يقال إن الأمريكيين المولودين بعد الحرب (العالمية الثانية)، أبناء فترة معدل الولادات العالي، شكلوا ما يعرف في الولايات المتحدة باسم "جيل الأنا"· هذا التعبير هو رمز لفلسفة حياة تخضع لمبدأ واحد "أنا أولا"· ويقال إن هذا المبدأ أفضى، بهذا القدر أو ذاك الى تكوين أنانية راسخة وفردانية جامحة والبحث عن تلبية الرغبات المباشرة·
وابن "جيل الولادات السريعة" جورج بوش يزور هذا الأسبوع (الماضي) أوروبا ويطبق هذا المبدأ على سياسته الخارجية· ويبدو أن طموحه هو تحويل الولايات المتحدة الى "أمة الأنا" أي جعلها بلدا مشغولا، على الساحة الدولية، بالدفاع عن مصالحه الوطنية المحددة وفق أضيق المفاهيم·
هذه هي ميزة السياسة الخارجية الأمريكية التي تصورها جورج بوش إبان حملته الانتخابية· فبعدما أدان الاندفاعية الدولية القوية للنزعة التبشيرية الديمقراطية لإدارة كلينتون، أكد جورج بوش عزمه على إعادة تركيز الدبلوماسية الأمريكية على مسلمة واحدة هي أقل طموحا استنادا إليه، الدفاع عن المصالح الوطنية الأمريكية والرئيس الأمريكي يطبق هذه الصيغة بحماسة على قدر يجعل سياسته الخارجية الوليدة كوكتيلا (مزيجا) من الانكفاء المرضي وأحادية الجانب الفظة في نواياه المعلنة على الأقل· لقد رفض جورج بوش (الثاني) جذريا حلم أبيه المساعدة في تكوين "نظام عالمي جديد" ففي دائرة المحيطين بالرئيس صارت هذه العبارة رمزا للسذاجة والادعائية الجوفاء بل للنزعة الكلينتونية· وهكذا يتصرف جورج بوش كما لو أن غايته الثابتة هي إخراج الولايات المتحدة من كل جهد يتصل بالتعاون الدولي المتعدد الطرف·
الخطوة الأولى كانت الشاهد الأبرز· فقد أعلن جورج بوش أنه لن يخضع لمصادقة مجلس الشيوخ على معاهدة كيوتو التي ترمي الى تسخين ظاهرة الاحتباس الحراري· وهذا لا يغير أشياء كثيرة في العمق فبعد مؤتمرين دوليين مخصصين لوضعه في حيز التنفيذ لم ينل هذا الاتفاق المصادقة بعد في كثير من البلدان الأوروبية·
ورسالته من حيث الشكل هي التالية: ليس هناك أي حرص رسمي، ولا مشاورات مسبقة (إنما) دبلوماسية بطريقة "هذا كما هو" القاسية لدى الحلفاء اليابانيين والأوروبيين· وهكذا تكون دبلوماسية الـ "هذا كما هو" في خدمة الـ "أنا أولا" فقد تنازل بوش لضغوط الأوساط الصناعية الأمريكية التي ساهمت بقدر كبير في تمويل حملته الانتخابية·
إن الجزء الجوهري من الجهد الدبلوماسي يقوم به ثلاثة رجال نائب الرئيس ديك تشيني، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائب وزير الدفاع بول وولفوفيتش· وهذا يتصل باقناع الأوروبيين والروس بجدارة مشروع الدرع الدفاعي الصاروخي الأمريكي، وفي هذا الموضوع تطور موقف إدارة بوش بالانتقال من الموقف القاطع الى الرغبة في إجراء مفاوضات ملائمة·
والنقاش، المشروع والضروري، يتناول قضية مهمة الخطر الجديد الذي يهدد الولايات المتحدة وحلفاءها الصادر عن انتشار الصواريخ الباليستية· لكن المشروع يوحي خطأ أو صوابا وفق غايته وهي تكوين درع مضاد للصواريخ بأن الولايات المتحدة مشغولة بحماية نفسها من بقية دول العالم·
رامسفيلد يؤكد هذا الانطباع فوزير الدفاع مهووس بضرورة أن تخفض الولايات المتحدة وجود قواتها في الميادين عندما لا تكون المصالح الوطنية الأمريكية مهددة مباشرة مثل البوسنة وصحراء سيناء· فماذا يهم إذا كانت القضية تتصل ببضعة آلاف من الجنود تحافظ عليهم الولايات المتحدة بكلفة قليلة لحماية نفوذها السياسي· وبالنسبة الى وزير الدفاع، ليس على الولايات المتحدة أن تبقي قواتها حيث لا تحقق مكاسب فورية·
