رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت9 -15 ربيع الآخر 1422هـ الموافق 30يونيو - 6 يوليو 2001
العدد 1483

بوش وبوتين: اجتماع "اعرف نظيرك"

"إذا لم ينجح هذا (الاجتماع) فالخطأ ليس مني"·

لم يتفوه الرئيس الأمريكي جورج بوش ولا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بهذه الكلمات قط أمام الميكروفونات وكاميرات التلفزيون المثبتة أمام قلعة بردو خارج ليوبليانا (جمهورية سلوفينيا) غير أن هذه الفكرة كانت كما يبدو تطغى على نهج كل من هذين المحاججين البارعين حيال الآخر وإزاء الرأي العام العالمي المراقب·

كما صوره الطرفان، كان اللقاء الأول للرئيس الأمريكي الثالث والأربعين، والرئيس المنتخب الثاني لروسيا يطغى عليه جو المفاوضات التحضيرية لا المداولات الدبلوماسية ذات القضايا الحاسمة· وكان كل شيء يتصل بالمشاعر وبالثقة الشخصية، وهكذا كان كل منهما يؤكد نفسه للعالم· وقد قال الرئيس الأمريكي: "هذه لم تكن جلسة مساومة"· حتما لم تكن، فكم كان يمكن أن يكون صعبا بالنسبة الى أحدهما المتفوق الذي يرسم الخطوط حول الأرصدة غير القابلة للتفاوض في الدفاع الصاروخي وتوسيع حلف شمال الأطلسي أن يتحدث بالطريقة الأكثر لباقة حتى يحافظ على مشاعر الآخر المفلس·

وقد قابل بوتين دماثة بوش بمثلها· فهو طرق هذه الموضوعات الشائكة بأسلوب لطيف· بل إن بوتين حضن الرئيس الأمريكي والتقط شيئا قاله بوش ومفاده أن روسيا نفسها قد تنتسب الى حلف شمال الأطلسي بعد أن يعرف كل منهما الآخر بطريقة أفضل· فقد قال: "ولم لا؟" وكأن ذلك فكرة تستحق الاهتمام)·

قبل سنة، كان يمكن للرئيس الأمريكي سواء كان كلينتون أو غيره أن يدفع مادلين أولبرايت الى الرد زاعقة: "ولا في حلمك يا فلاديمير"· في النهاية، قال بوتين إن الرئيس الأمريكي رد على هذه الفكرة بالقول: "إن روسيا يمكنها ذات يوم حتما أن تكون شريكا بل حليفا للولايات المتحدة"·

"ذات يوم· عندما يعرف أحدنا الآخر بصورة أفضل"·

اللقاء مع بوتين كان خاتمة أسبوع في أوروبا استطاع فيه بوش أن يشق طريقه نحو العالم من دون أي عثرة· وكانت جلسة بوش بوتين خدمة لأغراض كلا الطرفين والبلدين على نحو ما كانت لقاءات بوش السابقة مع زعماء الاتحاد الأوروبي والناتو· في تصريحاته العامة، أثبت بوش وجود قدرة وانفتاح مفاجئين بشأن تكامل الاتحاد الأوروبي بما في ذلك دور دفاعي محسن للاتحاد· وقد وضع هيبته الشخصية وراء استمرار وجود القوات الأمريكية في البلقان· وألقى بوش خطبة حماسية في وارسو عن أوروبا في القرن الأخير، وكشف فكره عن روسيا اليوم باعتبارها جزءا من أوروبا، لا امبراطورية الشر التي كانت، إنما بلدا مثل كل البلدان الأخرى·

حين انطلق بوش نحو ليوبليانا أطلق الرجل الذي يكره مبيت الليل بعيدا عن بلاده اعتذارات لطيفة عن عدم استطاعته زيارة بحيرة بليد أو منتجع "جبل كريغادوف" الذي يقول قاموسي الجغرافي إنه يسمى "جبل تريغلاف"· فأنتم تعرفون تلك الذروة التي ارتفاعها 9395 قدما في جبال الألب· لكن لا تقلقوا، فقد وعد بوش بأن يزوره عندما يأتي الى سلوفينيا في المستقبل·

هذه هي الطريقة نفسها التي اتبعها مع بوتين أيضا· فعندما ضايقه الصحافيون حتى يقوم بما هو غير معقول فيعطي تقييما حقيقيا بشأن الجاسوس السابق (بوتين) الماهر في إجبار الآخرين على أن يروا ما يريد هو أن يروا، ذهب بوش الى ما هو أبعد من "الرجل الجدير بالثقة" و"المستقيم"· وقال: "ونظرت في عينيه· واستطعت أن أكون صورة عن دخيلته· وما كنت لأدعوه لزيارة مزرعتي" لو لم يكن بوتين جديرا بالثقة· وتحت وطأة استفزاز صحافي مماثل، اعترف بوتين بأن "بوش هزمه باعتباره (بوش) رجلا درس التاريخ"· لقد التقى ريتشارد نيكسون وليونيد بريجنيف أحدهما الآخر باعتبارهما متآمرين يعملان من أجل السلام وراء ظهور مساعدين غير مخلصين· ثم تبادل بيل كلينتون وبوريس يلتسين التربيت على الظهر والمعانقة بطريقة الدببة· وكان بوش وبوتين "زوجين" متناسبين فهما محاججان أكثر من كونهما تصالحيين أو مفكرين كبيرين· وكل منهما لا يسمح لنفسه أو للشخص الذي يعمل معه بأن يبقي أي ريبة·

أعتقد أن كلا منهما فهم لعبة الآخر في ليوبليان باتقان: بوش سيحاول التخلص في آن من معاهدة الدفاع الصاروخي لعام 1972 ومن مسؤولية انهيارها، في حين أن بوتين سيتكلم بلا انقطاع مرة بعد مرة حتى يبقى بوش عالقا في المعاهدة ومسؤولا عنها· وإذا حدث انهيار المعاهدة برغم كل ما يفعلانه، فإن السؤال الأساسي هو من يستطيع أن يبرم تسوية مع الأوروبيين·

وربما يجد بوش وبوتين انسجاما حقيقيا وصفقة بشأن الصواريخ ويمكن أن يوقعاها على ضفاف بحيرة بليد· إنها منتجع جبلي في جبال تبعد نحو 30 ميلا عن ليوبليانا·

(واشنطن بوست)

طباعة  

طوني بلير "الثاني"
 
"أمة الأنا" وزعيمها بوش