رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 16-22 ربيع الآخر 1422هـ الموافق 7-13 يوليو 2001-
العدد 1484

قصة

غلط

 

بقلم: حميد الأمينü

اندفعت جموع الناس تطوف، تنسحق الشوارع تحت أقدامها، يرفسونها بأحذيتهم كمن يريد تدميرها، والبلدية غير مكترثة لصيانة الشوارع، تشارك في إغراقها بالماء والجموع الهائجة تعلن تأييدها بأعلى الأصوات لقيام الحرب، أصوات راعشة، متسائلة، يقودها حدسها دائماً إلى الصراخ فهي إن لم تصح في الشوارع ستخنق في السراديب، يقوم بالركض أمامها مفوض الأمن "جعدان" أما بقية الناس التي اختبأت في بيوتها أو القليل من الشيوخ والأطفال الذين وقفوا يتفرجون فهم يرتجفون كما يرتجف الأهالي أمام المحتل، وكما انطلقت الجيوش على الجبهات انطلقت جموع المتظاهرين تحتل المدينة، تهدد كل من لا يشارك· وعلى غير العادة فلم يكن "رجال الأمن" متحمسين هذه المرة وهم الذين دائماً يتقدمون الجموع لينالوا أفضل أنواع الصور إخلاصاً على شاشة التلفزيون، وقد أدركوا بحدسهم أن المخاطر هذه المرة لا يمكن السيطرة عليها وهم الذين دائماً يحسبون الشوارع بالسنتيمترات والبيوت بالأشبار ويعدون الناس بحساب الخراف· كان يوماً من أواخر أيام أيلول وفيه تزورنا أوائل الغيوم التي فارقتنا طويلاً وعلى أعتاب البيوت أغلقت الغيوم الداكنة أوائل شرائط السواد على جبين الأبواب المصفرة وقد تميزت مظاهرة اليوم بوجود الآلات الموسيقية كأعراس العروس التي تساق بالقوة إلى عريسها ذي السلطان وأمهاتها اللاتي يزعردن بأفواه فارغة قد سلب منها اللسان، يتراقصن وقد ملت أرواحهن البقاء داخل سجن الأجساد، وكاستثناء فريد انطلقت بعض الرصاصات ابتهاجاً، أثارت خوف "رجال الأمن" الذين انسحبوا من وسط الجموع ليرصدوا من الخلف·

أفسح المتظاهرون الطريق لسيارة مكشوفة تئن كلما ضربت دواليبها إحدى الحفر ولم يسعف السائق الوقت ليضغط على فرامل السيارة إذ لم يتبين وجه الشارع الذي ضرب دون شفقة بأقدام الناس وفي كل مرة يُسمع صوت "موحة" التي تمتطي ظهر السيارة تصفه بأقبح العبارات:

كسرت عظمي يا ابن···، يضحك بعمق ففي الليلة الماضية أخذها إلى العراء بعيداً عن المدينة بسيارته، أخذت "موحة" تلوح بغطاء رأسها فيما تناثر شعرها الذي لم تتم تسويته، وهي بصوتها المبحوح وقد أسود وجهها بعد أن مسح العرق المساحيق كمن يندب ميتاً قال أحد الواقفين: هذه زوجة عباس مظلوم· صرخت به: أنا من اليوم "موحة" وقد نسيت منذ الساعة عباس مظلوم، تركته على رصيف هذا الشارع· نادوني باسمي إن أردتم أن تطلبوا شيئاً· دهش "رجال الأمن" الذين كانوا يحمونها دوماً فعباس مظلوم السكير قد طلقها منذ خمسة عشر عاماً بعد أن عاشت معه أعواماً عدة يضربها في كل ليلة وقد حافظت على شرفه طوال فترة زواجها وعندما ضاقت به ولم تتحمل روحها الإذلال غادرت بيته مع أقرب سائق سيارة تاركة وراءها أربعة أطفال وقد نامت ليلتها متنقلة في سيارات الخضار والأجرة وشاحنات الحصى والرمل أكثر من نومها تحت سقف وهي تخفي اسمها قائلة لهم: إنني زوجة عباس مظلوم مظلوم·

