كتب محرر الشؤون السياسية:
الأسبوع المنصرم كان حافلاً بالأحداث المهمة على الصعيد السياسي، ففي يوم السبت أنهى مجلس الأمة دور الانعقاد الثالث للفصل التشريعي التاسع بإقراره مجموعة قوانين مهمة مثل قانون المرور وقانون التحقيقات، وعلى هامش الجلسة صرح الشيخ صباح الأحمد للصحافيين أنه "حتى الآن لا نزال نؤمن بالديمقراطية كوسيلة استقرار واستمرار" مما أثار مجموعة من التساؤلات حول ما قد تعنيه تلك الكلمات خصوصاً وانها تصدر عن شخص بمكانة الشيخ صباح ولجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه· التساؤلات لم تكن فقط حول ما قيل بل ربما حول ما لم يقل في تلك الكلمات المقتضبة والمهمة في آن معاً·
فالاشارة إلى أن الإيمان بالديمقراطية مربوط بزمن معين بقوله "حتى الآن" قد يعني أن زمناً ربما يأتي يقل فيه الإيمان بالديمقراطية بل قد يعني هذا أيضاً أننا لم نستقر حتى الآن على أن النظام الديمقراطي هو قدرنا المحتوم الذي يجب ألا نتطلع خارجه حتى ولو مجرد تفكير فقد مررنا بما يكفي من أزمات كانت ناتجة عن عدم الإيمان الراسخ بالديمقراطية كنظام حكم· بل وللأسف الشديد تحكي تجربة الحكم الدستوري لبلدنا الصغير الكثير عن المعاناة بسبب ذلك الأسلوب الذي تلى وفاة المغفور له الشيخ عبدالله السالم راعي الديمقراطية ومؤسس الدستور، فقد توالت النكسات بدءاً من تقديم قوانين غير منسجمة مع الدستور وتعسف الحكومة باستخدام الغالبية المريحة لها في الفصل التشريعي الأول لتمرير قانون المطبوعات والنشر والتجمعات ثم تزوير الانتخابات للفصل التشريعي الثاني 1967 وحل المجلس عام 1976 وحل مجالس إدارة جمعيات النفع العام وإغلاق نادي الاستقلال· ومحاولة تنقيح الدستور عام 1980 بتشكيل لجنة تنقيح الدستور وتكرار المحاولة في مجلس 1981 بعد أن فصلت الدوائر الانتخابية للاتيان بمجلس ضعيف تصورت الحكومة آنذاك إمكانية تمرير رغبتها بتنقيح الدستور· وصولاً إلى حل المجلس العام 1986 واستخدام العنف مع الشعب للمرة الأولى أثناء تصدي قوات الأمن لتجمعات الاثنين وفرض رقابة مسبقة على الصحف وتعطيل مجموعة من مواد الدستور إلى أن خرجت إلى النور الصورة المطلوبة "للديمقراطية الخاصة" التي ترغب بها الحكومة وهي صيغة المجلس الوطني سيئ الصيت والسمعة الذي قاطعته غالبية الكويتيين آنذاك، كما توقع الناس أن الديمقراطية قد استقرت واقتنع بها الجميع بعد مؤتمر جدة وبعد تجربة الغزو واحتلال الكويت من قبل صدام وأزلامه، تلك التجربة التي أثبت فيها الشعب الكويتي والمعارضة على وجه الخصوص التزامها بالدستور الكويتي وتأكيدها على شرعية الحكم استناداً للمادة الرابعة من الدستور وديمقراطية هذا الحكم كما نصت عليه المادة السادسة منه· إلا أن الجميع فوجئ بدعوة المجلس الوطني للانعقاد بعد انتهاء فترة الأحكام العرفية التي تلت تحرير الكويت وكأننا "لا طبنا ولا غدا الشر"·
وبالتالي فإن تلك التصريحات وللأسف الشديد قد يفهم منها أن الديمقراطية لم تصل إلى اعتبارها أساساً للحكم بل مجرد "وسيلة استقرار واستمرار"· فمن "لدغته الحية يخشى الحبل"·
نتمنى أن تكون تلك العبارات مجرد تعبير غير دقيق وغير مقصود بالشكل الذي فهمناه وكنا قد توقعنا إشارة ولو بشكل غير مباشر لتوضيحه أو نفي الجانب الغامض منه في لقاء الشيخ صباح برؤساء التحرير يوم الاثنين إلا أن أمراً من هذا لم يحدث·
