كلما عدت هذه الأيام من زيارات للخارج وزوجتي تسألني عن كيف كانت، أجد نفسي أجيب: "تعرفين يا عزيزتي، العجلات ليست مشدودة باحكام هناك"·
ما أعنيه هو أن مزيدا من البلدان في آسيا، أفريقيا وحتى في وسط أوروبا وشرقها هي مجرد بلدان فوضوية حيث لم تضرب جذورها بعيداً المؤسسات الجديدة لاقتصاد السوق والديمقراطية وحكم القانون، وأنك تجد تحت السطح شبكة الفساد والإجرام والمافيا والغياب المخيف لأي حكم قانون· وإذا زرت روسيا أو اندونيسيا اليوم يمكنك أن تذوق طعم ما أقصد·
هذا دفعني إلى تكوين رأي جديد: أنا الآن أعلن رسميا تعاطفي مع الاتحاد الأوروبي ودعمي· أنا أحب الاتحاد الأوروبي· وحبذا لو كان هناك اثنان· وليته يزداد قوة·
لماذا؟ لأن الاتحاد الأوروبي بأعضائه الـ 15 دولة يبني نفسه باعتباره نسخة غير محكمة (لما أسميه) "الولايات المتحدة الأوروبية"، بعملة واحدة وبنية ضابطة· وفي هذا العالم ذي الدول الفوضوية المتزايدة يعتبر وجود نسخة أخرى للولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي تقاسمنا القيم الديمقراطية والسوق الحرة وتحترم حكم القانون أمراً ذا قيمة عالية·
في الواقع، يجسد الاتحاد الأوروبي الحليف الأمثل للولايات المتحدة اليوم لأنه قوي اقتصادياً بما يكفي للمساعدة في تحقيق استقرار الدول الفوضوية في أوروبا الغربية، روسيا، أوروبا الشرقية وحتى في أفريقيا الشمالية ولتعويد هذه الأنظمة على الديمقراطية والرأسمالية· غير أنه مقسوم سياسياً بما يكفي، لاسيما في السياسة الخارجية، حتى لا يشكل أي تحد خطير للزعامة العالمية للولايات المتحدة· فما رأيكم في هذه الصفقة؟ ألا تعجبكم؟
يلاحظ هيثر غراب مدير البحوث في "مركز الإصلاح الأوروبي في لندن" أن الاتحاد الأوروبي صار قطباً جاذباً للديمقراطية والإصلاح الاقتصادي في أوروبا الوسطى والشرقية· ومن دون الاتحاد الأوروبي لما كانت هذه البلدان استطاعت أن تجد مخرجاً سهلاً من الشيوعية· فقد وفر الاتحاد الأوروبي نموذج إصلاح يمكن لهذه الدول اتباعه، وعملية اكتساب عضوية الاتحاد ـــــ أي إمكانية الانضمام إليه ـــــ أعطتها سبباً لمواصلة إصلاح نظمها الضريبية وإداراتها العامة لو كان ذلك حتى من خلال تغييرات الحكومات وكثير من الألم"·
في الواقع، كان قرار الاتحاد الأوروبي توسيع نفسه حتى يشمل 25 دولة (عشراً جديدة منها استونيا، لاتفيا، هنغاريا، سلوفيينا، وتشيكيا) أشبه بمدرسة تأهيلية للبلدان الشيوعية سابقاً، فضلاً عن فتح سوق واسعة للاتجار· ويعد سوق الاتحاد الأوروبي الذي يشمل 300 مليون شخص مصدراً مهماً للاستثمار في الولايات المتحدة، ومستهلكاً رئيسياً للصادرات الأمريكية ومحفزاً قوياً للاقتصاد العالمي عندما تتباطأ الولايات المتحدة واليابان·
لكن في حين اجتاز الاتحاد الأوروبي طريقاً طويلة في اتجاه تكوين سوق مشتركة، فما زالت إقامة طريق طويلة جداً نحو تكوين بنية سياسية وسياسة خارجية موحدتين· فمازالت العزة القومية والسيادة تقفان في طريقهما· وفي الواقع، يزداد تمسك البلدان الأوروبية بهوياتها الوطنية المتميزة كلما توحدت اقتصادياً· كما قلت آنفاً يعتبر هذا مثالياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة لو استطاعت تقييد السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي إنما من دون أن تشل قدرة الاتحاد على العمل في المسرح العالمي· إن تصويت (جمهورية) إيرلندا، التي صارت غنية بفضل عضويتها الأوروبية، ضد معاهدة نيس التي تفتح الطريق للتوسع نحو أوروبا الشرقية، هي إشارة تحذيرية مفادها أنه في حين يحب الناس في أوروبا ما أضافه الاتحاد إلى ثرواتهم فهم لا يريدون تحويل هوياتهم الوطنية إلى خليط أوروبي· في تقديري، أن الاتحاد الأوروبي سيتمكن من حل ذلك، ولهذا السبب يجب على الولايات المتحدة أن تبقى عينيها على المكسب· وهذا يعني مواصلة تشجيع التكامل الأوروبي وإبقاء القوات الأمريكية في البلقان (في الوقت الحالي) إن لم يكن لغير سبب آخر ما عدا تحقيق استقرار هذه المنطقة بما يتيح لبقية أوروبا أن توقف العلاقات في ما بينها·
نعم ستختلف الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي بشأن قضايا تجارية مثل رفض الاتحاد اندماج شركتي "جنرال الكتريك" و"هانيويل" نعم، نحن نتنافس نعم، الاتحاد الأوربي سيضايق الولايات المتحدة في بعض قضايا السياسة الخارجية· نعم، إن نموذجه الرأسمالي سيركز دائماً على الرعاية الاجتماعية أكثر مما عندنا· لكن بشأن القضايا الجوهرية، أي كيفية تنظيم المجتمع أو محاربة الزعماء الأشرار مثل سلوبودان (ميلوسيفيتش) وصدام (حسين) يتحول الاتحاد الأوروبي إلى توأم أمريكي وإن لم يكن توأماً مطابقاً·
هذا شيء طيب حقاً، لأنه في العالم الفوضوي حيث نعيش من الأفضل أن تكون لنا ولايات متحدة هنا وولايات متحدة هناك لا واحدة فقط·
توماس فريدمان
(نيويورك تايمز)