مرت السيارة المكشوفة وهي تتصارع مع الشارع على باب بيت عباس مظلوم وقد وقف على سطحه جمع من الأطفال يطلون على الشارع، التفتت "موحة" صوب الدار، غطت رأسها الحاسر، امتلأت عيناها بالدمع وانقضبت روحها· قفزت من السيارة وغرقت في الجموع وقد انغلقت أذناها للدعوات وفقد أحد رجال الأمن غطرسته بعد أن ألقت به في الشارع إثر محاولته سحبها بالقوة إلى سيارة الأمن المحكمة الإغلاق، استمر الرقص في الشوارع احتفالاً ببدء الحرب وحين حل الظلام نصبوا بروجكترات ذات ألوان تسلط على البيوت فتظهر كديكورات في مسرح تراجيدي·· وتظهر الشوارع لدى انغماس الأضواء عليها مصفرة، تحتضر تحت دواليب الشاحنات وأقدام البشر· مرت طائرات عدة ترعد، ارتعبت البيوت وأطفأت الأنوار واستراح الشارع مستقلياً كمريض يخرج من غرفة الإنعاش· حل ظلام لا متناه تتناثر فيه أضواء شاحبة على الأسطح لمدخنين، تاهت "موحة" في هذا الظلام ليس لها رغبة في الكلام، زال الفرح الذي غمرها كالآخرين في البداية ثم حل محله ضيق، شعرت بقدميها تغوصان في ماء ليس له قرار وعمق الماء يجذبها إلى داخله وهي تستغيث ليبقى صوتها مكتوماً داخلها، يتضخم لديها الرعب فهي منذ أن تركت بيت زوجها تخشى أن يقتلوها غرقاً فحتى رجال الأمن حُماتها لا يستطيعون أن يجدوا دليلاً تمحوه المياه· أرادت أن تذهب إلى بيت "كريمة" صاحبتها ولم تفعل· سارت في تلك الليلة ذات الظلام اللا متناهي كالطريدة التي لا تريد أن تتوقف·

أغلقت "كريمة" باب بيتها وأطفأت الأنوار، انسحبت مع عيالها إلى إحدى الغرف، جمعتهم وأشعلت شموعاً صغيرة عدة وكأنها تحضر لقداس ولم تأبه للقرع الطويل على بابها، احتضنت عيالها بصمت تدفئهم ملتاعة وكأنها تودعهم إلى الجبهة ولم يزد عمر أكبرهم على ثماني سنوات· أفرغته حافظة نقودها وفرقتها عليهم· أحست بأن هناك شيئاً سيتغير لا تعرف ما هو، فقط الا يمس عيالها، فمنذ سنوات وهي تبتاع لهم أي شيء يجعلهم فرحين، أي شيء مهما كان ثمنه، وقد حسد عيالها جميع أطفال محلة "السراي" الذين لا يملكون ملابس عيال "كريمة" الملونة ولا مصروفهم اليومي فهم يشترون الحلوى كما يشتهون في النهار، وفي الليل بعد الساعة الثانية عشرة وبعد أن ينام جميع عيالها يتوافد زبائن "كريمة" وعادة ما يكون العمل في نوبات آخر الليل، ثقيلاً، فعندما تقفل آخر البارات على أجساد وعقول الناس المتعبة تقذف بعضهم الشوارع على بيت "كريمة" حسب موعد مسبق، ومع كل تحذيراتها فهي تلقي بهم قبل طلوع الضياء إلى الشارع الذي يعيدهم إلى متاهات أخرى· في آخر النهار ينفد كل ما حصلت عليه "كريمة" من الليلة السابقة بين يدي عيالها وقد بغض عيال الشارع من بيوتات أخرى أمهاتهم على شحة مصروفهم وتمنوا جميعاً أن يكونوا أبناء لكريمة·

