يعود صيادو الأسماك في بورتو بالو، وهي قرية منعزلة في الطرف الجنوبي لجزيرة صقلية، بقواربهم عند غروب الشمس وشباكهم ملأى بأسماك القد والحبار والربيان· وتحوم طيور النورس حين يقتسم المصيد وينقل إلى الرصيف استعداداً للبيع في اليوم التالي·
في السنوات الأربع الماضية، كان الصيادون يعودون أيضاً بأسرار· فالمياه التي يصطادون منها ما بين بورتوبالو ومالطا هي مقبرة (383 شخصاً) على الأقل من رجال ونساء وأطفال·
في البداية، كانت صدمة أن يعثر الصياد على جثة مع السمك· وبمرور الوقت، تعود الصيادون ذلك· في أي حال لم تعد هناك أي جثث (كاملة) إنما فط أشلاء اجساد: ذراع، يد، رأس أو أسنان· إنها ملقاة في البحر ومنسية· وقد عرف الصيادون أن إبلاغ الحقائق للسلطات ينطوي على خطر الخضوع للتحقيق، وتفتيش الشرطة واحتجاز المعدات - أي الوقوع في حبائل البيروقراطية وإضافة المزيد إلى أيام الصيد الضائعة· وهكذا لزموا الصمت·
الأسبوع (قبل) الماضي انكشف السر فظهرت أسوأ مأساة في البحر الأبيض المتوسط منذ الحرب العالمية الثانية· كانت الجثث لمهاجرين غير شرعيين من شبه القارة الهندية أغرقوا الثالثة صباحاً يوم السادس والعشرين من ديسمبر عام 1996· فقد أنزلوهم من السفينة "يوهان" إلى زورق اصطدم فيما بعد بالسفينة وغرق· ثم أبحرت "يوهان" إلى اليونان حيث تحدث الناجون عن هول ما رأوا· لكن أحداً لم يهتم· لا خفر السواحل ولا السلطات الإيطالية ولا الصحافة· ثم أدى بحث خاطف عن الأشلاء إلى لا شيء، فطويت صفحة الحكاية· وصارت تعرف باسم "حطام السفينة السراب"·
في ما بعد أعاد الصحافيون بناء تفاصيل الرواية بشهادات من الناجين والأقارب· وتقصت صحيفة "الأوبزرفر" آثار 14 من الضحايا فوجدت أنهم من الباتانيين الأفغان المقيمين في الهند القاطنين في قرية توردهر في الشمال الغربي الباكستاني وهي قرية فقيرة تقع في سهول نهر كابول التي دمرها الحزن·
تبين أن بعض ضحايا توردهر هم من أفضل الشبان كانوا كلهم متعلمين: وعدد منهم يحمل شهادات جامعية ومعظمهم كان متزوجاً وله أطفال· لكن في منطقة ضربها الجفاف والبطالة والكثافة السكنية والفساد الرسمي واليأس الاقتصادي مما أجبرهم على الوقوع في القبضة العديمة الرحمة لمهربي البشر· أما أجور التهريب وهي سبعة آلاف دولار للمهربين فقد جمعوها بواسطة تضحيات العائلات والاستدانة·
اضطرت السلطات الإيطالية إلى التحقيق في مذبحة وقعت: فقد أجبر طاقم السفينة أكثر من 300 راكب بتهديد السلاح على النزول إلى زورق مصمم ليحمل ثلث هذا العدد· وكان يفترض أن يحملهم الزورق للنزول في خليج في صقلية عند مدخل قلعة أوروبا، لكن معظم هؤلاء غرقوا عندما غرق الزورق· ولم يستطع غير 24 شخصاً العودة إلى السفينة·
