رسمياً، لا أحد في الشرق الأوسط يريد التصعيد العسكري· إسرائيل تطالب بوقف شامل لإطلاق النار في الأراضي الفلسطينية بنسبة مئة في المئة، ولا تكتفي بجهود مئة في المئة من السلطة الفلسطينية· في المنطقة الشمالية، تطالب إسرائيل بوقف شامل لعمليات حزب الله في مزارع شبعا المحتلة·
سورية تتهم إسرائىل بمحاولة جرّ المنطقة إلى حرب· وهي تؤكد أن مزارع شبعا لبنانية وأن لا صلة لها (أي دمشق) بالعمليات· حزب الله يؤكد حقه الشرعي في مواصلة العمليات ولو اقتضى الأمر تحرير المزارع بالقوة والدماء·
الولايات المتحدة تدعو الأطراف جميعاً إلى ضبط النفس· الأمم المتحدة تدعو إلى احترام الحدود الدولية والستاتيكو (الوضع) القائم الآن، واشنطن اختلفت مع تل أبيب في شأن توسيع الاستيطان كما بشأن "عمليات الاغتيال المقصودة" للناشطين الفلسطينيين· لكن الدور الأميركي له حدود إذا كانت إسرائيل أول من يرفض تطبيق نتائجه: وساطة جورج تينيت ولجنة ميتشل·
الدبلوماسية تسابق التصعيد: مساعد وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز يزور سورية ولبنان الجمعة· في موازاة ذلك أو قبله بيوم يأتي المبعوث الأوروبي الخاص إلى الشرق الأوسط ميغيل انخيل موراتينوس· شارون، الذي لا يأبه أي خطوة للتهدئة إنما على النقيض، يوسّع "قائمة التصفيات" بحق الفلسطينيين ويتهم إيران بنصب صواريخ في لبنان بالتعاون مع سورية، يزور (أي شارون) فرنسا وألمانيا قريباً·
الحقائق على الأرض تفيد خلاف ما هو معلن رسمياً· ذلك أن إسرائيل لم تتخذ أي إجراء عملي يصب في مصلحة التهدئة مع الفلسطينيين· بل إن شارون يبدو وكأنه ينتظر عملية كبيرة مثل عملية تل أبيب حتى تطابق أقواله الأفعال، ومثله رئيس أركانه شاؤول موفاز· فالاغتيال بالصواريخ لثلاثة ناشطين قرب جنين ليلة الأحد- الاثنين كان قصفاً قاتلاً لوقف اطلاق النار الذي لم يلتزمه شارون قط·
على جبهة الشمال، نفذت إسرائيل وعيد "تغيير قواعد اللعبة": رادار سوري مقابل كل عملية لحزب الله· حزب الله غيّر القواعد أيضاً: عقب الغارة الإسرائيلية الأخيرة على الرادار السوري في سرعين (البقاع) قصف حزب الله راداراً إسرائيلياً في تلة الرمثا (مزارع شبعا)· إسرائىل اكتفت بغارات انتقامية وقصف مدفعي في محيط شبعا· قبل ذلك كانت إسرائيل تعاقب لبنان عندما كانت هناك مفاوضات متقطعة بينها وبين سورية· والآن تعلن أن سورية هي المسؤولة وحدها سياسياً وبعدها إيران (بعدما ألغي المسار السوري- الإسرائيلي)·
عملية حزب الله في مزارع شبعا، التي أعقبتها الغارة الإسرائيلية الثانية على الرادار، جاءت بعد جولة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول التي تجاهلت سورية· المراقبون رأوا فيها رداً محسوباً على التجاهل· إسرائيل استغلتها للتلويح بمزيد من تغيير قواعد اللعبة· فهل تصلح زيارة بيرنز لسورية ما أفسدته زيارة باول (بقصد أو بغير قصد)؟
المؤكد أن سورية لا تستطيع السكوت عن تدمير رادارها· لكن سورية لا تستطيع أيضاً، وفق قراءة متأنية لوسائل إعلامها ومنه اتهام إسرائىل بجر المنطقة إلى حرب، أن تخوض حرباً مفتوحة مع إسرائىل· وهنا توجد نقطة ضعف: ذلك أن هناك إجماعاً أمريكياً- أوروبياً على ضرورة التهدئة على حدود لبنان وسورية·
لكن شارون لا يتَّكل على هذا الإجماع وحده· فهناك من يقول في الإدارة الأمريكية أن ريتشارد هاس، أحد صانعي السياسة الأمريكية في عهد جورج بوش الأب، نصح الإدارة الحالية بأن تترك الوضع "ينضج" في المنطقة قبل أن تتدخل بقوة حاسمة، وبأن تقصر تدخلها على ما يرضي العرب شكلياً ولا يضايق إسرائىل (منه الانقسام بين بوش وشارون بشأن الوضع في المنطقة)·
حتى الآن تبدو عوامل التفجير أكثر ترجيحاً من عوامل التهدئة· ففي إسرائيل يقتصر الخلاف بين شارون ووزير خارجيته شمعون بيريس على قضايا غير حاسمة، منها عدم تشويه صورة ياسر عرفات وتفكيك المراكز المتقدمة المحيطة بالمستوطنات· لكن هناك اتفاقاً في قضايا أخرى خطرة: توسيع قائمة المشمولين بخطة الاغتيالات في الأراضي الفلسطينية، شن حملة علاقات عامة (سيئة النوايا) ضد سورية وإيران معاً وسط ترتيبات مريبة عن اختراق حزب الله للعرب الإسرائيليين وتكوينه خلايا في الأراضي الفلسطينية واشراف خبراء إيرانيين على صواريخ أرض- أرض في لبنان، وزيادة شحنات الأسلحة إلى حزب الله من إيران عبر سورية·
إلى ذلك، يضاف أن السلطة الفلسطينية لم تنل شيئاً من إسرائيل يساعدها في التهدئة· بل إن القاعدة الشعبية للسلطة التي اهتزت أيام المفاوضات، بدءاً من عام 1994 حتى أيام باراك قبل الأخيرة، صارت أقوى الآن بكثير في ضوء رفض خطة باراك والتصدي عسكرياً لقوات الاحتلال: وهناك مقابل الخسائر الكبيرة مكاسب: تكوين رأس حربة لمجابهة القوات الإسرائيلية، إنزال خسائر كبير ة بالاقتصاد الإسرائيلي، وتشكيل جو ضاغط على المستوطنات أدى إلى إخلاء قسم منها ولجوء سكانه إلى داخل إسرائيل، وتعميق الانقسام بين العرب الإسرائيليين من جهة والمجتمع اليهودي من جهة أخرى· وهكذا لا يعود هناك أي أساس منطقي للتهدئة من جانب السلطة الفلسطينية طالما لم يكلف شارون نفسه عناء التزام شيء·
في ظل الظروف الحالية، تجد إسرائىل نفسها أقوى معنوياً على الساحة الدولية بالنسبة إلى الوضع قرب حدودها الشمالية مما هي عليه بالنسبة إلى الوضع في الأراضي الفلسطينية· وهذه الظروف غير المؤاتية فلسطينياً لإسرائىل (باعتبارها قوة محتلة) هي التي تقتضي استمرار وجود بيريس "حامل نوبل للسلام" في الحكومة·
باختصار، هذه الأيام هي أيام دراسة دقيقة لحسابات الربح والخسارة· والأكثر دقة في إجراء الحسابات ثلاثة: إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحزب الله (أو القوى المؤيدة له)·