سمعت "كريمة" طرقاً على بابها، دخلت "زاهية" تترنح وقد شحب وجهها وأحمرت عيناها· قالت وهي تتجه إلى غرفة "كريمة": سأرتاح ساعة وسأغادر إلى بيتي سأقول لهم انك مريضة ليلة أمس واضطررت للبقاء عندك·· كنتُ عند سامي·

في الليلة الماضية والجموع تضرب الشوارع فر قلب "زاهية" وقد رأت الجبن في عيون "رجال الأمن"وهم ينسلون لدى تصاعد الحماس والشجاعة في جموع الناس فلقد درج أن يمتلك "رجال الأمن" أقصى درجات الشجاعة عندما يتملك الناس أعظم الخوف، و"زاهية" لا تحب عامة الناس بخلاف "موحة" و"كريمة" فزوجها من عامة الناس وزبائنها من الأثرياء وذوي النفوذ، وهي بفتوتها وجمالها ترى أن زوجها دونها منزلة رغم أنه من أبناء عمومتها، وبمرور الأيام أخذت هي شخصية الرجل في البيت ثم أباحت لنفسها أن تقوم بما يقوم به معظم الرجال من الاختلاء بغير زوجاتهم، وبعض الهدايا تعطيها لسامي الرسام الذي أحبته بصدق، وقد أغراها خجل سامي لتسمعه عبارات أنثوية عن تفاصيل ما خلق الله لدى الرجل والمرأة·

رحب بها سامي وسألها عن سبب صراخ الناس فأخبرته بقيام الحرب، لم يعبأ في البدء ثم توقف، قذف ريشته وسأل: ماذا يمكن أن يموت؟ مد يده إلى "زاهية" انتفضت كمن صحا من حلم مرعب، استغرب سامي نفورها هذا اليوم وهي التي تلقي بثيابها على عتبة الباب ولا تأخذها إلا عند خروجها منه، سألها سامي: هل أنت مريضة؟ أجابت: فقط إنني لا أريد اليوم·

جلست صامتة جلب لها لوحاته الحديثة، ألقى ببعض النكات المبتذلة، أحضر لها عصيراً وبقت صامتة· كان سامي لا يحب في "زاهية" ثرثرتها المتواصلة وقد وجد أن صمتها أسوأ من ثرثرتها·

فقد النهار ضياءه بعد أن ألبست الحرب معظم الناس جلابيب السواد، أصبحوا يحسبون ما تبقى لهم من أيام وامتزج الخوف مع الموت المؤكد ليطلق شعاعاً قاني السواد ينطلق من عيون الناس، يغمر الشوارع والبيوت والأشجار، وغادر شعاع الروح الأبيض الذي فر مسرعاً وأصبح مستحيلاً إعادته فيما أطفأت الحرب أعداداً هائلة من الأرواح في ظلمتها السحيقة كما تنطفئ ضياءات النجوم البعيدة في ليل الفضاء السحيق، تموت بلا مبالاة، تناقص عدد الشباب في الشوارع ثم اختفوا ليعودوا في إجازات قصيرة عند أول كل شهر بأرواح معطوبة·