لم تأخذ السلطات هذه القضية على محمل الجد حتى عندما ساعدها صحافي من الأوبزرفر في العثور على القبطان يوسف الحلال بملاحقة "يوهان" حتى مرفأ كالابريا· فقد تطابقت الأسماء المحفورة داخل الزورق مع أسماء مهاجرين كانوا في طريقهم للانضمام إلى أفراد عائلاتهم في بريطانيا لكنهم لم يصلوا قط·
في مايو الماضي خضع الحلال (43 عاماً) وهو لبناني للمحاكمة في تهم كثيرة بما فيها القتل في ميناء سرقسطة في صقلية لكنه هرب من دفع الكفالة واختفى·
ثم وعدت السلطات بالبحث عن الأشلاء بواسطة غواصة لكنها لم تف ولم يعثر على أي جثث أخرى رسمياً· ونتيجة ذلك مازال أقارب كثيرون في الهند وباكستان وسري لانكا يمنون النفس بالأمل حتى اليوم ينتظرون مكالمة هاتفية من أزواجهم أو الأبناء أو الأحفاد حتى يقولوا إن الرحلة انتهت بسلام·
يمكن لعائلة أنبالاغان غانيشو وهو فتى في السابعة عشرة من التاميل أن تعلن الحداد· فقد سقطت بطاقة هويته البلاستيكية من جيب بنطلون جينز يحتوي عظاماً بشرية علقت في إحدى الشباك الشهر الماضي· وقال الصياد الذي وجدها: "كانت مثل رسالة رهيبة من القبر"·
كان انبالاغان يسافر مع أخيه أرولالاغان (18 عاماً) في طريقه إلى بريطانيا للدراسة· ولم تقبل والدة الشابين حقيقة أنهما اختفيا·
قبل ثلاث أسابيع نشرت صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية أن جميع سكان بورتوبالو الـ 3300 شاركوا في التستر على الواقعة بمن فيهم القسيس والعمدة· فقد أحرجوا وقالوا إنهم خافوا أن يخسروا أسباب الرزق لو حكوا·
وأفاد الأب كالوجيرو بالاسينو: "نعم أعرف، هكذا قالوا لي· وقد فعلوا ذلك حتى لا يتوقفوا عن العمل"·
بعض الصيادين يبدون وكأن أشباح من وجدوا تسيطر عليهم· أحدهم قال: "رفعتها إلى فوق فسمعت ضجة مكتومة: انفصل الرأس عن الرقبة· أغمضت عيني ورفعتها عن المتن وجمعت حطام الرأس ورميتها في البحر"· وهناك صياد آخر لا يستطيع أن ينسى جثة شاب أكلت الأسماك نصفه· وقال: "أدركت أنه غريب جاء من مكان بعيد وأن أقاربه يصعب بل يستحيل إدراكهم· ما كان في وسعنا أن نفعل شيئاً"·
أحد زملائه قال إنه لم يعد يتقيأ عندما يجد بقايا بشرية· "لقد تعودت ولم تعد تزعجني كنا نكتفي بإلقاء البقايا البشرية في البحر وبتنظيف السمك"· كانوا يحرصون على فصل العظام البشرية عن المصيد· وعندما جرفت المياه رأساً بشرية إلى الشاطئ في فبراير من عام 1997 التقطتها الشرطة، لكن أحد الصيادين قال إن الشرطة لم تحتفظ بأي محضر·
لم تحضر بورتوبالو لمثل هذا التحقيق الجنائي منذ اجتاح الحلفاء قمتها الصخرية، فهي لم يعرفها غير قليل من السياح بفضل مطاعم السمك وبساتين البرتقال والكروم والدفيئات والكهوف العائدة إلى ما قبل التاريخ·
يزور علماء الآثار هذه المنطقة بحثاً عن بقايا مستعمرة يونانية اختفت تحت التربة الحمراء قبل نحو ألفي سنة ليسجلوا وجود شعب ضائع·
ويحدث الشيء نفسه للحمولة البشرية للسفينة "يوهان" فوزارة الداخلية الإيطالية بدأت تحقيقاً في سر بورتوبالو·
(الأوبزرفر)