رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت9 -15 ربيع الآخر 1422هـ الموافق 30يونيو - 6 يوليو 2001
العدد 1483

طوني بلير "الثاني"

هذه المرة كان (انتصارا) "تاريخيا" حقا فأي رئيس وزراء سابق من حزب العمال لم يستطع تجديد انتخابه بأكثرية كبيرة بما يكفي لحملة الى ولاية ثانية منذ لحظة انتصاره في عام 1997، كان تاريخ الفشل يلازم نفس طوني بلير فعزم على أن لا يتكرر· وهذا جعله حذرا، والحذر جعله محيرا· هو اعترف بأن الطور الأول لما يسمى "حزب العمال الجديد" كان مخصصا لطمأنة الناخبين الى أن حزب العمال لن يرتكب ثانية الأخطاء السابقة: نقابات العمال لن تتوقع معاملات تفضيلية ولن تكون هناك ضرائب وانفاق من النوع القديم، أما قطاع الأعمال فأهلا وسهلا به باعتباره شريكا· والولاية الثانية الثمينة تسمح له على الأقل بأن يعرض ألوانه الحقيقية فما هي هذه الألوان؟

بالنسبة الى البعض، طوني بلير هو بيل كلينتون ناقضا التعقيدات (والكاريزما - الجاذبية أيضا) لكن ديفيد ديفيد مانكارد، وهو نائب سابق عن حزب العمال، وأستاذ في اكسفورد، يرسم مقارنة مع مارغريت تاتشر، فعلى شاكلة الليدي تاتشر، تكمن الموهبة السياسية لطوني بلير في عبوره الحدود الأيديولوجية المعروفة الى قلب الجمهور الناخب لخصومه· وكلا الاثنين له نوعية عديمة الجذور· فهي (تاتشر) قولبها الجنس (كونها أنثى) وهو قولبته التربية الممتدة الى ثقافة الحزبين· والسيد بلير يسمي ذلك قوة: فهو فخور بكونه لا يناسب التصنيفات السياسية التقليدية· وربما كان ذلك نقطة ضعفه أيضا فاستنادا الى مانكارد، يختلف طوني بلير عن مارغريت تاتشر بأنه لم يعثر بعد على أيديولوجياته الخاصة المتميزة·

إنجازات بلير

أنت لا تحتاج الى أيديولوجيا حتى تعمل، فبعد 18 سنة خارج الحكم، عاد حزب العمال الى السلطة عام 1997 مثل سدادة "قنينة" مضغوطة· ثم حرر بلير البنك المركزي وأعاد كتابة كثير من الدستور البريطاني· ثم أصلح جزئيا العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بتوقيع "الفصل الاجتماعي" وعزز سياسة الدفاع الأوروبي المستقل ووعد بإجراء استفتاء على دخول العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) ودفع بلير بريطانيا الى مقدمة حرب الناتو في كوسوفو وفاوض على نصف سلام في إيرلندا الشمالية·

وهو أطلق "صفقة جديدة" لمصلحة الشبيبة العاطلة وفرض الحد الأدنى للأجور·

في المحصلة، كانت ولاية أولى ناجحة، لكنها لا تصلح مقياسا معقولا للولاية الثانية·

ارتكب طوني بلير أخطاء أيضا وأثبت قدرة نادرة على التخلص منها· فقبة الألفية صارت رمزا للعجز· أما التظاهرات المعارضة للضرائب على الوقود فأدت الى تجميد حركة المرور في بريطانيا· وكان بلير مضطرا مرتين الى إعفاء صديقه بيتر مندلسون من الحكومة· لكن شيئا من ذلك لم يؤذ حكومته طويلا· وفي المحصلة واستنادا الى إدارة غوردون براون الناجحة للاقتصاد، كانت ولاية أولى ناجحة·