التصقت "زاهية" بالرسام سامي وأخذت تقضي معظم أوقاتها معه وأدمنت على الشراب وتركت باقي زبائنها الأثرياء الذين طلبوها مراراً ثم استبدلوها بأخريات من ذوات الملابس السوداء اللواتي يرتدين من الداخل الألوان الصارخة المثيرة· عبثاً حاول سامي الرسام أن تسمعه تلك العبارات الأنثوية التي كانت تبقيه مشتعلاً طيلة لقاءاته معها· واختفى التلوين من ريشة سامي الرسام· جمع لوحاته، أفردها أمامه، توقف عند انحناءات جسد "زاهية"، تخيلها من عمل غيره، ربما رسمها في الحلم الذي يجعل الأشياء أكثر قوة على الذاكرة· رفع ستارة النافذة وفتحها قليلاً ولم يتسلل النور· أراد أن يرسم وجه "زاهية" الصبوح الوردي اللون، أمسك بالفرشاة وغمسها في اللون الأسود وحين همّ أن يلامس اللوحة كانت موهبته كرسام قد غادرته، واختلطت عنده الوجوه أبرزها وجه مدرس الرياضيات وهو يؤنبه لفشله الدائم· أغلق سامي الرسام النافذة وأشعل النور وعاد يتفخص لوحاته بإمعان ليجد في كل لوحة شيئاً ما من "زاهية" قوامها في جذع شجرة زهرية اللحاء، قطع متناثرة من جسدها على غيوم، إشراقة شمس وجهها ترسل أشعة وردية على سريره، أيقن سامي الرسام أنه لولا "زاهية" لما اكتملت كل هذه اللوحات، أيقظها، أجابته أنها لم تكن نائمة، وصمتت، فمنذ أن بدأت الحرب لم يرسم أية لوحة·· لا تصمتي·· توسل إليها·· أيقظي فيّ ما كنت تفعلينه، ما كان يعجز عنه كل وقود العالم وطاقاته، اجعلي عصب أصابعي ثابتة في الفرشاة لتشكل كل حيوات العالم ورؤاه، غرائزه وألوانه·· شراهيته وخيالاته·· أيقظي فيّ ما نام من كل دببة الغابات وعواء ذئابها·· اطردي وجه مدرس الرياضيات· استمر صمت "زاهية" ككتل الظلام يعمي سامي الرسام ويقبض روحه· نظر إلى الجسد الذي كان· بلاستيكية تفتقد الروح والعطر وضع سامي الرسام وجهه على حافة السرير وظل ينتحب فقد أطفأت روح "زاهية" وبقي جسدها كجسد الميت يمشي ما بين قبر بيتها ومغسلة سامي الرسام الذي يجد جسدها انتعاشاً طفيفاً عنده كما يجده جسد الميت عند غسله ورش الكافور عليه·

أقفلت "كريمة" بابها تماماً، تغير قلبها لدى طرق الباب وهي لا تأنس إلا بزاهية وتشفق على حال "موحة" مخبرة إياها أنها ما شعرت بالجوع فإن بابها مفتوح لتأكل فقط وليس لتنام، أخرجت "كريمة" مصاغها فمنذ أن كانت بعمر زاهية يافعة، فتية، انهالت عليها الأموال والهدايا، قطع من الذهب كبيرة دفنتها تحت بلاط غرفتها، انتقت أصغرها لتبيعها للصاغة وتنفق على عيالها، ورغم توقف تمويلها الليلي لم تبخل كريمة على عيالها الذين تفتديهم بعرضها وشرفها، لقد مات أكبر عيالها صغيراً منذ ثلاث سنوات ولكنها تنعيه بداخلها باستمرار كمن دفنته اليوم وحين قالت لها "زاهية" مواسية: إنه مات منذ سنوات عدة· أجابتها: بالنسبة لي فقد مات اليوم· لم يفهم عيالها سبب فزعها المفرط عليهم فهي تنتفض على كل من يريد المساس بهم، تحارب الأوهام والرؤى وعزرائيل، ورغم أن "كريمة" قد توقفت تماماً عن استقبال الزبائن إلا أن بعضهم يمر عليها للسلام فقط، تبقيه لدقائق ثم تطلب منه بلطف أن يذهب فقد تعود منها الزبائن التهذيب والمعاملة الطيبة التي لا يجدونها عند معظم بائعات الهوى، وعندما شحت المواد التموينية بسبب إطالة الحرب قام العديد من معارفها عند مجيئهم في الاجازات بجلب كل ما تحتاج اليه والذي عادة يصرف فقط في حوانيت الجيش، أصبحوا يعاملونها كأخت تماماً يأتون لها في وضح النهار محملين بالحاجيات وليس متسللين آخر الليل كما كانوا يفعلون سابقاً· تملك الخوف المريع "كريمة"، تستيقظ في فترات الليل مرعوبة، تنزل من سريرها، تحصي عيالها بعد أن جمعتهم معها في الغرفة، صرخت وقفزت إلى النور تشعله عندما  وجدت شخصاً إضافياً مع عيالها، حسبته قاتلاً ثم أدركت خطأها بعد أن هبت "زاهية" مذعورة تبسمل لها وتمازحها بأن الموت بعيد عن بيتها، ومشغول هناك على الجبهة· أجابت "كريمة" وجسدها يرتعش يبلله العرق: في الحرب يكون القتل في كل مكان· وضعت "زاهية" رداء أحكمت لفه على جسد "كريمة" التي ظلت تبحلق على عيالها، وفي الشوارع والأسواق ظلت الأقمشة السوداء والملابس الداخلية الملونة تنفد بسرعة واستعانت الحكومة التي أصبحت شريكة لكل تاجر وبقال بالدول المجاورة وتضاعفت أسعار الأقمشة السوداء والملابس الداخلية الملونة، تعددت موديلاتها وتضاءلت إلى الحد الذي لا يستر العورة وامتلأت الشوارع بالعيون التي تتغامز والحواجب التي ترتجف بإيقاع·

