رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 16-22 ربيع الآخر 1422هـ الموافق 7-13 يوليو 2001-
العدد 1484

كتاباتها القصصية الأولى تشي بقدوم كاتبة مبدعة ذات عوالم مختلفة
ميس العثمان: هدفي سحب القارئ لحريق الصمت والأسئلة ·· حتى لو غدر بوابات النص الأخيرة

حاورها المحرر الثقافي:

نصوص كثيرة تصل إلى الصفحات الثقافية في أية صحيفة، بعضها يقرأ على عجل ولا يتخذ فيه قرار نشر إلا بعد عودة· بعضها يفرض مساحة أكبر للتأمل في مضمونه، من لحظة إضاءات الأسطر الأولى، وبعضها الأخير تحتفظ به الأدراج لحين التنقيح والمراجعة من قبل كاتبه·

نصان قصصيان أتيا بالصدفة ولم ينشرا إلا بمحض الإعجاب بمادتهما الإبداعية·· لاسم غير معروف، وبإبداع "معروف جداً" لا تخطئه البصيرة، وحسن التذوق، بل إن هذين النصين يفرضان التوقف عند بعض الإشارات والمحطات التي لاتدع فرصة للقارئ، إلا بالاقتراب أكثر لأجوائهما القصصية، والاستسلام بالتوغل أكثر، رغم الدفء في بادئ الأمر الذي يتحول فجأة إلى حريق - يحمل مشاعل التأمل والحيرة، والأسئلة·

قصتان للكاتبة الكويتية ميس خالد العثمان·· خادعتان، توحيان بشيء آخر وذلك من خلال الحبكة، و"الحرفنة" القصصية، واللغة الخالقة للصور، والناثرة لها، والمشهدية السينمائية الشيقة، جميع هذه الأدوات الكتابية توحي بصورة لقلم قصصي "معتق"، ذي خبرة، وتجربة طويلة، وممارسة تراوحت بين البدايات والعثرات والتألق، ولكن بعد تأكدنا من البدايات الحديثة جداً، التي قادت ميس العثمان منذ عام فقط للدخول في عالم الكتابة القصصية، بإمكاننا التراجع عن تقليدية الخطوات المعتادة للكتابة، لنؤكد أن الموهبة وحدها قد تجتاز إلى تلك التخوم النورانية، وتختزل كل تلك المراحل·

لا يمكن أن يضيف التقديم الصحافي أية إضاءة، لكاتب لا يمتلك مشكاة للضوء، ستتعرى أحرفه وأسطره أمام أعين القراء، ومن جانب آخر لن يضيف هذا التقديم أو الإضاءة الصحافية بريقا لموهبة هي في الأساس "حزمة" من إضاءات·· ميس خالد العثمان كاتبة قصصية كويتية شابة، نشرت القليل من نصوصها، وفي الطريق إلى النشر بعضها الآخر، نصوصها مرايا للحكم على إبداعها، وحديثها معنا ومعكم في هذا العدد، يد ممدودة للمصافحة والتعاوف··

تقول ميس خالد العثمان: "كانت الخاطرة، ثم تولدت فكرة متكاملة لرواية، لكن سرعان ما اتجهت ميولي إلى القصة القصيرة· فوجدت أنها الأقرب إلى نفسي وإن تفاوتت كتاباتي من حيث المضمون والتقنية، لكنها ظلت اللون الأدبي الذي جذبني إليه بحب، فالتعامل مع القصة القصيرة أشبه - بلعبة - لأننا نلهو مع أشخاص تبتدعهم أقلامنا، نتحكم في مصائرهم، ونترك تحركاتهم لخيالنا الواسع ورؤيتنا الشخصية· قصتي الأولى كتبتها منذ عام ونصف، نشرت في "البيان" - الصادرة عن رابطة الأدباء الكويتية، ثم تبعت بأخريين نشرتا في "الطليعة" الكويتية، وما أزال أخطو خطواتي الأولى في هذا الدرب- الشائك - ربما!"·

وكان لنا معها هذا اللقاء:

 

·   بداياتك في النشر متأخرة جداً، مع ذلك نرى من خلال نصوصك القصصية أن هناك ثراء لغوياً وخبرة في حَبْك مشاهد القصص·· متى كانت البداية في الكتابة؟

