ألم نر هذا الفيلم من قبل؟ الفيلم الذي نراه كل مرة، يأتي وزير دفاع جديد إلى البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) ويعلن أنه حان الوقت لخروج القوات الأمريكية من البلقان "فوراً" وهكذا دواليك؟
إنه الفيلم نفسه الذي يمضي فيه الشخص نفسه أربع سنوات (في المنصب) ليثني لاحقاً على العمل الذي تؤديه القوات الأمريكية في البلقان· فماذا يدعى هذا الفيلم ؟ "انعطافات رامي (رامسفيلد)؟
نعود لرؤية ما رأينا مرة بعد مرة بفضل دون (دونالد) رامي (رامسفيلد) الذي أعلن في الآونة الأخيرة أمام "الواشنطن بوست" أن المهمة العسكرية للقوات الأمريكية في البوسنة انتهت· وهكذا يكون حان الوقت لفرقتنا العسكرية، التي "تستنفد الميزانية"، وقوامها 3900 روح بشرية أن تنسحب·
قبل أربع سنوات، قال وزير دفاع بيل كلينتون، وليام كوهين الكلام نفسه بشأن القضية ذاتها· وتحدث كوهين أكثر أيضاً عن أسباب سياسية وطنية (أمريكية) ضيقة لا عن مسألة خاصة بالاستراتيجية العسكرية أو السياسية· وكان كوهين عندئذٍ على خطأ بقدر ما يكون رامسفيلد على خطأ الآن·
فمتى يتوقف السياسيون الأمريكيون عن التراكض بحثاً عن التغطية بالهروب من النجاح العظيم الذي تحققه الولايات المتحدة وحلفاؤها في البلقان؟ فلماذا لا يفعلون الآن في وقت تستعد الولايات المتحدة لتمجيد قواتها المسلحة في ذكرى شهداء الحروب؟ إنما علينا أن نمجد قواتنا بمعاملتها كما تقتضي الحكمة هذه السنة·
كان وقف القتل الإثني المنظم من الدولة في البوسنة والبلقان مهمة تحققت أساساً بفضل القوات الأمريكية والأوروبية العاملة في حلف الناتو· وما يبقى هو مهمة غامضة إنما قابلة للتنفيذ هي توفير بيئة آمنة لإحداث تغيير سياسي ذي مغزى هناك·
العالقون في الماضي يشتكون من أن المهمة الحربية في البلقان تحول دون تلبية القوات الأمريكية معايير "الجهوزية" الاعتباطية وغير الواقعية ومواعيد التدريب التي مازالت قائمة لإلحاق الهزيمة بالقوات السوفيتية·
في هذه الأثناء، يستعد خبراء المستقبل في فريق رامسفيلد لقدوم عالم لا تحتاج الولايات المتحدة فيه إلى قواعد عسكرية في الخارج أو لا تحصل عليها (تكون فيه أوروبا غير حيوية بالنسبة إلى المصالح الأمريكية) وتخوض فيه حرباً عالمية مع الولايات المتحدة بالأسلحة والقوى المتمركزة في الفضاء·
كلا المعسكرين يقفز حقاً فوق العالم الحقيقي والمشكلات المعقدة التي ينبغي التصدي إليها اليوم· فقد أخذ رامسفيلد على عاتقه مهمة عملاقة هي تغيير طبيعة الجيوش الأمريكية وهذه مبادرة نبيلة - فاستنتج أنه ينبغي الانسحاب من البوسنة·
غلبت الحيرة والجلبة على دبلوماسيي حلف شمال الأطلسي لما كانت خطوة رامسفيلد الغريبة بشأن الانسحاب من البوسنة في وقت كانوا يضعون اللمسات النهائية على تحليل متماسك مفاده الخفض التدريجي للقوات الأمريكية والأوروبية في برميل البارود العرقي·
هذا الخفض الذي (كان) ينبغي أن يتفق عليه وزراء خارجية دول الناتو في بودابست يُنزل عدد قوات الناتو في البوسنة من 21 ألف رجل إلى 11 ألفاً بحلول أكتوبر· وعندئذ يكون للولايات المتحدة في البوسنة 3100 جندي· وهذا يمثل أقل بقليل نسبة الـ 15 في المئة وهي حصة المشاركة الأمريكية بقوات حلف الناتو في كوسوفو· بعضهم في البنتاغون كان يدفع نحو ما يسمى "الخيار الثالث" في خطة الناتو الذي كان له أن يخفض قوات الناتو في البوسنة إلى النصف في غضون ستة أشهر وأن يلحق ضرراً دائماً بجهود أوروبا وإدارة بوش لإحياء الحلف وتأثيره في الأحداث الدائرة في القارة·
لكن التحليل الذي يتناول البوسنة قرية بقرية بشأن مكان الحاجة إلى قوات الناتو الذي طلبه الجنرال (الأمريكي) جورالستون مساعد وزير الخارجية (الأمريكي) كولن باول في صوغ حجة قوية لمصلحة خفض متواضع وارد في "الخيار الثاني" للخطة· وقد سارع الأوروبيون إلى تأييد هذا القرار·
تحدث مشكلات البلقان بانتظام انقسامات بين الدبلوماسيين ووزراء الدفاع - والخلافات الحالية بين رامسفيلد وباول بشأن البوسنة تردد صدى الخلافات بين وليام كوهين و(وزيرة الخارجية سابقاً) مادلين أولبرايت ومعارك مماثلة ضمن معظم حكومات الناتو طوال عقد·
هذه المعارك متوقعة بشأن الصلاحيات والموارد· لكن هذه الانقسامات تشكل أيضاً جزءاً من نقاش غير معلن بشأن طبيعة التدخل الأمريكي في العالم وبشأن تقاسم العبء في الحلف·
إن تنصل رامسفيلد من مواصلة العمل العسكري المهم الذي تؤديه القوات الأمريكية في البوسنة يغذي الصورة (المغلوطة) في الخارج عن أمريكا الأنانية المنطوية على نفسها·
والأسوأ من ذلك هو الرسالة التي يوجهها إلى القوات الأمريكية في البلقان· فهي تقضي عطلة ذكرى ضحايا الحروب وهي تعمل في العالم الحقيقي على مهمات خطرة مازالت ضرورية· وهذه القوات تمثل الروح الأمريكية التي وصفها الرئيس بوش في الأكاديمية البحرية حيث أثنى على رفض القوات الأمريكية "البقاء على الحياد في معركة الحق والباطل، والطغيان والحرية والدناءة والشرف" أو رفضها العيش "بالتزامات غير قوية وعقيدة غير راسخة"·
إن الوجود الأمريكي في الخارج هو إحدى طرق إظهار أن الولايات المتحدة لا تقطع التزامات بالاستقرار العالمي كيفما اتفق· وعلى الرجل الذي يتولى قيادة البنتاغون أن يثبت هذا أولاً لا أن يزعزعه·
جيم هوغلاند
(واشنطن بوست)