تحريك الزمان والمكان
على شطرنج الأبيض والأسود
نشمي مهنا
لم آخذ كثيرا من عقد الستينيات، خمس سنوات فقط أضفتها الى "روزنامة" عمري، واستكملت المسير، أحس الآن أن العقد السبعينياتي وهو يجر خلفه تتمته من نصف الستينيات كان الأسرع، وكان البرق الذي لم يمهل أرضي كي تتهيأ، وتمد بساطها الأخضر لاحتضان المطر، أو تحتفظ بقطرات منه·
هكذا نحن دوما يقتلنا الحنين للماضي، ولعقود عمرية، نَصفُها بـ ملائكية ناسها، وأهلها، وطهر حياتنا فيها، ونقاوة أصدقائنا، ونسترسل في استرجاع شريط ذكرياتنا بالأبيض والأسود الى أن يفوح عبق الروح بصور المكان والزمان··
فهل نحن مخطئون؟!
"المرارة" لا تعتصر الروح، ولا تلذع حناجرنا إلا في لحظتها الآنية، فإنْ مرّت ليال وأزمان على طعمها، لا نجد أثرا لتلك المرارة على ألسنة الماضي، بعد أن تغمرها حلاوات أخر، تنسينا آلامها، وتخفّف من تذمرنا منها بعد أن تحنّطها في متحف الذكرى الجميلة·
مع ذلك·· ومع علمي أن "الماضي" لم يكن بيت ملائكة أبرار، وأن قرية "السبعينيات" لم تكن "الأحلى" و"الأجمل" وقتذاك، إلا بعد أن بعدنا، وبعُد بنا القطار، فأطللنا - بقلوبنا - من نوافذه، نتلفت بلهفة، ونشتاق··
جميعنا عشاق "الماضي"، ولسبب··!
نبرّر عشقنا، ونضيف قداسة ما على جبين ذلك الماضي، ونقارن مع حاضرنا، و·· و·· إنما الحقيقة التي لا نريدها أن تقابلنا بوجهها المفزع، هي أننا نريد العودة إلينا·· نحن نريد طفولتنا، التي مضت دون عودة، ونريد برقها الخاطف، وما دام ليس بمقدورنا أن نعيد عقارب الساعة العمرية، نلجأ الى إيقاف اللحظة في ذلك الشريط بلونيه الأبيض والأسود، نضفي على "الزمان" أكثر مما يحتمل منكباه، ونحمّل "المكان" ألوانا وأطيافا لم تولد يوما بأفقه·
هو عشق للذات، أناني، نرسم به وطنا، لنرى طفولتنا تلهو بساحاته، ونتلمس أحلامنا الصغيرة وهي تلملم أعشاشها على أسطحه المتصدعة، وطن كان يتسع لشغبنا، وغفلاتنا، لمخاوفنا "البالونية" المخترعة، وخيالاتنا التي لا تُحدّ··
ولو عدنا نتحدث بمثل تلك البراءة التي ودعتنا لقلنا إننا لا نريد من الماضي ومن الحنين إليه سوى أن نسترد بدايات أعمارنا، أو أن نسترد وطن الطفولة فينا، فمديح "المكان"·· هو للطفولة·· وتقديس ذلك "الزمان"·· هو لها أيضا·
لا يغيّر حديث البراءة (الصريح) هذا بداخلي شيئا من الشوق، ولن تبدل تلك الحقيقة (الشرسة) من حنيني للسبعينيات، فتظل "الفحيحيل" قريتي - إن صحت الآن التسمية أو لم تصح - هي وطن في قلب وطن، كما هي الكتابة وطن، والحب والأصدقاء والذكريات أوطان·
لم تقل لي "الفحيحيل" يوما إن عشقي لها عشق لطفولتي وبحث عن ملاعبي الأولى وبراءاتي - مع علمها بذلك - ، وتظل صامتة على "سِيفها" الجنوبي المنسي، تشدها "الديرة" بإغراءاتها وصخبها، فتفزع على أول همسات الفجر، ملبية نداء "العاصمة" في نهاراتها، تدفق دماءها في شرايين الطرق المتجهة شمالا، وبحمأة حياتها اليومية المنهكة، فيجدونها عائدة في أول انحناءات الشمس الغاربة، الى حضن بحرها الجنوبي الدافئ·
يخيّل الي أحيانا أن "العاصمة" قد يئست من إغوائها، كي تسكنها قربها، أو تزحف بها للشمال، فتركتها أخيرا مكتفية بزياراتها النهارية فقط·· خصوصا بعد أن رأت يأس جارتها الغربية الأنيقة، الساكنة، "الأحمدي" في كل محاولاتها من ضوع عبير، وربيع دائم، لم تحرك في "الفحيحيل" ساكناً··
وللحديث عن العودة الى سبعينيات الفحيحيل أو فحيحيل السبعينيات، أو العودة للطَرق على بوابات الطفولة، والتسكع في "سكيكها" بقية··
nashmi@taleea.com