شكلت فرق جديدة تجوب الشوارع وتفتش البيوت بحثاً عن الهاربين، رجالها غلاظ آتون من مدن أخرى ليس لهم مودة مع "رجال الأمن" ولا مع النساء المتشحات بالسواد فهم الذين يقبضون على عيال الناس أحياء ثم يعيدونهم لأهاليهم موتى مع سيارة "تويوتا" هدية أو مع فاتورة بثمن الرصاصات التي أطلقوها هم على الضحية· قبض رجال الفرق الخاصة على الكهول ثم على الشيوخ من الناس وأرسلوهم إلى الجبهة بعد أن اقتربت الخطوط الأمامية من حافات المدن وأصبحت الحكومة تصرخ بالدفاع عن الشرف وهذا ما أرعب "موحة" و"زاهية" و"كريمة" التي تضاعف رعبها عندما سرت شائعات بتجنيد صغار الصبية·· فقط عيال "كريمة" لم تسلبهم الحرب فرحهم الدائم فهم مازالوا يحصلون على الدوندرمة والحلويات التي تناقصت بشكل كبير وأصبح ثمنها باهظاً وقد حرم منها كل صبية "محلة السراي" عدا عيال "كريمة" موضع حسد الحارة والذي شمل حسدهم "كريمة" أيضاً فهي لم تنع زوجاً لها في ظل الغلاء والجوع والخوف فقد مات زوجها منذ زمن بعيد والتأم جرحها·

جاءها عدد من الصبية يحملون لها طعاماً، أخبرها أحدهم أن شاباً يرتدي الملابس العسكرية سأل عنها في الحارة وقد أخبره أحدهم بمكانها، تساءلت: من يكون هذا؟ أجابها أحد الصبية إنني أعرفه فهو يسكن في محلة الشرقية ووالده يمتلك دكاناً، إنه ابن عباس مظلوم، لم تأكل "موحة"، احتوتها الوساوس، ربما بعد أن علم بحالي يريد أن يجبر ما تبقى من أيامي فهو ولدي·· أبعد كل هذه السنين يفهم لماذا أصبحت هكذا·· أيعلم أن هذا الجسد الهرم قد جلد بخيزران والده، أخذت عقابي ثم أذنبت·· دفعت ما عليّ لله وللناس قبل أن أجلس على سرير مريم المجدلية·· أيذكر حليب هذا الجسد الذي كساه لحماً وعظاماً· تصمت وساوسها قليلاً ثم يتكلم صوت آخر·· لقد أنشأه عباس مظلوم الذي أطفأت كل حرائقك في روحه وجسده وفي باب دكانه وعلى عتبة داره·· انطلق صوت المذياع لدى جارها عالياً يصيح: الشرف·· دافعوا عن الشرف· شهقت "موحة" وأيقنت أنها حتماً مقتولة· في مساء ذلك اليوم أوت "موحة" لفراشها مبكراً فقد أثقل الإعياء جسدها  وفكرها، شعرت بالظلام في غرفتها يعمي البصر وهي التي لا تخشى الظلام عادة، فتحت النور، أطلت من باب غرفتها فوجدت الشوارع والسماء والبيوت حالكة الظلام تغطيها كتل من الظلام تماماً كما في اليوم الأول من الحرب، بحثت عن مصباح أو نجمة وفيما هي تصغي إلى السكوت قطعه صوت مرتعش: أنت زوجة عباس مظلوم؟ ردت قائلة: أنا موحة· لم تتبين وجه الفتى ثم أردفت: هل تبحث عن أحد· أجابها: نعم، أبحث عنك· دفعها إلى داخل الغرفة وأغلق الباب: أنا ابن عباس مظلوم·· أنت ابني·· كلا·· أخرج مسدساً أداره نحوها·· لقد قبض أبوك ديني منذ زمن·· تأملته بإعجاب فقد أصبح رجلاً·· لقد سلبت شرف أبي·

