أقر مجلس الأمة في آخر جلسة له في دور الانعقاد الثالث للفصل التشريعي التاسع قانون التحقيقات الذي طال انتظاره حيث يعد القانون الجديد خطوة مهمة إلى الأمام لكنها خطوة غير كافية قياساً بما هو مأمول من مجلس الأمة نحو استكمال مبدأ استقلالية القضاء·
فالقانون الجديد تعامل مع الإدارة العامة للتحقيقات كطرف مهم في التحقيق والتصرف والادعاء بالجنح التي تعد أوسع مدى من الجنايات التابعة للنيابة العامة، كما فتح القانون الجديد الباب مستقبلاً لتوحيد مباشرة الدعوى الجزائية بشقيها الجنح والجنايات وهو أمر مهم ضمن تصور واضح لموضوع أكثر أهمية وأقرب إلى روح ونص دستور 1962 الذي نص على فصل السلطات مع تعاونها وأكد على ضرورة استقلال القضاء·
فالمطلوب من أجل الوصول إلى تحقيق ذلك المبدأ أن توحد الجهات التي تباشر الدعوى الجزائية بشقيها "الجنح والجنايات" في جهة واحدة تتبع النيابة العامة التي يجب أن تتبع بدورها مجلس القضاء الأعلى· بل إن مجرد وجود وزارة العدل وصلاحياتها الحالية وتبعية إدارة التحقيقات لوزارة الداخلية ما هو إلا إعطاء صلاحيات أكبر لأجهزة تنفيذية الأمر الذي قد يقلل من صلاحيات مجلس القضاء الأعلى وقد يخل كذلك بمبدأ استقلالية القضاء· وقد يقول قائل إن المادة 167 من الدستور أعطت الحق لجهات الأمن العام بتولي الدعوى العمومية في الجنح على سبيل الاستثناء· ولا يجوز التوسع فيها·
وعلى الرغم من إيجابيات هذا القانون التي منها إنصاف فئة مهمة من العاملين والمؤهلين في هذه المؤسسة المهمة ومساواتهم بنظرائهم في النيابة العامة من الناحية المعنوية والمالية· إلا أن القانون الجديد وبالإضافة إلى النواقص التي أشرنا إليها آنفاً تعتوره مجموعة من السلبيات نتمنى معالجتها مستقبلاً للوصول إلى الغاية التشريعية المنشودة في إيجاد قوانين قليلة السلبيات·
ومن سلبيات هذا القانون اضفاء الحصانة القضائية على رجال الشرطة العاملين في إدارة التحقيقات وهو أمر خاطئ إذ لا توجد في أي دولة أخرى حالة مشابهة والحالة الاستثنائية الوحيدة هي عند مشاركة القوات المسلحة في مهمة دولية تحت إشراف الأمم المتحدة حيث يشمل الأفراد العسكريين بحصانة ديبلوماسية وليست قضائية· أما الحصانة القضائية التي سيتمتع بها منتسبو الإدارة العامة للتحقيقات من العسكريين فتعني عدم اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق والتفتيش والقبض في حق عضو الإدارة إلا بموافقة وزير الداخلية· هذه الحصانة مماثلة لتلك التي يتمتع بها أعضاء النيابة العامة مع اختلاف واضح أنه في حالة النيابة يؤخذ الإذن من مجلس القضاء الأعلى بينما في التحقيقات من وزير الداخلية·
فالعسكريون العاملون في الإدارة يمنحون صفة التحقيق ولوزير الداخلية الحق في نزع هذه الصفة عنهم بينما يختلف الأمر لدى المدنيين في الإدارة فهم يحملون صفة التحقيق والحصانة التابعة لها بقوة القانون· هذه السلبية ستنعكس بشكل واضح على الإدارة ونسبة العسكريين العاملين بها فالمميزات الجديدة ستجعل من الإدارة العامة للتحقيقات إدارة جاذبة سيسعى كثير من العسكريين المؤهلين قانونياً للانتقال إليها ما سيفقد كثير من جهات الأمن الأخرى عناصر مهمة وفاعلة فيها وهي ربما أحوج للضباط الملمين بالقانون من التحقيقات التي بإمكانها الاستغناء تماماً عن العسكريين العاملين بها والاكتفاء بالمدنيين·
سلبية أخرى في القانون الجديد يجب الوقوف عندها كثيراً وهي ما نصت عليه المادة 13 من القانون في فقرتها الثانية حين حظرت على العاملين في الإدارة العامة للتحقيقات إبداء الآراء السياسية، لاحظوا مجرد إبداء الآراء السياسية ممنوع على هذه الفئة بحيث يعاقب من يخالفها بالإحالة إلى مجلس تأديب· هذه المادة تخالف المادتين 30 و36 من الدستور التي كفلت حرية التعبير بكل أشكاله· اضافة إلى أنها تحرم فئة من موظفي الدولة حقهم في إبداء آرائهم في كثير مما يعتبر أموراً عادية يتداولها الناس في الدواوين علاوة على أن العاملين في هذه الإدارة ليسوا جهة إصدار أحكام قضائية حتى يخشى المشرع فقدانهم للحيادية كما هو الأمر لدى القضاة·
فالعاملون في الإدارة كما هي الحال في النيابة العامة يجرون التحقيق ويجمعون الأدلة لتحقيق أركان الجريمة وإحالة القضايا إلى المحاكم التي هي وحدها من يحق لها إصدار الأحكام بل إن للقاضي الحق الكامل في إعادة التحقيق وعدم الأخذ بما أحيل إليه من جهات مباشرة الدعوى الجزائية· هذا الأمر يجعل من سلطة المحقق سلطة جزئية محدودة لا تستدعي حرمانه من إبداء رأيه السياسي· كما لهذه المادة وتبعاتها آثار أخرى فالعامل في هذه الإدارة لا يستطيع أن يخوض الانتخابات النيابية كأي مواطن آخر إلا إذا قدم استقالته بينما جميع موظفي الحكومة بإمكانهم أخذ إجازات خاصة خلال فترة الانتخابات· أما إذا لم يوفق في النجاح لعضوية مجلس الأمة فلا يعود إلى عمله إلا بموافقة وزير الداخلية الأمر الذي يعطي وزير الداخلية صلاحية قد تستخدم ضد بعض الأشخاص الذين لا تتفق آراؤهم وبرامجهم الانتخابية مع رأي الوزير مما يجعل موظفو هذه الإدارة تحت ضغوط غير مباشرة للتنازل عن حقهم كمواطنين في خوض المعركة الانتخابية بحرية·
هذه بعض السلبيات المخلة بالقانون الجديد الذي نأمل من السلطة التشريعية مستقبلاً أن تسعى إلى استكمال التشريعات التي تضمن للسلطة القضائية استقلاليتها التامة والكاملة عن السلطات الأخرى إعمالاً لنصوص الدستور· كما نأمل من وزير الداخلية عدم التوسع في منح صفة التحقيق للعسكريين لما لذلك من أثر عكسي يضفي صورة العسكرة على الجوانب المدنية لمجتمع يفترض فيه تغليب الصورة المدنية على معظم جوانب حياته··