رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت9 -15 ربيع الآخر 1422هـ الموافق 30يونيو - 6 يوليو 2001
العدد 1483

قصة قصيرة

الأستاذ مأمون

 

ميس خالد العثمان

أفزعه الدق الشديد على الجرس والباب في آن واحد·· أيقظه وزوجته والبيت والجيران من نومهم·· خطف نظرة سريعة على ساعة غرفته، تمام الثالثة فجراً·· الدق الشديد على الباب كان لايزال·· حركة غير عادية دبت في فناء المنزل·· هب واقفاً محاولاً معرفة ما يجري، لكنهم داهموا المنزل ولم يتركوا له الفرصة لأن يستطلع الأمر· لطالما سمع عنهم·· "زوار الفجر" وها هم يعصبون عينيه ويسحبونه للخارج دون أدنى اعتبار لأسئلته التي ذهبت أدراج الرياح أو لعويل وصراخ أبنائه وزوجته وهمهمات جيرانهم التي تعلو وتنخفض·· بسرعة أداروا محرك سيارتهم وانطلقوا يسابقون الوقت·· لم تستغرق كل هذه الزوبعة التي أثاروها الخمس دقائق، لكنها شرخت النفس من الداخل، وفتحت باباً للقيل والقال·

الأستاذ مأمون لم يكن منضماً لحزب يناهض الحكومة، لم يكتب كلمة واحدة في أي جريدة رسمية أو غير رسمية منتقداً الأوضاع، ولم يتطوع للتعليق على أي تصريح سياسي في حوار تلفزيوني·· فلم يتم القبض على دكتور جامعي يحرص على العودة لمنزله بمجرد الانتهاء من التزاماته الدراسية، ليكمل بحوثه ويلخص محاضرات الغد؟!

كان قد وصل إلى "مكان ما"، فهو لا يدري كيف وإلى أين أخذ وقد أشبع ضرباً وركلاً و·· بصقاً! أنزلوه من السيارة·· سحبوه عنوة إلى مبنى ذي رائحة نتنة·· هناك أزالوا العصبة عن عينيه·· كان أمام شخص ضخم الجثة بشوارب غليظة ونظرة سافلة·· وقف أمامه ببدلته السوداء·· فعجز عن تثبيت أي فكرة في رأسه·· طارت كل التساؤلات·· كان ينتظر أن يبادروا هم! فقد يفهم ما عجز عن فهمه منذ داهموا بيته وأفسدوا ليلته، "أنت مأمون المسالم؟"، كان هذا السؤال الأول·· لم يستطع تحريك شفتيه ليرد·· أحس بجفاف حلقه·· لكن صمته لم يدم طويلاً، فقد ركله ذلك الواقف خلفه ركلة جعلته يصرخ بكل قوته!·· كرر ضخم الجثة سؤاله: "أنت مأمون زفت؟"·· أجاب هذه  المرة:" نعم ·· أنا د· مأمون، خير؟"·· فصفعه صفعة دوى صداها في الغرفة النتنة·· ثم أردف: "لا تسأل، أنت هنا فقط لتجيب"!·· لم يرد، فلم يكن يسمع سوى دقات قلبه الخائف·· تذكر كل ما قرأ ودرس عن عمليات التعذيب النفسي للمساجين السياسيين·· لكن، أهو سجين سياسي أصلاً؟؟ هو متأكد من كل تصرفاته، تحركاته منذ بداية عمله في الجامعة·· حريص على عدم التعرض لأي كان·· تسرب إليه الشك في أن يكون مقلباً من أحد أصدقائه؟·· أو أن يكون درساً من أحد الطلاب الراسبين ممن له ضلع كبير في الحكومة! سريعاً تبادرت إلى ذهنه تلك الخواطر·· كان ضخم الجثة يجري اتصالاً هاتفياً بنبرة خائفة·· ثم ضحك ضحكة جلجلت المكان، صاح متداركاً: "خذوه"! سحبوه إلى الخارج، أنزلوه في غرفة ضيقة جداً، مظلمة، رطبة، تكاد تفوح منها رائحة الأموات·· أوصدوا الباب الصدئ عليه دون أية كلمة·· كان يسمع أصوات خطواتهم وهي تبتعد عنه، ومعها تزداد دقات قلبه وأسئلة حائرة تتصادم في عقله الذي لم يعد يعي شيئاً مما حوله·· صرخ وصرخ، ثم بكى·· كان صوته يرتد إليه·· لم يكن في وضع يسمح له بأن يفعل أكثر من ذلك·

جلس محاولاً استجماع نفسه، سحب نفساً عميقاً·· بداخله كان يحدّث نفسه هامساً: "ما الذي اقترفته حتى يلقى القبض علي"؟ بقي مذهولاً للمرة الألف منذ جاءوا به إلى هنا··! "هنا"! تساءل: "وأين أنا"؟·· انزل رأسه، أغمض عينيه·· فكر كثيراً·· في زوجته، وأبنائه الأربعة ومستقبلهم، ابنته المخطوبة·· كلام الناس·· طلبته في الجامعة·· زملائه·· ووضعه! ضاق نفسه·· سعل، همس: "يا له من قبر! أكاد أختنق" انهمرت دموعه دافئة على خديه، مسحهما بكم بيجامته" ضحك بتهكم وتمتم: "هي المرة الأولى التي أخرج فيها باليجامة، وقد تكون الأخيرة التي أخرج فيها أصلاً"!

