وافقت إدارة الرئيس (جورج بوش) التي أحبطتها ممانعة روسيا والدول الأخرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي قبول خطة لتعديل العقوبات على العراق، على تأخير إجراء تتخذه الولايات المتحدة لشهر واحد· لكن المشكلة المركزية للسياسة الخاصة بالعراق هي هنا في الولايات المتحدة لا في الخارج· فليس هناك خيار رابح بالنسبة إلى الولايات المتحدة نظراً إلى طبيعة الخطاب الأمريكي بشأن العراق والانطباع القائم أن الإدارة مازالت منقسمة حول هذه القضية·
هنا تكمن المشكلة: نظراً إلى الافتراضات السائدة بشأن العراق لن تكون أي نتيجة مرضية إلا لعدد قليل من الناس إن كانت أقل من إسقاط صدام حسين، أو إضعافه ظاهرياً، في حين أن قلة من الناس لا تمانع دفع ثمن حرب برية ربما كانت لازمة لضمان إطاحته·
في حين يصورون صدام هنا (في الولايات المتحدة) أنه واحد من أعظم التهديدات للسلام العالمي، ترى فيه بقية العالم مجرد دكتاتور غليظ القلب لا قوياً بما يكفي لتوجيه أي تهديد ولا انتحارياً حتى يكون غير آبه بالردع العسكري·
نفسها إعادة الصياغة الناجحة لعقوبات الأمم المتحدة التي تؤدي إلى تحسين حياة الشعب العراقي ووضع حد لأسلحة العراق ستعتبر فشلاً في الولايات المتحدة في وقت غير بعيد· فالأموال المتزايدة التي سيجنيها العراق والانفتاح الجديد الذي سيعرفه في التجارة والسفر ستكون نصـــــراً فـــــــي رأي قــــــادة العـــــراق الذين سيزداد موقفهم عناداً· أما خصوم هــــــذه السياســـــة فسيواصـــــــــلون الزعــــــم بأن العــــــراق يعــــمل سراً على تطوير أسلحـــــة التـــــــدمير الشامــــــل، وهـــــذا زعم لا يمكن رفضه كلياً· ومع كل صفعة تتلقاها احتمالات السلام العربي ــــــ الإسرائيلي تـــــــــزداد شعبية صـــــدام حســــــــــين في المنطقة حتى لو كــــــــــــــــان مجرد شكل لتحدي الولايات المتحدة فــــــي المنطــــــقة· وهكــــــذا يبــــــدأ تراشـــــــــــــــق الاتهامــــــــــات بالتهـــــــــدئة في واشنطن بسرعة·
من يدعون الآن إلى سياسة أشـــــــد جرأة بشأن العراق ترمــــــــــــــي إلى إطاحـــة صدام مرشحون لخسارة المــــــزيد لما كان عليهم أن ينتظـــــــروا قبل امتحــــــان سياساتـــــــــــــهم فشـــــــــــل العقـــــــوبات المعدلة حتى يرضوا التيـــار السائد في واشنطــــــــــن· في الحقيقة، ليس هنـــاك حل عسكري يمكن أن يضمن إطاحة صدام حسين إلا حرب برية· ولا شك أن أحدهم قد يكون محظوظاً بأقل من الحرب، لكن أي رئيس لا يستطيع التزام مثل هذا الخيار إلا إذا كانت فرصة نجاحه عالية، وإذا كان ذلك يعني التزام خوض الحــــــــرب عند الضرورة·
لكــــن غياب المساندة الشعبية لالتزام بهــذا المستوى كان أعظم من المعارضة المستعصية في الخـــــارج، ناهيك عن عواقب الحرب في أسواق النفط أو المخاطـــر التـــــــــي تعقـــــــــب إطاحــــــــة النظـــام· وفــــي كلتا الحالين، يكون البيـــــت الأبيــــض معرضاً للخسارة·
هنــــــاك طريـــــــق للخــــروج من ذلك ـــــ وهـــــــــي ليســـــــــت طريــــــــــــــــــق إرســــــــــــــال الدبـــــلوماسيين الأمريكيـــــين الموهوبين إلــــى جميع أنحاء العالم لإقناع الناس برؤيــة الأشياء بعيون أمريكية، أو القول إن المشكلة تقتصـــر على أوروبيين جشعين يريدون الاتجار مع العـــراق· فالمشكلة تبدأ مع الرئيــــــــــــس فـــــي توحيده مستشاريــــــه أنفسهــــم ثم التفاهـــــــــم مـــــــع الكونغـــــــــرس والشعب الأمــــــــــــريكـــــي· وجـــــــــــــورج بـــــــــوش لا يستطيــــع تحمل كونغرس مفتوح حــــــول العراق لما كــــــــان ذلك يعنــــي أن أيــــاً من الخيارين لن يعطي فرصة حتى ينجح·
يستطيع الرئيس أن يستعمل تغيّر القوى في الكونغرس كفرصة من أجل إجماع وطني بشأن العراق، فالتهديد العراقي هو تقليدياً قابل للاحتواء بواسطة وجود القوات الأمريكية في المنطقة حتى لو ازدادت مداخيل العراق· وفي حين ينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل على وضع حد لأسلحة التدمير الشامل العراقية، ينبغي عدم الوقوع في الذعر إزاء احتمال حصول العراق على هذه الأسلحة· ذلك أن العراق كان يمتلك أسلحة كيميائية إبان حرب الخليج عام 1991 لم تستطع منع الولايات المتحدة من خوض حرب شاملة ضده· والأهم من ذلك أن القادة العراقيين لم يستعلموها لأنهم أدركوا أنهم يقدمون بذلك على الانتحار لما كانت الولايات المتحدة مستعدة آنذاك للزحف على بغداد· لقد خففت غريزة البقاء لديهم المطامع الكبيرة كل مرة·
لن يتوقف صدام حسين عن تهديد المصالح الأمريكية، لكن طيفه في واشنطن هو أكبر من حجمه الحقيقي· إن تعظيم قوة من الدرجة الثالثة هو في حد ذاته إفشال للذات، فهو يقلل الخيارات السياسية ويضع جانباً كثيراً من الأولويات المهمة· إن إلغاء العقوبات مع مواصلة احتواء العراق عسكرياً هو السياسة الوحيدة القابلة للتطبيق إن لم نكن نريد الحرب· غير أن العوائق أمام هذه السياسة هي أعظم في الولايات المتحدة مما هي في الخارج· وقد آن الأوان حتى نجري نقاشاً وطنياً نزيهاً·
بقلم: شبلي تلحمي
(واشنطن بوست)