ابتسمت قائلة: أرسلك أبوك لتبحث عن الشرف الآن بعد أن أخذت الحرب كل ما تبقى لنا من شرف· انطلقت منه رصاصتان، شهقت "موحة": آه لو أن رصاصاتك قد استقرت في أي جزء من جسدي غير المكان الذي أرضعتك منه·

ماتت "موحة" بعد أن رفع رجال الأمن حمايتهم عن شرف العاهرات·

توقفت ذاكرة "كريمة" لبعض الوقت عندما علمت بموت "موحة" ثم انهارت باكية ولم تحضر تشييعها حيث دفنوها قرب ضريح أحد الأولياء خشية الابتعاد عن عيالها ولو لنصف يوم بل أرسلت معها "زاهية" وأعطتها كل ما يلزم من تكاليف الدفن والنقل· تضاعف خوف "كريمة" بعد موت "موحة" فلها أربعة أخوة يحثهم المذياع يومياً للدفاع عن الشرف، المذياع نفسه الذي كان يعزف قبل سنوات الحرب الموسيقى الراقصة ويحثهم على المجون، التصقت بعيالها وطلبت منهم عدم اللعب في الشارع واذا ما خرج أحدهم تبعته مرعوبة، همست لها "زاهية" بأنها وليس عيالها التي ربما تواجه المتاعب، أجابت "كريمة" همساً: أنا وعيالي روح واحدة ولو جرى لهم شيء فسيكون في ذلك هلاكي·

شعر عيال "كريمة" بقسوة لم يعهدوها بأمهم وهي التي يتمناها كل صبية الحارة أماً لهم، إلا أنها سرعان ما تلاطفهم وتطيب خاطرهم قائلة: لقد تفرقت روحي بينكم ولم أملك منها شيئاً، إن في حرصي المفرط عليكم كل روحي التي أخاف أن تضيع، ثم تنكب تغسل شعر رؤوسهم وتنظف أجسادهم·· ها أنتم كالنجوم تلمعون·· لا بل كالأقمار في بهائكم· وفي الليل بعد أن ينام عيالها تصعد إلى سطح الدار، تستلقي على ظهرها، تتأمل السماء·· أصبح عالمها الفسيح الذي تتنزه فيه بعد أن كفت عن الخروج من دارها وطلبت من "زاهية" تأمين حاجياتها، وفي السماء طرقات واسعة تنيرها المصابيح ومنتزها ونجوم ترقص الليل كله بعضها يخر من التعب، ودائماً ترى "كريمة" عيالها نجوماً لامعة ثم تفزع لبعدهم عنها هناك وكما يغلق آخر دكان في السوق تودع آخر النجوم وتنزلق إلى الأسفل، اعتادت جارات "كريمة" أن يكلمنها من على سطوح المنازل، وأخذن يتبسطن في الحديث معها ويحاولن إطالته وهي تكلمهن باقتضاب، وفي إحدى الليالي المقمرة اقتربت منها إحدى جاراتها من الفتيات وطلبت أن تكلمها همساً، حين رأتها "كريمة" مرتدية ملابس سوداء واستها بموت فقيدها، أجابت الفتاة أنه زوجها الذي مات في الحرب وترك لها صغيرين، وحين بدا الحزن على "كريمة" ضحكت الفتاة وشكت لها محاصرة أهل زوجها لها وأن "كريمة" هي الوحيدة التي يمكن لها المساعدة·· طلبت الفتاة من "كريمة" أن تعيرها إحدى غرفها لساعات عدة في اليوم بعد الثانية عشرة ليلاً، وأكملت تماماً كما كنت تفعلين سابقاً·

