محرمات الثقافي ومسموحات السياسي وزئبقية "التطبيع"!
نشمي مهنا
أبناء العقلية العربية، و"تجار" قضاياها القومية، اعتادوا على إدخالنا في دهاليزهم الواسعة، ذات الشعارات المترهلة والمطاطية، يقودوننا جموعاً مزدحمين، بعضنا فوق بعض لنسير مكبلين بممراتهم الدائرية، بلا نهاية·· أو أمل بالوصول·
يمنعون بسياطهم "الترهيبية" أي فرد من الجماهير المنساقة إن حاول اكتشاف ممرات فرعية·
اعتدنا - كشعوب وجماهير مسيَّرة - على تلك "العموميات" وثنائية الأبيض والأسود، واعتدنا الـ "مع" والـ "ضد" واستسهلنا الرؤية الضبابية، والسير بين رصيفيها، لاعتمادنا على "كدمات" الرصيف في تصحيح مسارنا·· واعتادوا هم كنخبة، قائدة، وكمؤسسات وحكومات على تلك الحال حتى بات ذلك طاغيا في ثقافتنا العربية·
لم يعطنا أحد منهم معنى دقيقاً لمصطلح "التطبيع" مع العدو··
أي ما هو التطبيع؟ ومن هو العدو؟
التطبيع أن نصافح أيدٍ أخطبوطية يدا سياسية، اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، تعليمية، الخ· (هل تلك هي الإجابة؟)·
و"العدو"·· إسرائيل بالطبع··
لا·· ليس بالطبع!
المعركة الحامية التي شُنت أخيراً على الكاتب المصري علي سالم، أسفرت عن غبار··!
إذ فُصل هذا الكاتب من اتحاد الكتّاب بدعوى زياراته المتكررة لنخب مثقفة يهودية في إسرائيل، ودعواته للتطبيع الثقافي معها، وقبوله للحوار بين الجانبين "أبناء العمومة"·
نرى "بعمومياتنا الواسعة"، أو كما تعرضها لنا نخبنا القائدة، أن اجتماع مثقف ما مع آخر يهودي تطبيع، أو ترجمة أعمال أدبية أو علمية لكتّاب ومؤلفين وعلماء يهود تطبيع·· أو متابعة القناة الفضائية الإسرائيلية بـ"اللغة العربية" التي ستنشأ قريباً·· هي نوع من التطبيع!·· وغيرها من وجوه الاتصال الأخرى التي تصب في مصلحتنا كعرب في معرفة العدو·
لم نفرق بعد بين إسرائيل كدولة وحكومة (مغتصبة لحقوقنا)، وبين اليهود كشعب، ترفض جماعات كبيرة منه ما تقترفه سياسات حكوماتها في حق شعب عربي أعزل، أو في استلاب أراضيه·
نرفض أن تُترجم أعمال كتابنا وروائيينا للعبرية، وتقاد معارك تطعن في وطنية كاتبنا وانتمائه بسبب الترجمة· وفي الجانب الآخر نجد وزيرا للتعليم في إسرائيل - منذ سنوات - قام بترجمة قصائد شاعرنا الفلسطيني محمود درويش، مع ما تتضمنه من معاني تطالب باسترداد الأرض السليبة، مخالفاً رأي أهله في إسرائيل، ومغامراً بتكفير "الحاخامات" له·· في سبيل أن يوصل لهم ما يقوله الآخر، أو "صوت الضحية"·
وفي الأسابيع الماضية عرضت صاحبة "دار الأندلس" في إسرائيل على بعض الكتاب العرب ترجمة أعمالهم إلى العبرية، وكلفها ذلك العرض المغامر كثيرا من الانتقادات والشكوك في ما وراء إنشاء دار نشر باسم "الأندلس"··!