- البداية كانت من خلال الخواطر، سن السابعة عشرة، حمل معه عبقاً خاصاً، رؤية جديدة لحياة جديدة بكل تفاصيلها، ربما لأنها المراهقة التي نرصد من خلالها ونسجل مشاهد الحياة على اختلافها، كنت أدوّن خواطري في كراسات خاصة - مازلت أحتفظ بها - أصف من خلالها مشهداً مر بي خلال اليوم وأحرص على أن أكسبه ثراء لغوياً وربما وصفاً دقيقاً، لأشعر بالإحساس ذاته حين أعاود قراءته في المرات المقبلة·· في الجامعة، راودتني فكرة متكاملة الجوانب تصلح لأن تكون رواية، بشخصيات محورية وهامشية، لكل فرد منهم حياته الخاصة·· وفعلاً، كنت قد بدأت بأربعين ورقة منها، غير أني توقفت نظراً لانشغالي في الدراسة الجامعية·· ومازلت أحتفظ ببداية الرواية، علني أجد الوقت لإكمالها·· بمجرد تخرجي من الجامعة، كتبت قصتي القصيرة الأولى، ثم تبعتها بغيرها، فكتبت خلال الأربعة شهور ما يقارب سبع قصص قصيرة، لكنها كانت محاولات خجلة ينقصها الدافع والتشجيع، حتى التقيت أستاذي أبداً، الأديب سليمان الحزامي، فكان الدافع والمشجع ولايزال في كل خطوة لي·

 

·   تأثر القاص قد يكون مرجعه أجواء قصصية وقد لا يكون! قد تشترك مصادر فنية عدة كالقراءات الشعرية والأعمال أو من خلال تجارب الحياة·· أي المصادر أمدتك بموهبة الكتابة القصصية؟

- لا شك أن القاص يتأثر بثقافة بيئته المحيطة به، وهذا التأثر قد يكون مباشراً أو غير مباشر، قد نلمس تأثرنا كأن يكون جلياً واضحاً من خلال كتاباتنا وكذلك الحال بالنسبة لتجارب الحياة التي تمدنا بالكثير من الخبرات التي تختزن بدورها وتظهر متى استدعت الظروف والمواقف·· تأثري كان أيضاً من خلال قراءاتي لبعض الأعمال الفنية وخصوصاً القصص القصيرة والروايات والقليل من المسرحيات· لقد نشأت في أسرة صغيرة، ومع أم تهوى القراءة وفي بيت يضم ذلك الجزء الثري بالكتب والمراجع، المكتبة المنزلية كانت متنفساً ثقافياً ولغوياً من اختيار والدي لفترة من الزمن، حتى بت أختار ما يناسبني لقراءاتي الخاصة، مما أكسبني حصيلة لغوية مناسبة لسني وتذوقاً للكلمة·

 

·   أي المدارس الفنية تستهويك أكثر فنتازيا الكتابة ذات الأجواء الخيالية أم من واقع الحياة؟

- تتنوع المدارس القصصية، وتختلف الكتابات تبعاً لذوق الكاتب وأسلوبه ونمط كتابته وخلفيته الثقافية، ومن الطبيعي أن يكون لكل منها جمالها الخاص إذا ما تم توظيفه بشكل صحيح· معظم كتاباتي تصب في خانة الواقع، تدور حول المجتمع، أفراحه وأتراحه، فالعواطف تأخذ حيزاً كبيراً فيها والتأثر النفسي يبدو واضحاً على شخصياتي·· أؤمن بأن المهمة الأساسية لكل مبدع، شاعراً كان أم قاصاً، هو أن يضع إصبعه على مشكلات مجتمعه بالدرجة الأولى، أن يسهم بتوجيه الأفراد وأن يوجد الحلول المنطقية القابلة للتطبيق بعيداً عن المثالية الكاذبة، هدفي أن يأخذ القارئ فترة من الصمت والتأمل في ما وراء القصة فور الانتهاء من قراءتها، فقد يجد أحدهم قصته الشخصية من بينها فيستفيد، كلنا مررنا بتجارب مفرحة أو قاسية، تركت آثارها علينا، فلا بأس من أن ينتفع من تجاربنا الآخرون·

 

· تغلب بعض السينمائية في المشهد على كتاباتك· مثل قصة "الأستاذ مأمون" من خلال تتبع تفاصيل صغيرة في حياتنا اليومية ورصدها بدقة، هل كان لتخصصك الإعلامي (التلفزيون والسينما) أثر في ذلك؟