"ترى ماذا تخبئ لي الدنيا"؟ كان تساؤله قبل أن ينبهه صوت لعبث المفاتيح في القفل، صوت لأحدهم يصرخ "مأمون"! لم تكن هناك فرصة للرد، فقد سحب مثل عجل لا حول له ولا قوة، سأل: "إلى أين"؟·· لكمة قوية أصابت عينه اليمنى·· أحس بالخدر في كل وجهه و"زغللة" في عينه، فآثر الصمت·· استقبله ضخم الجثة من جديد·· جثا على ركبتيه، حرصوا على أن يخفض رأسه إلى الأرض·· بادره: "من الأفضل لك ولنا أن تعترف"·· رفع مأمون رأسه وعلامات الاندهاش! "اعترف!!، بماذا وعن ماذا؟!"·

ركله ركلة شديدة!·· "لا تسألني يا ابن الـ·· فقط أجبني"!، أنهضه الحراس، لكنه جثا من جديد·· سادت لحظات من الصمت المخيف·· كان مأمون يتصبب عرقاً، فيما أشار ضخم الجثة للحراس بإشارة يفهمونها·· عمت الفوضى المكان، سحبوه، وفي حوض مليء بالماء القذر غطسوا رأسه للحظات ثم أخرجوه، أعادوا الحركة مرات عدة، كاد أن يموت اختناقاً·· سعل بشدة، احمر وجهه ودمعت عيناه·· ضحك المحقق ملء شدقيه، سحب مأمون من شعره الأشيب، اقترب منه وهمس: "يبدو أنك لا تقوى على أفعالنا، فلم ورطت نفسك؟"·· كان مأمون يلهث ويبلع ريقه·· يضيف ذاك هامساً: "على من يعمل ضد الحكومة أن يكون شديد البأس وذا قدرة على الاحتمال··"، رفع مأمون بصره الزائغ متسائلاً: "ضد الحكومة!!، أنا ضد الحكومة"؟!، "اخرس"، رد عليه، "قلت لك مليون مرة، أنت هنا لتجيب فقط"، لحظات صمت أشعل خلالها سيجاره الفاخر، ثم أردف بهدوء وهو ينفث الدخان: "قل لي، من هم عناصر الخلية التي نظمتها منذ خمسة أشهر؟"، اشتاط مأمون غضباً وهم بالنهوض والانقضاض عليه إلا أن أيادي كبيرة امتدت من الخلف وجذبته فأوقعته أرضاً·· أحس بضعف شديد يجبره على الخضوع، أجاب للمرة الأولى منذ أتوا به إلى هنا: "صدقوني، ليس لدي أية أنشطة سياسية ضد الحكومة، فأية عناصر وأية خلايا تلك التي تتحدثون عنها!"·

"كذاب"! صرخ فيه المحقق الضخم الذي رفعه من ياقة بيجامته وأضاف: "نذل، متآمر·· تعمل ضد الحكومة·· ها؟ تحرض طلبة الجامعة؟ تستغل محاضراتك في اللعب في عقولهم؟ تندد بحكومتك؟·· لقد كنت تحت المراقبة منذ أشهر·· عرفنا كل تحركاتك·· اتصالاتك·· نحن لسنا بغفلة عنك وأمثالك"؟

كان مأمون يستمع لما يقال فاغراً فاهه، غير مصدق لما يحدث وتساؤل سخيف طاف على وجهه: "من أبلغ عني"! كان قد بدأ بتصديق ماسمع! إلا أن صرخة المحقق المدوية أيقظته: "خذوه، عله يعترف·· بسرعة"!

سحب مأمون من ذراعيه للخارج، في غرفة ذات إضاءة حمراء خافتة خلعوا عنه ملابسه، اجلس على كرسي كهربائي·· شرعوا في تشغيل التيار·· أنهار صارخاً، صرخ وصرخ·· كان صوته يشق سكون الليل·

فتح عينيه لاهثاً، كانت زوجته إلى جواره وقد أضاءت الغرفة، سمع "بسم الله الرحمن الرحيم"، مأمون!، صحا من نومه، كانت وسادته مبللة بالعرق، وتساؤل رث في أذنيه، هل يتحقق كابوس كهذا"؟، أجابه خوفه ضاحكاً: "نعم! طالما هناك حاكم فرد"!

طباعة  

إضاءات
 
مقال
 
وفد اليونيسيف يزور مركز ثقافة الطفل
 
المجلس الأعلى للثقافة في مصر يعلن أسماء الفائزين بجوائز الدولة
 
"العرب في حوار الثقافات" تفتتح الأسبوع الثقافي اللبناني
د.سلامة: الاختلافات الأيديولوجية تحولت إلى نزاعات ثقافية والمثقفون يسيطرون الآن على وسائل الإعلام والاتصالات عالميا

 
وتد
 
شعر
 
المرصد الثقافي