في الاتجاه نفسه، يمكن تفسير انسحاب فريق بوش من الحوار بين الكوريتين والتسويف الأمريكي المزعج في الشرق الأوسط والتردد في تطبيق معاهدة حظر الأسلحة الجرثومية ورفضه المشاركة في تكوين محكمة الجزاء الدولية أو رفض المصادقة على اتفاق حظر الألغام المضادة للأفراد· هذا من دون ذكر الانتقادات الحادة التي يوجهها الأمريكيون الى الأمم المتحدة ورفضهم تقديم أدنى مساعدة لبرامج الحد من الولادات في العالم الثالث حيث يزداد الإجهاض·
يراقب الثلاثي تشيني - رامسفيلد - وولفوفيتش بعين غير راضية الجهود الأوروبية الرامية الى إقامة قدرة للدفاع الذاتي· فالهيمنة السياسية والعسكرية الأمريكية ينبغي أن لا تعاني أي منافسة في قلب المعسكر الغربي· والمسؤولون أمثال رامسفيلد ("المدير" الذي يشكل الصلة بين البنتاغون والصناعات العسكرية)·
ووولفوفيتش (مثقف النزعة المحافظة - الجديدة المطبقة في السياسة الخارجية) يعتبرون أن المسرح المرجح للنزاعات المسلحة في المستقبل هو آسيا، أي بعبارة أوضح الصين ومحيطها·
يعتبر وزير الخزانة بول أونيل بدوره مناصرا، في أحادثيه على الأقل، لنزعة الانكفاء· فهو ينتقد بكلام جارح سلفية روبرت روبين ولاري سومرز مهندسي التدخلات الكبيرة في السنوات الأخيرة لمساعدة البلدان المأزومة ماليا· وهو يعلن معارضته لبرنامج مكافحة الفقر الذي وضعه رئيس البنك الدولي بول وولفنسون· وينوي حصر البنك وصندوق النقد الدوليين في أضيق دور ممكن· وليس هناك أي مجال لتجديد تفويض مؤسسات "بريتون وودز" التي نشأت بعد الحرب (العالمية الثانية) ولا تكييف مهمتها مع عولمة التبادلات·
يدين بول أونيل الجهود المبذولة في قلب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لمكافحة الاحتيال المالي وتبييض أموال عالم الجريمة· والأسوأ، أن الجنات المالية تؤدي دورا حاسما في الأزمات المالية - روسيا وآسيا على سبيل المثال - الموروثة من تحرير التبادلات· وكل ذلك يحدث كما لو أن الولايات المتحدة في عهد جورج بوش تريد العولمة لكن ترفض أي محاولة لضبط الآثار الأكثر سوءا لها وتطويق الأزمات النقدية أو البيئية وهي تبدو كما لو أنها تؤيد تحريرا مضاعفا للمبادلات من دون الأخذ بالاعتبار أي عواقب فـ"المربي" بيل كلينتون، وهو شاعر العولمة أدرك أن هذه الأخيرة لن تكون مقبولة ما لم تكن مؤطرة، مضبوطة ومنمذجة·
في صحيفة "انترناشونال هيرالدتريبون" كتب وليام بفاف (في 17 مايو) تفسيرا مفاده أن "إدارة بوش هي حكومة بيزنس تمثل الصناعات الداخلية الأمريكية (··) في حين أن إدارة كلينتون كان يسيطر عليها وول ستريت (سوق الأسهم) وهوليوود أي الأشخاص الذين يرغبون في صورة جيدة على الساحة الدولية أما دوافع القادة الجدد في واشنطن فهي أبسط بكثير يريدون أن لا تفعل الولايات المتحدة غير ما يدور في رأسها وهم لا يريدون تنظيم العالم، أما ردة الفعل الأولى لديهم فهي دفاعية ووطنية"·
ليس نجاح جورج بوش في إعادة صوغ السياسة الخارجية مضمونا فالإدارة الأمريكية ليست آلة تطبق سياسة متجانسة· إنها مصنع يعمل بغاز القوى والقوى المضادة (من مجلس الأمن القومي الى البيت الأبيض الى وزارة الخارجية الذين يدفعون باتجاه معارض لوزارة الدفاع والخ) أما الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ فلها كلمة تقولها·
(لوموند)