لكن ذلك لا يجعلها مقياسا معقولا للولاية الثانية فبعدما طمأن بريطانيا، يريد طوني بلير تغييرها، لا مجرد أن يحكمها بطريقة منافسة على نحو ما هي، وهذا يضعه في قلب تقاليد حزب العمال باستثناء تعقيد واحد· فالفوز بالسلطة (في المرة الأولى) أفضى الى تكوين حزب العمال الجديد الذي يعنى بدور التخلي عن الوسائل (القديمة) - ملكية الدولة والتخطيط، التوزيع غير البارع (للثروة) التي كان رؤساء الحكومة السابقون من حزب العمال يعولون عليها· فماذا يمكنه أن يفعل من دونها؟

من خلال ضجيج الخطب، تظهر ثلاثة مطامح· طوني بلير يريد تغيير مكانة بريطانيا في العالم، "تحديث" سياساتها وإعادة صوغ دولة الرعاية· وبالتفويض المجدد، بالإضافة الى الرصيد السياسي الذي جمعه في الولاية الأولى، يمكن التسامح مع طوني بلير على توهم فرصه لكنه ليس في مأمن من الفشل·

بريطانيا في العالم

ليس طوني بلير رفضيا· فهو يعتقد أن بريطانيا يمكن أن تقود في أوروبا لا أن تكون مجرد عضو موال في الاتحاد، وهو لا يقبل القول إن التصدر في أوروبا يعني إضعاف رابطة بريطانيا بأمريكا· هو يؤكد أن لبريطانيا دورا "محوريا" في السياسات العالمية بفضل مقعدها في مجلس الأمن الدولي وقربها من الولايات المتحدة وعضويتها في الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول (الصناعية) السبع وصدقية قواتها المسلحة وقوة اللغة الانكليزية· لقد استمتع طوني بلير بخط علامة على المسرح العالمي باعتباره مبشرا بطريقة "الثالث"، ومنقذا لكوسوفو وأول زعيم غربي يصادق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين·

الولاية الثانية يمكن أن تعيد رجل الدولة البريطاني هذا اللامع عالميا الى الأرض بخيطة· ففي عيون الأجانب، أعادت ازدحامات المرور والقطارات المتوقفة وأكوام الأبقار المحترقة بريطانيا الرجل المريض في أوروبا· وطوني بلير ليس قادرا على أن يعيد مع جورج بوش، خصمه الأيديولوجي، المزاملة التي كانت له مع بيل كلينتون· أما المستشار الألماني غيرهارد شرودر التي بدا لفترة راغبا في النزول عند رغبة رئيس الوزراء البريطاني المجرب، فهو يظهر اهتماما متناقصا بالطريق "الثالث" لبريطانيا· أما رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان فلم يكن في أي يوم معجبا به· فعندما قال طوني بلير للبرلمان الفرنسي إن "ما يهم هو ما يعمل" لم يتأثر رئيس الوزراء الفرنسي· وهو قال لاحقا إن اقتصاد السوق شيء ممتاز، لكن ليس "مجتمع السوق" الذي يرتاب الاشتراكيون الفرنسيون في أن طوني بلير يحاول أن يكره أوروبا عليه·

الى ذلك، على طوني بلير أن يغير موقف بريطانيا من أوروبا حتى يستطيع تغيير مكانة بريطانيا في العالم· وهذه مهمة هي أصعب مما تبدو غداة وهج إعادة الانتخاب· هو يقول إنه يريد حل التضارب البريطاني إزاء الأرض الأم الأوروبية "مرة واحدة والى الأبد"، لكن النقيض حصل لديه حتى الآن· فمنذ عام 1997· صار البريطانيون أشد ريبة بـشأن الاتحاد الأوروبي لا أقل· بل يعارض سبعة من كل عشرة بريطانيين الانضمام الى العملة الموحدة في حين يفضل نصفهم مغادرة الاتحاد الأوروبي نفسه أما معظم الذين يفضلون البقاء فهم يفضلون أيضا تقليص سلطات الاتحاد·

هذا يعد قاعدة ضعيفة للفوز بالاستفتاء على اليورو الذي وعد به بلير عندما تمت تلبية اختبارات الدخول الاقتصادية الخمسة التي وضعها براون· ويعد بلير بأن يعلن بشأن هذه الاختبارات في غضون سنتين وهذا يعطيه وقتا قصيرا ثمينا لإقناع البريطانيين بالتحول لمصلحة الاتحاد هذا إذا كانت التطورات في الأراضي الأوروبية الأم تعزز ذرائعه للانضمام· لكن فرص الإقناع ضعيفة·