رفضت "كريمة" بجفاء، وألحت الفتاة: لقد التهمت الحرب مدخراتك ولو كانت مال قارون، سأعطيك في الليلة ما يكفيك لمدة شهر· صرخت "كريمة"، تسلل أصغر عيالها وخرج من الباب عند الغروب وحين همت بارتداء عباءتها للحاق به طرق الباب، سارعت لفتح الباب لولدها، طالعها وجه أخيها نصف ملثم· شهقت وأوصدت الباب، جاء صوته من الخلف: صغيرك "أمير" معي فإن لم تفتحي فسآخذه وأذهب·

دخل عليها اثنان من اخوتها، أنكر عيالها الزائرين فلم يتعودوا رجالاً في بيتهم، طلب الاخوة من "كريمة" أن ترسل عيالها لإحدى الغرف، رافقها أحدهم وهي تجمع عيالها، أجلستهم في غرفة التلفزيون وفتحت صوت الجهاز على أعلاه، طلبت من عيالها ألا يخرجوا إلا حين تناديهم، دخلت طوعاً مع اخوتها إلى الغرفة الأخرى وقد فارقها كل خوفها وذعرها· استل الاخوة سكاكينهم، همست لهم بهدوء: لي رجاء واحد أن تطلبوا من أخي "سويلم" أن يأتي إلى الدار·· إنها ليست محاولة للتملص والهرب فهو الوحيد من بينكم الطيب والحنون وأريد أن أأتمنه على عيالي، عندي بعض المصاغ والنقود المخبأة وأرغب في تسليمها له وحده، وحين رفض الاخوة أخرجت لهم كل ما  تملك، وانغرزت السكاكين في جسدها بأنات خافتة تتقطع، استسلم جسدها بصمت كشاة مذبوحة لا تحس بالآلام فلقد فارقت "كريمة" روحها منذ زمن بعيد على عيالها· ماتت "كريمة" بعد أن ابتاعت الحرب شرف العاهرات·

أيقنت "زاهية" أن عشاقها بمن فيهم سامي كانوا يخدعونها، لم يصغوا إلى مشاعرها وآلامها التي أفضت بها اليهم بل يرونها فقط جسداً ساحراً عبقاً، وحتى سامي في رسوماته لم يقرأ في عيونها اليافطة المرسومة أنها تعاف زوجها بل أظهر أدق التفاصيل في ثنايا جسدها·