بل فوجئنا كذلك أثناء لقائه برؤساء تحرير الصحف بدفاعه المبالغ فيه عن القوى الدينية، ونحن لسنا في مجال ننافس فيه تلك القوى للتقرب من أقطاب الحكم إلا أننا وحرصاً على التوازن بين القوى السياسية نتوقع من نائب رئيس مجلس الوزراء التأكيد على علاقته بكل القوى السياسية· فالقوى الديمقراطية لا تسعى لعلاقة انتهازية تحصل من خلالها على تسهيلات مالية وسياسية واجتماعية يمكن من خلالها كما تفعل القوى الدينية من السيطرة على المجتمع الكويتي من مواقع مختلفة، فها هي وبتمكين من الحكومة تسيطر على بيت التمويل الذي تملك فيه الحكومة 60 في المئة من رأس المال وتسيطر على بيت الزكاة وهو مؤسسة حكومية وتسيطر على الأمانة العامة للوقف ووزارة الأوقاف ومعظم المساجد وعلى مدارس وزارة التربية وكثير من جمعيات النفع العام بفروعها التي ملأت المناطق السكنية· كل هذه الامتيازات ليست سوى تنفيع انتهازي تمكنت القوى الدينية من استثمار علاقتها بالسلطة السياسية لتحقيقها· أما القوى الديمقراطية في المقابل فلم تسع أبداً إلى علاقة على ذلك المستوى بل دافعت ولا تزال عن النظام الديمقراطي والسياسي لحكم البلد وهو مصدر الاستقرار الحقيقي والتوازن الفعلي في المجتمع، هذه القوى هي المدافعة عن المؤسسات والدستور ونظام الحكم أي انها فعلياً ليست معارضة بل المعارضة تكمن في من لا قناعة له بهذا النموذج الرائع للحكم·
فقد أثارت كلمات الشيخ صباح الأحمد في لقائه برؤساء التحرير حول القوى الدينية حواراً بين كثير من المنتمين للقوى الديمقراطية والوطنية حول ما قيل إن تحالف القوى الدينية كان مع طرف في الحكم وانهم لا محالة خاسرون مع الترتيبات الجديدة تبين أنه كلام مبالغ فيه ولا دليل على إثباته بل تبين وبما لا يدع مجالاً للشك أن علاقة القوى الدينية بالحكم تمثل نهجاً يتبناه النظام وأنه تحالف واضح لا علاقة له بالأفراد·
من جانب آخر تطرق الشيخ صباح لموضوع حقول الشمال وقال "هناك بعض الأمور لم ننته منها بعد مثل تطوير حقول الشمال النفطية وأشياء أخرى ليست من اختصاص المجلس، نحن نريد إنهاء بعض الأمور دون ضجيج ومن هذه الأمور موضوع حقول الشمال· كما أكد أن الكويت تستطيع تطوير الحقول وأننا نحتاج إلى الخبرة الأجنبية· والتساؤل الذي يطرح نفسه الآن لماذا الخبرة الأجنبية إن كان بإمكاننا التطوير؟ بل لماذا نضطر لتسليم هذه الحقول للشركات الأجنبية بدلاً من تأجير خبراتها التي نحن بحاجة اليها فقط؟
لم يكن هذا فقط حصاد الأسبوع المنصرم، فقد عاد سمو ولي العهد رئىس مجلس الوزراء إلى أرض الوطن بعد أن قضى اجازة خاصة تخللها إجراء بعض الفحوصات الطبية ونحن إذ نتمنى لسموه دوام الصحة والعافية، ومع ترحيبنا بعودة سموه إلى أهله ووطنه إلا أن الناس تتناقل أطراف الحديث عن ما قد يترتب ليس على عودة سموه بل على رغبة سموه ممارسة دوره في الحكومة الأمر الذي تم ترتيبه خلال تشكيل الوزارة الحالية مع كل ما رافق ذلك من أزمات· نتمنى أن تكون أحاديث الناس في اطار الإشاعات فقط وأن الترتيبات الخاصة بالحكم لن يجري عليها تغيير أو تبديل لأن الوطن لا يحتمل مزيداً من الأزمات والتوتر·