كتب محرر الشؤون السياسية:
يصل إلى البلاد يوم الاثنين المقبل سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبدالله قادماً من العاصمة البريطانية بعد أن أمضى فيها شهراً، في الراحة وإجراء الفحوصات الطبية· وكانت مصادر مقربة قد أكدت أن الشيخ سعد سيصل يوم الجمعة (أمس) إلا أن الموعد أُجل· وكان لافتاً للنظر أن الإعلان عن موعد القدوم قد صدر عن الديوان الأميري وليس عن ديوان سمو ولي العهد· ويقال إن موعد القدوم له علاقة بانفضاض دورة مجلس الأمة التي كان مقرراً لها أن تنتهي يوم الأربعاء الماضي إلا أن احتمالات امتدادها إلى يوم السبت أو حتى الأحد أصبحت واردة في خضم المناورات النيابية·
واعتبرت عودة سمو ولي العهد بعد انقضاء نحو الشهر على مغادرته البلاد عودة مفاجئة حيث قيل وقتها إن سموه سيمضي إجازة صيفية مطولة قد تمتد خمسة أشهر ليعود إلى البلاد بعد أخذ كفايته من الراحة استعداداً لقضاء شهر رمضان الفضيل في الكويت وهو شهر يزدحم بالنشاط الاجتماعي وما يحتاج ذلك من جهد وطاقة·
المراقبون السياسيون في الكويت أعادوا حساباتهم على ضوء المستجدات، فالبلاد شهدت وللمرة الأولى انسجاماً حكومياً ولو لفترة قصيرة· ومع أن الناس لم يشهدوا أي انجاز حقيقي إلى الآن ليحكموا على نجاح التشكيل الوزاري، بل إنهم كانوا شاهداً على كثير من قرارات الترضية والمهادنة التي تكرس مبدأ التنفيع والاستسلام لقوى التخلف، وشاهداً على عدد كبير يفقأ العين من التعيينات لأفراد الأسرة الحاكمة في مناصب معظمهم لا يستحقها من حيث الكفاءة والخبرة والأقدمية وعلى حساب مواطنين قضوا ردحاً من حياتهم وهم يتعلمون ويتأهلون وينتظرون فرصهم، مع كل ذلك فإن الحكومة الحالية لم تأخذ فرصتها في العمل لكي يصدر عليها حكم عادل بالفشل·
لكن الناس منقسمون فالبعض يرى أن ما في البلد من خراب ورشاوى ونهب على كل المستويات و"المخامط"، يشارك فيه مسؤولون من مستويات عالية والذي ابتدأ بالمناخ والاستثمارات والناقلات والمناقصات والادعاءات بملكية أراضي الدولة ثم انتقل إلى تقسيم أراضي البلاد بين بعض المجموعات كل واحد يأخذ "شليطة"، فظهرت إلى الوجود "مشاريع استنفاع" مثل "اللآلئ" و"قلمة شايع" و"النهر العظيم" وغيرها وما أخذ يتسابق عليه الكبار والصغار من الاستنفاع من وراء المخالفات سواء في جليب الشيوخ أو الشويخ أو السالمية أو الشاليهات مما أشرك قطاعات واسعة جعلت من كثير من ممثلي الشعب سواء في مجلس الأمة أو البلدي يتهافتون على حماية مخترقي القانون، يضاف إلى ذلك استغلال الأحزاب المتأسلمة كل أوضاع التفكك والضعف للفوز بمكاسب مالية وسياسية، كل ذلك جعل قطاعاً لا يستهان به من الناس يشعر أن البلد يغرق وانها كما عبر أحد المراقبين السياسيين في أحد دواوين الفيحاء وهي تتقاذف النقاش حول "الناقلات" و"قلمة شايع" قائلاً:
لقد أصبحنا نشعر أن البلد مثل سفينة خشبية لم تجر عليها عملية صيانة منذ عقود، تبحر في أمواج متلاطمة وتتفكك لوحاً لوحاً، وهناك من ينتظر هذا اللوح ليأخذه وينجو بنفسه به·
لكن هذه الصورة المتشائمة مع انها تصور لقطة فوتوغرافية لواقع الحال في لحظة زمنية معينة إلا أنها لا ترى كل الصورة، فهناك بعض من الناس يرى أنه ولكثرة ما في البلد من فساد أو إهمال فإن أية عملية اصلاح ذات رؤية استراتيجية تشمل البلد بجميع نواحيها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية مرتكزة على سيادة القانون سيكون لها فعل السحر في إعادة الأمور إلى نصابها وانتشال البلاد من استهلاك ذاتها بذاتها· فالإصلاح الحقيقي سيكون بارزاً وواضحاً في مقابل الفساد والتفكك والخراب· ما يفشل هو عمليات الترقيع التي لن يكون لها أثر سوى انها تطيل عمر الأوضاع السيئة· لكن عملية الإصلاح كما يجمع المخضرمون السياسيون تحتاج إلى قرار سياسي وحزم!!
ويضيف أحدهم ممن خبر النشاط السياسي والمراكز الكبيرة أن هذا هو ما يفسر أنه رغم أن البلاد تشهد تركيبة حكومية غير متصارعة تمتلك بعض الكفاءات الجيدة والمتجانسة إلا أن انجازاتها متواضعة لا تملك القرار السياسي مما يفقدها الرؤية والحزم، حيث إنها ليست مستقرة على قاعدة ثابتة، ولا تعرف متى ستهب عليها العواصف، التي يقال إنها تختمر الآن·
يقول بعض المتابعين للتطورات السياسية، إن عودة سمو ولي العهد غير المتوقعة ربما تنبئ عن "مراجعة" للأوضاع المحلية خلال فصل الصيف، أي أن شهري يوليو وأغسطس سيكونان أكثر سخونة من المعتاد، وأنه من المتوقع أن يعاد طرح الأمور من جديد لتعود الأزمة إلى بداياتها بهدف "تصحيح" موازين القوى داخل الحكومة والحكم· ويقولون إن ذلك ربما يبدأ بطلب تدوير وزاري!! لكن هذه كلها هي مجرد تخمينات!!
المتابعون أنفسهم يقولون إن من بين الأمور التي أقلقت بعض من في الحكم وليس الناس فقط هي التعيينات الواسعة والترقيات الاستثنائية لعدد كبير من أفراد الأسرة، ويفسرون ذلك بأن ما حدث هو إعادة اصطفاف وانتشار سيؤثر على طبيعة الحكم وشكله ومراكز القوى والقرار فيه لجيلين قادمين، لكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ولو جزئياً ستكون صعبة وبثمن كبير وربما غير متوقع· ولا ينفي ذلك احتمال أن تتم المحاولة على أية حال·