قبل مقتل "كريمة" سيق سامي إلى الجبهة دون تدريب حتى على رماية مسدس وفي أول يوم وصوله حدثت مجزرة توقفت لها أحاسيسه، لم يستطع أن يحمل بندقية وهو الذي عجز عن حمل فرشاة رسم وأيقن أنه غير قادر على حماية نفسه ولا على قتل أي إنسان، غادر سامي مكانه في الليل عائداً معرضاً نفسه لرصاص رجال الفرق الخاصة، وصل إلى المدينة عند الصباح بعد أن زيف ورقة إجازة، حام حول بيت "زاهية"، أطل زوج زاهية من الباب والتقت عيونهما، سارع مهرولاً إلى مرسمه، أخذ بعض حاجياته وسافر إلى أهله· بعد يومين اقتحم رجال الفرق الخاصة بعد أن أرشدهم زوج "زاهية" مرسم سامي وغرفته، أفرد رجال الفرق الخاصة لوحات سامي الست والعشرون وهي بعدد سنين عمر "زاهية" تحكي عن جسد "زاهية" الذي لا تخفيه الملابس وقد ظهرت أدق التفاصيل ورجال الفرق الخاصة يقيمون اللوحات بألفاظ بذيئة وزوج "زاهية" يراها تتجرد من ملابسها أمامه تتهيأ كي يفترشها رجال الفرق الخاصة، تخلف زوج "زاهية" في المرسم بعد أن غادره رجال الفرق الخاصة· جمع اللوحات، وجد كيروسين صبه عليها، أشعل ناراً بدأت بين قدمي "زاهية" صعدت إلى ساقيها، انسكب زيت اللوحة الوردي كالدماء، أخذ جسد "زاهية" يصارع النار وزوجها يؤججه والتهمت النار في دقائق أجمل حياة في ذاكرة فنان· أخبرت إحدى الجارات "زاهية" بأنها شاهدت الرسام سامي قبالة بيتها  منذ يومين، سارعت للخروج ولم تضع أي زينة، شاهدت الدخان يتصاعد من بيت سامي، أخبرها الجيران أنه فار من الجبهة وقد أحرق رجال الفرق الخاصة بيته وأضاف الجيران أنهم شاهدوه يحمل حاجياته متوجهاً إلى محطة الباصات· لم تعد "زاهية" إلى بيتها بل أخذت تمشي في الشوارع بخطى مسرعة حتى حل الظلام الذي كسر روحها وأعادها إلى البيت· وجدت زوجها، سألته: أين العال· أخبرها بأنه أرسلهم إلى أهلها، ثم أكمل: كنت مع رجال الفرق الخاصة في مرسم سامي وقد شاهدت الست والعشرون لوحة تحوي بعض العلامات في الداخل أنا نفسي لم أشاهدها من قبل، شهقت "زاهية" تأملت زوجها بملابسه الزيتونية ومسدسه على وركه· اختفت صورة الودود الخنوع وحل محله أحد رجال الفرق الخاصة وانتابها أفظع الخوف فقد قفز فجأة الموت الذي يتخفى في الزوايا· تكومت تحت أقدام زوجها  وهي التي كانت دائماً شامخة كما تتكوم البنايات متعددة الأدوار بعد تفخيخها، محطمة متناثرة الأجزاء، توسلت: أكلني كالكلب متى ما شئت سأكون لك جارية، جارية، جارية ابتعتها اليوم من سوق النخاسة لا ماضي لها· بللت دموعها أقدامه، أطفأت بعض الحرائق في روحه وعاوده طبعه القديم الحنون ثم ما لبث أن أفاقه الغيظ الأكثر ضراوة من النار التي التهمت جسد "زاهية" في مرسم سامي· أخذت تعليقات رجال الفرق الخاصة البذيئة تطرق رأسه وتحتها ينسحق تفكيره، ثم تمتم: ماذا لو علم رجال الفرق الخاصة، سحب مسدسه وأخذ يطلق عشوائياً، أصابت الرصاصات جسد "زاهية" وأرضية الغرفة·

 

ü قاص عراقي مقيم في الكويت

طباعة  

إضاءات
 
دار سعاد الصباح: إصدارات لمسابقات الإبداع الفكري والأدبي والعلمي
 
كتاباتها القصصية الأولى تشي بقدوم كاتبة مبدعة ذات عوالم مختلفة
ميس العثمان: هدفي سحب القارئ لحريق الصمت والأسئلة ·· حتى لو غدر بوابات النص الأخيرة

 
وتد
 
العربي: فريق الغوص الكويتي يضمد جراح البيئة
 
نص
 
المرصد الثقافي