الاختلاف هي أضعف ما يثير الاهتمام: نزاع الشرق الأوسط، حيث كانت هناك خلافات قوية بين أوروبا وامريكا، وحيث يمكن لأوروبا أن تؤدي في الوقت نفسه دوراً حيوياً·
كثير من الإسرائيليين يتخوف من مثل هذا الاحتمال: فالحكومات الإسرائيلية كانت تخشى دائماً تشجيع أي دور أوروبي· لكن المجال السياسي المتغير - وليس أقله محاولة إدارة بوش الصعبة الوقوف بعيداً من النزاع - يمكن أن تجعل مثل هذا الدور الأوروبي ضرورة·
في الوقت الحالي، ليست العلاقات بين إسرائيل والحكومات الأوروبية جيدة جميعاً· وربما اتفق الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على أن يختلفا، لكن الاستقبال الذي حظي به شارون في واشنطن كان لائقاً أكثر بكثير مما لقيه في أوروبا·
ذلك أنه لم يستطع حتى زيارة مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل بسبب تهديد قاضٍ بلجيكي بتوقيفه على خلفية اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان· ثم أعقب ذلك لقاؤه البارد جداً مع رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان في باريس· وفي النهاية، قال شارون إن الحوار جرى "بطريقة واضحة" وأنه "اتضح أننا لم نتفق على جميع النقاط"·
ذلك لا يعني فقط أن الإسرائيليين لم يتفقوا مع الأوروبيين على جميع القضايا في أي يوم· فناهيك عن ظلال التاريخ، هناك اعتقاد إسرائيلي مفاده أن غالبية الحكومات الأوروبية تميل نحو الفلسطينيين· وكثير من الإسرائيليين يعتقد أن وسائل الإعلام الأوروبية منحازة إلى الفلسطينيين في تغطيتها للنزاع·
وهناك دليل على وجهة النظر هذه· فبعد تفجير نادي الديسكو في تل أبيب، ظهر رسم كاريكاتوري على الصفحة الأولى لصحيفة "لوموند" الفرنسية بعنوان "الكاميكاز" وفي هذا الرسم يتقابل شخصان أحدهما فلسطيني لف خصره بأحزمة تحمل متفجرات والآخر إسرائيلي من اليهود المتشددين لف خصره أيضاً بعبوات تحمل اسم المستوطنات· ومثل هذا الكاريكاتور ماكان يمكن أن يظهر في وسيلة إعلامية أمريكية·
لا شك أن تداعياته في ما يخص التكافؤ الأخلاقي كانت حادة بصورة استثنائية· لكن هناك رؤية طاغية في أوروبا ومعبراً عنها أكثر مما في أمريكا ومفادها أن المستوطنات هي أصل المشكلة وأن هناك حاجة للتصدي لها· وعلى هذا النحو، كانت باريس ولندن وبرلين أشد لهجة من واشنطن في انتقاد قتل الناشطين الفلسطينيين والأساليب القمعية الأخرى في حق الانتفاضة، بل إن غالبية الأوروبيين، نقيضاً للإسرائيليين، تعتقد أن على إسرائيل أن تبقي ياسر عرفات شريكاً في السلام ولو لمجرد غياب البديل·
نظراً إلى كل ذلك، قد تبدو آفاق الدور الأوروبي في الشرق الأوسط غير واعدة· لكن هناك جانباً آخر للحكاية· فإسرائيل هي من وجوه مختلفة بلد أوروبي، وعلاقاتها مع أوروبا هي حميمة ومثمرة في آن· وإسرائيل هي أقرب إلى أوروبا منها إلى أمريكا، لا على الخارطة فحسب إنما ثقافياً وتجارياً أيضاً· وإسرائيل تحمل كثيراً من السمات السياسية لأصولها في ظل الانتداب البريطاني ومن مختلف المفكرين الأوروبيين الذين ساعدوا في بناء الدولة·
معظم الجامعات والجرائد والأوركسترات الإسرائيلية أنشأه مهاجرون أوروبيون· والنقاش الشرس الأخير في إسرائيل دار حول دانييل بارنباوم وهو إسرائيلي قضى معظم حياته في أوروبا يقود أوركسترا تؤدي أعمالاً موسيقية لريتشارد فاغنر - وهو مؤلف موسيقي أوروبي - كان يعبد موسيقاه أدولف هتلر وثيودور هرتسل مؤسس الصهيونية على حد سواء· وعلى المستوى الشعبي، تخوض الفرق الرياضية الإسرائيلية مباريات كرة القدم الأوروبية وإن كان بلا نجاح كبير·
وما هو مهم أيضاً على الأقل (وربما من دون معرفة الأمريكيين) هو أن إسرائيل تستورد من الاتحاد الأوروبي ضعفي ما تستورد من الولايات المتحدة، وأن عدد السياح الأوروبيين إلى إسرائيل يفوق عدد السياح الأمريكيين بنسبة ثلاثة إلى واحد· وربما كانت إسرائيل تستاء من البعد الأوروبي، لكنها لا تستطيع التخلي عن العلاقات مع أوروبا·
إذا اندفعت أوروبا شيئاً فشيئاً إلى الشرق الأوسط فذلك لن يكون لأسباب اقتصادية بحتة· فاللارغبة الأمريكية في التدخل بقوة في النزاع أوجدت فراغاً سياسياً·
وهناك حقيقة أخرى وهي أن العملية المسماة "أوسلو" تهاوت تماماً وشارفت الموت·
إن النفوذ الأمريكي يضعف باضطراد في الشرق الأوسط· وربما كان ذلك مسألة وقت فقط· فقد اعتمدت واشنطن سلوكاً يساند إسرائيل بقوة في حين كانت تفعل ما في وسعها لمصادقة الدول العربية وتأدية دور الوسيط النزيه· فليس من المفاجئ أن يرفض العرب فكرة أن أمريكا هي وسيط غير منحاز·
ربما كانت هذه العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة هي سبب النتائج غير المرجوة بالنسبة إلى إسرائيل· وربما كانت إسرائيل تستفيد من التفاوض مع الفلسطينيين من خلال وسيط بديل يمكن اعتباره محايداً بحق·
وهناك فوائد أخرى لأوروبا أيضاً· فالاتحاد الأوروبي يمكن أن يشكل منطقة ناشطة للتجارة الحرة، لكنه لا يحوز حتى الآن سياسة مشتركة بشأن الدفاع والسياسة الخارجية، لقد اعتاد (وزير الخارجية الأمريكي الأسبق) هنري كيسنجر أن يقول إنه يأخذ أوروبا على محمل الجد عندما يكون لها رقم هاتفي يمكن أن يطلبه حين حدوث أزمة· فهل تؤدي هذه المعركة المريرة الصعبة الدائرة في الأراضي المقدسة إلى جعل أوروبا رقماً حقيقياً مجانياً·
بقلم: يوفري ويتكروفت
(نيويورك تايمز)