- ربما هي لطبيعة في داخلي، ففي حياتنا الواقعية، انتبه كثيراً لتفاصيل دقيقة في الشخصية التي أمامي! ألاحظ كل الحركات و"اللزمات"، المفردات اللغوية المتكررة التي يستخدمها ذلك الشخص، نظرات عينيه·· لأنها جميعاً تعبر عن نفسيته وشعوره الداخلي الذي قد يحاول إخفاءه، لكل منا ديناميكياته الخاصة في الدفاع عن النفس، والإلمام بكل هذه التفاصيل ضرورة للكاتب لأنها تعطي ثراء معرفياً يوصل من خلالها أفكاره للقارئ الذي سيشعر بدوره بمدى عمق هذه الشخصية أو تفاهة تلك· تخصصي في الإعلام، السينما والتلفزيون تحديداً، ساهم بتأكيد هذه الخاصية لدي، حينما كنا على مقاعد الدراسة الجامعية، طلب منا مرات عدة أن نقوم بصياغة سيناريو متكامل لمشهد من تأليفنا بالصوت والصورة وهنا كان لابد من خيال واسع يحلق بنا بعيداً، ليشرح تلك اللحظات بكل تفاصيلها الدقيقة وليوصف لحظة التفجر للحبكة في المشهد، لهذا دربنا أنفسنا على رصد التفاصيل الدقيقة في كل شيء تقريباً·

 

·  ماذا أخذت من الكتاب الكويتيين؟

- بداية قراءاتي للقصة كانت في المرحلة الثانوية، معظمها كانت لأعلام القصة القصيرة في الكويت، ولا يسعني ذكرهم هنا فقد أغفل أحدهم دونما قصد مني، لقد قرأت أكثر من مجموعة قصصية لكل منهم، فساهموا جميعاً في تنمية "حب الكتابة" لدي· وبلا شك تأثرت بشيء معين في كتاباتهم، حيث أن لكل منهم أسلوبه الخاص ونمط سرد معيناً يتبعه بإتقان شديد فيبدع فيه، إنتاجهم الأدبي أثر بي وهذه حقيقة لا يمكن إغفالها، كما أنه نما حب الكتابة لدي ودفعني للتجربة·

 

·   باسمة العنزي، لطيفة البطي، فوزية سويلم·· كاتبات قصة من جيل مبدع جديد، الآن يضاف إليهن اسمك من خلال ما قرأناه لك من نصوص، ماذا يمكن أن يضيف هذا الجيل النسائي الجديد للقصة الكويتية؟

- لكل جيل روحه، لأن المجتمعات والعالم في تغير مستمر - فلا المشاكل هي المشاكل قبل ثلاثين سنة مضت، ولا الحياة بمتطلباتها هي ذاتها·· لقد ترك كل جيل من الأدباء بصمة واضحة على الأدب الكويتي الذي كان ولايزال في المقدمة، ولكل منهم نكهة خاصة ميزته عن سابقيه·· أرى أن هذا الجيل "النسائي" الجديد على حد تعبيرك، سيضيف حتماً الكثير للقصة القصيرة والرواية وللأدب بكل أشكاله، لأن المتغيرات اختلفت وتباينت مدخلات القصة في وقتنا الحالي وقد تغير القارئ أيضاً، الهدف الأساسي العمل من أجل رفعة هذا الوطن أدبياً وثقافياً كما عهدناه·

 

·   بعض الكاتبات يحملن الهم الأنثوي في جميع كتاباتهن·· لدرجة يطغى بها هذا الصوت على الأبعاد الأخرى·· هل توافقين على حمل هذا الهم الأوحد؟

- من الطبيعي أن يميل الكاتب لأبناء جنسه وفي دفاعه عن حقوقهم، وأن يسخر قلمه لخدمة قضاياه، لكن يجب ألا ننسى أننا من مجتمع واحد نخوض الحياة ذاتها وكل الأدوار ضرورية ومهمة سواء أدى هذا الدور ذكر أم أنثى، صحيح أن الكثير من الكاتبات يحملن الهم الأنثوي في كتاباتهن، لأنه قد لا تشعر بوجع المرأة إلا امرأة مثلها·· لكن يبقى أن أقول إنه من الضروري ألا يطغى الهم النسائي على الأبعاد الأخرى في المجتمع، فكثير من الأخطاء ترتكب ويعود أثرها السيئ على المرأة، فلنعالج بأقلامنا مصدر الهم أولاً·

أستعد حالياً لإصدار مجموعتي القصصية الأولى، والتي ستحوي عدداً من القصص القصيرة التي تصب في خانة الواقع·· أتمنى أن تحوز إعجاب القراء والمهتمين في مجال القصة القصيرة·

كل الشكر لـ "الطليعة" على اهتمامها اللامتناهي بالأدباء والكتاب المبدعين في الكويت، وخصوصاً الجيل الجديد الذي هو في حاجة دائمة للتشجيع، فبحرصكم ودفعكم لنا، نثبت أنفسنا ونقدم الكثير للوطن لتكون الكويت عاصمة دائمة للثقافة العربية·

 

طباعة  

إضاءات
 
قصة
 
دار سعاد الصباح: إصدارات لمسابقات الإبداع الفكري والأدبي والعلمي
 
وتد
 
العربي: فريق الغوص الكويتي يضمد جراح البيئة
 
نص
 
المرصد الثقافي