فتلك "المطبِّعة" معنا، لها رأي آخر، إذ تؤيد مطالبنا بالانسحاب الإسرائيلي، وتنادي بحقوق اللاجئين بالعودة· بل تدعونا كدول عربية لعدم الموافقة على التطبيع السياسي مع دولة إسرائيل·
وهناك قطاعات واسعة من مثقفيهم تتفق في جوانب كبيرة مع مطالبنا العربية وحقوقنا في أرض فلسطين·
عودة إلى عرض صاحبة الدار، فقد رفض بعض كتابنا العرب (خوفاً من حريق المبادرة الأولى)، هؤلاء الكتّاب الذين سيستسيغون تلك الترجمة بعد أن تنشف الدماء المسفوكة للكاتب المغامر الأول ويتأكدوا من أمان وسلامة الطريق السالكة للترجمة إلى العبرية!
روائي العرب "النوبلي" نجيب محفوظ، لا يمانع في تلك الترجمات لأعماله، لتوقيعه مسبقاً عقداً مع الجامعة الأمريكية، يعطيها الحق للترجمة إلى اللغات الأجنبية العالمية (بما فيها العبرية)·
الغريب أن تشن صحفنا ومجلاتنا الثقافية حروبها على الكاتب المستفرد علي سالم، دون إشارة أوتلميح إلى محفوظ··
مزاجيتنا تتداخل هنا مع مرض "عمومياتنا" المعتادة، فتتجنب "أخبار الأدب" القاهرية الحديث عن ترجمات أبيها الروحي نجيب محفوظ· وتصل تلك المزاجية (في قضايا لا يملك صاحبها حجة) إلى أن يصرح يوسف أبو ريا بأن "نجيب أصبح رمزاً لا يمس كقيمة أدبية" ويقول روائي مبدع آخر صنع الله إبراهيم "اللغة العبرية ميتة" ويقلل يوسف القعيد من أهمية الترجمة ليصفها بـ "حفنة من الكلمات"!
هل الترجمة إلى العبرية أو منها تطبيع؟
هل الاجتماع مع مثقفين يهود رافضين لسياسات إسرائيل تطبيع؟
إذن ماذا تسمى المعاهدات والقنصليات والسفارات المتبادلة··؟!
في ثقافتنا العربية تنطبق المقولة الأدبية "يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره" التي تبرر للشاعر إخلاله ببعض من الوزن الشعري، أو في النحو والإعراب، على حالات أخرى، فتنطبق المقولة على "السياسي" رغم كسره لظهر الحقائق وجناياته الفادحة، في الوقت الذي تنصب الشراك لخطوات "الثقافي" وترصده، رغم سلامة مسعاه، ونقاء أفكاره!
أن نحشر أي مظهر أو فعل أو حركة لا نستسيغها في فم مصطلح "التطبيع"·· هو إرهاب، أن تحمل نخبنا لافتات "التعميم" فوق رؤوسنا·· هو تضليل، أن نكيل بمكيال العاطفة والمزاج في تصنيف الكتاب والمفكرين رغم تشابه مواقفهم، أو أن نطعن في وطنية صاحب رأي إن خالفه العامة·· هو تكفير، شبيه بتكفير نصر حامد أبوزيد، إلا أن الأخير أُرهب بتكفير ديني، بينما رمي علي سالم وسعد الدين إبراهيم بنوع آخر من الكفر هو "الخيانة الوطنية"!
لنتجاوز عناوين الأغلفة وخداعها، كي نصل الى قلب الحقيقة، وحتى لا ننساق وراء داء "العموميات" المزمن، والشعارات الفارغة التي دعتنا إلى اليأس من "الفعل" السياسي، والانكفاء على غناء الشارع ، فنصل بأوهامنا الى الدرجة التي نصدّق بها بطولات "الهجان" التلفزيونية التي هزمت إسرائيل في حلقتها الأخيرة، أو أن نختلق بطولات أخرى غنائية نعلن بها عن ولادة فارس جديد "منقذ"··! وبأننا "نكره إسرائيل·· ونحب عمرو موسى"!!
nashmi@taleea.com