رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 24 ربيع الاول - 1 ربيع الآخر 1422هـ - 16-22 يونيو 2001
العدد 1481

في ختام الموسم الثقافي لرابطة الأدباء
خمس إضاءات تفتح بوابات الشعر.. وتنهي الموسم

كتب نشمي مهنا:

بكوكبة من الشعراء من ألوان وأطياف شعرية مختلفة اختتمت رابطة الأدباء موسمها الثقافي، بعد نشاط ملحوظ وحافل بالأمسيات والمحاضرات والندوات الثقافية، فجاءت تلك الأمسية لتعلن الرابطة أن ختامها·· شعر·

الشعراء الذين افتتحوا بوابات الشعر للحضور في الأمسية هم: محمد يوسف وغنيمة زيد الحرب وعلي حسين الفيلكاوي ورجا القحطاني وركان الصفدي قدمتهم القاصة الشابة الموهوبة مي الشراد، التي لاقت كلماتها استحسان الجميع سواء بالتقديم للشعراء أو الوصل بين أدوارهم وإضافاتها المناسبة لأجواء الأمسية·

 

يوسف يستحث جموح أندلسي الكويت

 

بدأ الشاعر محمد يوسف بقصيدته الجديدة الرائعة والمهداة للشاعر الكبير الدكتور خليفة الوقيان بعنوان "اعترافات الكمنجة الخضراء للحصان الأندلسي" يقول:

المواقيتُ مرصودةٌ يا خليفةُ

هيءِّ حصانَكَ للأسئلة

واليواقيتُ محشورةٌ في المآسي

فصوص من الدّال

زينتهُا كلُّ دالٍ

تنز دماً ودماً ودما

يوجه يوسف دعوته إلى الشاعر الوقيان ويستحثه على البوح شعراً وكتابة، حتى وإن رأى:

هو ماءٌ كثيرٌ

يسدٌُّ فماً وفماً·· وفما

والرابطة حميمية تجمع بين الشاعرين، وبسبب ما اعتاده أيضاً من صديقه من مواقف ثابتة وجرأة في الرأي يظل يتساءل عن البوصلة ويخشى إضاعتها في زمن محتبس ومكان يلتبس عليه··

تساؤلات متواصلة حول الزمان السراب الخؤون وحول معاني الحرية والحب والحلم جميعها يلقيها يوسف في وجه قارئه (وإن كانت موجهة إلى المهدى اليه إلا أنها تعني شخصه بقدر ما توافق هواه ومعتقده وموقفه):

أيهذا الزمان المرابي/ السرابْ

طاعنٌ في الخيانةِ أنْتَ

ومندمجٌ في الحسابْ

حلزونٌ يعقربُ إشكاليةَ الحاءِ

كيف تفسِّرها

هي حاءٌ

لحربٍ / وحاءٌ لحُلّمٍ / وحاءٌ لحبًّ

وحاءٌ لحرية الموت والصمتِ والهوسِ الجاهليِّ

إلى أن يصل الخلق بعوالم خاصة بالشاعر، بعيداً عن زيف أهل السياسة والخطابة وأكذوباتهم:

أين الخريطةُ

كي نحتكمْ؟

ونؤسسَ حلماً جديداً

لحاءٍ جيدة

ونُعْلي نشيداً جديداً

الكّاف والنون

من جنّةِ السِّدْرِ والتوتِ والسنبلة

في قصيدته الثانية (الوردة ترسم عزلتها) يسحب يوسف "بحوره" لتتلاطم بوجه العاشقة:

امرأةٌ تعشقُ بحرَ الكاملِ

تلبس كاملَ زينتها

ترشق وردتها في لجّته

فيكون الموج طيوراً:

ببغاوات صفراء

وعصافيراً خضراء

ونوارس زرقاء

والموج يقهقه

يصخب

فالكاملُ وجهُ الموجِ

قناع الموجِ

التفعيلة عاليةٌ / صاخبةٌ

حين تراقصُ عاشقة الكاملِ

يغضب بحر الوافر

يصرخ:····

في مقطع آخر يعرض الوافر اغراءاته الرومانسية:

موسيقى التفعيلة عندي

مفعمةٌ بالرومانسية

بحرُ الكاملِ مشتبكٌ للصوت العالي

·· يدركها المتداركُ

والمتقاربُ

والهزجُ الراقصُ

بين لجج التفعيلات وصخبها، يسلِّم يوسف العاشقة لرعاة قصيد النثر:

·· ويهلُّ رعاة قصيد النثر

فينفرط الشعرُ المنثورُ على شفتيها

واللجة عالية

لا الوافرُ لا المتداركُ لا المتقاربُ لا الهزجُ الراقص

يطفيء شبقيّة ساديتها··

 

غنيمة.. في مقصورتها المذهبة

 

الشاعرة المبدعة غنيمة زيد الحرب شاركت بقصائد عدة قصيرة، بأجوائها الرومانسية الحالمة، أدخلت الحضور إلى "حدائق الغور":

تسكن الأعماق لازلتَ

ولا زال الحنين

صرخة تحرق كبد الليل

تستجدي الطيوف

تخاطبه وتخيّره أن يسميها ما يشاء "غرس الدجى" "نبت المحال" أو "أطروحة الأحلام" "بنت الخيال"، لكنها لا تريد منه سوى أن يلبي دعواها:

غير أني حين أدعوك

من القلب·· أناديك

تعال··

في قصيدة أخرى (مكياج) تتهيأ بالأثواب والعطور، و"تمكيّج" أغاريدها، وإلى أن يحين وقت الهطول (الكتابة) فتمحو ما تزيّتْ به:

ترتدين اللغة العذراء ثوباً

وتجئين بعطر المفردات

تصبغين الأنمل البيضاء

بالعزف الأنيق

وتخطين بمكياج الأغاريد الصباح

تهطلين الصبح غيثاً

بالمدى الموار

بالبوح الوسيم·

في قصيدة "البوح المنتظر" تدخل الشاعرة بيت الطفولة، لتتجول بين فصول البراءة، تراقب سرب البراعم في طوابيرهم الصباحية، بمشاهد مقتطفة من أيام طفولتنا تعيد الشاعرة توليفتها لتكتمل صورة (المدرس والزي المدرسي، والطوابير والفصول والدفاتر):

يأخذ البحر سوط المدرس

حين تهبّ الرياح

يشوح بالسوط نحو الصغار

يلم التلاميذ

يرتعد الصبح

يصفرّ وجهُ الغبار

فتنتفض الطوابير

تبدأ من أول السطر

أول حرفٍ بغرةِ وجه النهار

وتنتقل الشاعرة في ختام قصيدتها إلى مشهد خاص لابنتها:

وتزهو مليكة قلبي

بثوبٍ من الرملِ

تاجٍ من الموجِ

طوقٍ من الزهو الانتصار

تقطّر بوحَ النتائج

فوق الجدار

 

القحطاني بين القدس والوطن

 

ألقى الشاعر رجا القحطاني ثلاث قصائد عمودية (واقدساه) (وطن الخير) و(أماني الأمس) تنوعت بين الهم القومي بمخاطبته للقدس ودعوته لنصرتها وبين الهم الوطني في عشق الأرض وفي الثالثة تناول الوجدان والذاتي، تميز القحطاني بحسن الإلقاء وسلامة اللفظ يقول في (واقدساه):

أهناك غبن عربدت حماه

أقسى من الغبن الذي نحياه؟

أهناك عار قد تجاوز عاتياً

أعتى من العار الذي نلقاه

ويستدرك القحطاني بعد حديثه عن ماضي العرب وحضارتهم الغابرة:

كنا وهل "كنا" نغير واقعاً

متفاقم النكبات حيث نراه

وعن انتفاضة الأقصى وأطفال الحجارة يقول:

قذفوا حجارات الصمود، يحثهم

رفض شديد العمق في معناه

حجر يغير على الرصاص تحدياً

ويد تصد القمع·· لاتخشاه

في (وطن الخير) يتطرق الشاعر لوظيفة الشعر ودوره في إذكاء الهمم، ورفضه لبناء الشعر دون اعتقاد راسخ لأن البناء "إذا تداعى الاعتقاد تداعى" ويقول مخاطباً الوطن:

أعداؤك انهزموا أشد هزيمة

حثوا الخطا نحو النجاة سراعا

استسهلوا الأطماع فيك فكابدوا

شر المصير ولعنوا الأطماعا

وبقلق على مصير وطنه، يوجه القحطاني نداءات:

كن حاسماً في كل أمر لا تكن

للأمر لما ينبري منصاعا

واصل مساعيك الكبار سفينة

يجري بها العزم الشديد شراعا

تقف الخطوات هوادراً فإذا هوتْ

أسوارها انبرت الخطوب تباعا

ودعوة أخرى يوجهها الشاعر:

لغة الحوار هي الخلاص وغيرها

وَجْعٌ يجر وراءه أوجاعا

ويختتم قصيدته بالتذكير بطهر دماء الشهداء وتضحياتهم·

 

الفيلكاوي يهز كتفيْ "كنعان"

 

الشاعر علي حسين الفيلكاوي ألقى قصيدتين "حين يقدح برق المواسم" و"نسقط حولنا"·

في قصيدته الأولى أبدع الفيلكاوي في استلهام الأبعاد التاريخية للجرح الفلسطيني النازف، من خلال استعادة وجه كنعان وبدا في جُمله الشعرية بايحاءاتها وماتحمله من دلالات لكأن بقلبه غضب "ينتفض"، فيهز كتفيْ كنعان مذكراً إياه بأن "الأرض أرضه"، وهنا يسحب الفيلكاوي إنساننا العربي المهشم إلى عمق التاريخ، ليريه مرايا الحقيقة الأكثر نقاوة وصفاء، ليُثْبت له توأمة الأصل والصورة، بل يتجرد من أزمانه ليناديه بالاسم الذي يعيد له صلابة موضع قدميه·· يناديه بـ "كنعان" ليبث في روحه عطراً تاريخياً يعيد له اتزانه، ويريح أنفاسه المتقطعة··

السماء تمد يديها إليه

وتنسلُّ من بين أخوته

وحدُه يعتلي عرشَ عتمتها

ويتوّج بالمطرِ، الضوء وحشة غيماتها

كالمقدس تجري العصافير

تجسد بين يديه

يضيع به الوقت··

كنعان يكبر··

كنعان يحرث ذنب أبيه

ومن تحت أقدامه

يُنبت الحقلُ أنهارَه

ويذوب به الغيم

تحتبل الأرض، أرضك كنعان

بمضي السنوات يكبر "الفلسطيني" ويكبر معه الهم ليرث الحيرة والضياع واستلاب الحق ويعود "يحرث ذنب أبيه"

هكذا يصور الفيلكاوي ذنب اللاوصول ويسرد حكاية مواسم البوار المتوارث:

أمة تلو أخرى تصلي وراء نهاياتها

مرة تلو أخرى على هيكل الدم نُذبح

نمنح تاريخنا الوهم

يمنحنا الراحلون إلى القادمين

بأمواتنا وبأوهامنا

لاتزال هنا وهناك معلّقة في فضائين أقدامنا

نقتفي أثراً كان أو لم يكن

نمتطي الانفجار

ونجمع كل صراخ الجهات

ونركن في غرفة الصمت

نخشى السلام ويرهبنا اللاسلام

تزداد نبرات الشاعر حدة وبتتابع:

أيها الوطن المُستبَد به

المستبد بنا

من يحررنا منك

ثم يعرض مأساة كنعان المرتبطة بنكبة شعب:

نحن الذين نموت

بلا وطن وبلا جسد

لاتزال على الهيكل الدمويِّ

تُسَطَّرُ أضلاعنا

نطلب الآن أن لا نموت

بلا جسد وبلا ثمن

ويلتفت الشاعر ويلفت نظر كنعان/ الشعب وأنظارنا إلى علامات تعجب تحمل بظلالها إجابات حارقة:

كم كان رب العهود القديمة

يهوى المرابين

كم كان يجلس بين مقاهي الشتات

ويكتب ميثاقه الأبدي

يوقع صك الإبادة

يسرق من نبضك الزرع

يطعمه للخريف

ليذبح سور المعابد أوثانه

ويطفئ وحي المساجد

ضوء الكنائس

يواصل الفيلكاوي إلى أن يقترب من الختام، فكما هي حركات يدي المايسترو المتسارعة في لحظة الوصول إلى ذروة موسيقاه قبل السكون وانتهاء المقطوعة، يقول:

تسلبك الأمم المتحضرة الغد

والأرض كنعان أرضك

أرضك كنعان··

منذ تنفس أول غصن بها

منذ

قبل الحياة·

في قصيدته الثانية (نسقط حولنا) ينقلنا الفيلكاوي إلى أجواء أخرى بعيدة يحاول بها إقناعنا "بلمس" الحلم، وتشخيصه بجسد:

زرتُ وحيَّكِ

والأصدقاء الجميلون

قالوا بإنكِ حْلمٌ

يضيق بلا جسدٍ

ويلامس زُرقةَ ذاكرتي··

وبصور جميلة شفافة يظل يحلم بإرادته، مغمضاً عينيه متجنباً الصحو:

تغني لنا غابةٌ

ويدانا جناحان محترقان

تراقصهما الشمسُ دون اتزانٍ

وأقدامنا شارعٌ يترنحُ

يطفو بنا الماءُ

إلى أن يصل ليسقط في قلب غيمة الحلم، لا ينوي اجتيازها حيث:

يتقاطر وحيُّ الضياء الطريِّ

ومن حولنا يسقطُ الغيمُ والضوء

والأصدقاءُ الجميلون

نسقط منحدرين بنا

متناهين نسبحُ في ضفتي شفتينا

 

الصفدي يخط على رمل الجزيرة

 

زميلنا الشاعر ركان الصفدي مازال مكتنزاً بأحلامه، وينوء بثقل المعرفة النورانية، ويتوحد في جبل الشعر، قلق الغربة - رغم طول الإقامة - مازال يلاحقه، غربة وارتحال لم تألفهما روحه بعد، لذا يظل يعبئ أصدافه بالحنين·

قرأ الصفدي قصيدتين "من دفتر الرمل" وقصيدة أخرى عن "الانتفاضة" من قصائده القديمة، في دفتره كتب:

هكذا

قد سقطتُ على الرمل يوماً

من الطائرة

تاركاً عند شرطي ذاك المطار

تدفق وقت أليف

على كتفي (شنطة)

وأمامي حريق الذهول

ترفرف فوقه

أجنحة الذاكرة··

هل اجتاز معاناة ألفة جدرانه الدافئة؟ هل سلّم بتبدل خرائط الروح وعقارب الساعة، يتساءل مخبئاً خلف

 تساؤله الـ (لا):

كم من الوقت نحتاج

كي تأخذ الروح شكل المكان

كم من الحزن

كي يتوازن في الروح

خطو الزمان؟!

حدية مشاعر الغربة تتحول بعد أزمان إلى "نسبية"، وتتبدل مواقع الـ "هناك" بالـ "هنا":

ها هنا

أعصرٌ تهدر··

ها هنا السيف يفتح الأبجدية

في معمعان الصهيل

والرمال كتاب جليل

تتصفحه الريح كلّ مساء

وتقرأ أسماءهم··

تصفر:

كلّهم قاتلٌ وقتيل!

وبنفس زاوية "المكان" وخلف زجاج النافذة، يتأمل، ويرسم صوراً تلهيه في ليل الغرفة الباردة:

في المساء الجليل

نتأمل خلف الزجاج

تقوُّض هذي المدينة

غارقة في رياء المصابيح

ترنو اليك على هذه القارعة

تتأمل هذا الخراب الجميل

في خريطة ذاكرة شاسعة!

وفي إحدى صفحات دفتر الرمل الذي يتصفحه الشاعر يعجب من معانقة النار للماء على رمال الصحراء:

عجبا·· هذه الصحراء

إذ تغافلك الآن

تنهض في لحظة

وهي تقرع ناقوس خضرتها

وتبدد صفرة ليل مديد

إذاً، فتأمل معانقة النار هذا الماء!

ثم ألقى الصفدي قصيدته الثانية عن الانتفاضة·

طباعة  

إضاءات
 
قصائد
 
نسقط حولنَا
 
في النشاط الثاني ضمن برنامجها الثقافي
"الطليعة "تثير نقاشا حول "الأدب الكويتي في عيون عربية"

 
وتد