قالت الليدي تاتشر في بروغز قبل 13 سنة إنها لم تقلص حدود الدولة حتى تراها تفرض من بروكسل (عاصمة الاتحاد) بواسطة "سوبر دولة" أوروبية· ويقدم بلير جوابين عن ذلك· فالأول، يفند بلير إمكانية تحول الاتحاد الأوروبي الى "سوبر دولة" باعتبارها مجرد فكر خيالي· وقد أغضب بلير بعض شركائه الأوروبيين بتعويق خطاهم نحو اتحاد أوروبي أوثق· والثاني أن بلير يزعم أن بلاده تفوز في الجدال الاقتصادي داخل أوروبا· ومعرض افتخاره هنا هو قمة لشبونة في مارس من عام ألفين حين فاخر بأن الاتحاد الأوروبي انتقل من "النموذج الاجتماعي القديم في الأراضي الأوروبية الأم نحو اقتصاد أكثر انفتاحا وأقل توجيها"·

هل يصح ذلك؟ ما زال هناك مؤمنون بالـ "سوبر دولة" في الأراضي الأوروبية الأم· ففي ألمانيا· يعتبر المستشار الألماني ووزير الخارجية مدافعين صريحين بهذا القدر (أكثر في حالة يوشكا فيشر، وأقل في حالة غيرها رد شرودر) عن تحويل الاتحاد الى ما يشبه الدولة· وقبل فترة وجيزة تحدث رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان عن الحاجة الى "حكومة اقتصادية"· أما بالنسبة الى الفوز في الجدال الاقتصادي الأوروبي، فإن زعمه غير ناضج فبعد قمة لشبونة، كانت القمة التي انعقدت هذه السنة في استوكهولم عثرة· فكثير من سياسي الأراضي الأم في أوروبا يؤكدون أن مهمة الاتحاد هي تحديدا الدفاع عن النموذج الاجتماعي الأوروبي أمام الرياح الباردة للعولمة·

يزعم بلير أن بريطانيا لا تحتاج الى الاختيار بين أمريكا وأوروبا، إنما يقول إنها كلما اقتربت من كلاهما كلما كانت قيمتها أعظم بالنسبة إليهما· غير أن القضية ما زالت بلا تسوية هناك أيضا· فإبان حرب كوسوفو كانت بريطانيا جسرا، ولو مهزوزا، بين ضفتي الأطلسي· وربما يكون أصعب عليه في ولايته الثانية أن يردم الهوة بين الاتحاد الأوروبي وإدارة أمريكية ذات رؤية مختلفة بشأن التغيير المناخي والدفاع الصاروخي والصين والشرق الأوسط· ويؤكد بلير أن المبادرة الدفاعية للاتحاد الأوروبي لا تطرح أي خطر على تفوق الناتو· في حين أن بعضهم في الحكومة الفرنسية يأمل في أن تفعل·

ذات مرة، سأل بادي اشداون الزعيم السابق لحزب الديمقراطيين الأحرار طوني بلير: "هل أنت تعددي أم مهووس بالسيطرة؟" هذا السؤال ما زال ماثلا· وبلير يحتج على ذلك بالقول إن أي مهووس بالسيطرة ما كان يعقد حياته الشخصية بنقل بعض السلطة الى برلمانات وجمعيات جديدة في اسكتلندا وويلز وشمال إيرلندا ولندن· وبمعزل عن كون بلير تعدديا في صميمه فإن إصلاحاته أقنعت كثيرا من الناس بالنقيض· فالإصلاحيون الدستوريون الخائبون، وهي جماعة ضغط تحمست بفعل انتصاره في عام 1997، وزعت إعلانا انتخابيا يصوره بأنه بينوكيو (اللعبة الخشبية التي تقول الأسطورة أن أنفها يطول كلما أمعنت في الكذب)·

(الايكونوميست)

طباعة  

بوش وبوتين: اجتماع "اعرف نظيرك"
 
"أمة الأنا" وزعيمها بوش