يتساءل كثير من الناس حول ما يسمح لهم كمواطنين بتداوله وما يعد مساساً باستقلالية السلطة القضائية ويحتار المهتمون بذلك الخيط الرفيع الفاصل بين التعدي والمساس بهيبة القضاء وبين المساس بحق المواطن والأمة التي هي مصدر السلطات جميعاً بمتابعة السلطات الثلاث التي بين الدستور الحدود الفاصلة بينها وطالبها بالتعاون فيما بينها لمصلحة الوطن والأمة·
هذا التساؤل كان موضوع ديوانية أقامتها جمعية الخريجين يوم الأحد 2001/2/4 وشارك فيها الكثير من الأكاديميين والمحامين والمهتمين بالشأن العام· تناولوا فيها كل من زوايته ذلك الخيط الفاصل بين المسموح والممنوع في علاقة المواطن بالقضاء· ولما للآراء المطروحة من أهمية قصوى رأت "الطليعة" عرضها على القراء مع مراعاة عدم ذكر أسماء المتحدثين لخدمة الموضوع دون المساس بحق المتحدثين في عدم نقل رأيهم على العامة فيما ذكروه في جلسة شبه مغلقة·
تتمحور الآراء التي طرحت حول رأيين مختلفين ينطلقان من ذات الحرص على مرفق القضاء وعلى المجتمع الذي لابد وأن يصان فيه القضاء كي يستقر الأمن فيه· إلا أن الاجتهادات والاختلافات كانت تقترب في التفاصيل وتبتعد في العموميات·
فحول حق المواطن في إبداء رأيه قال أحد الأكاديميين إن للمواطن الحق في إبداء رأيه في المسائل العامة والقضاء جزء منها وأضاف أن المشرع اعتبر أن التعليق على أحكام القضاء، إذا لم يتضمن طعناً في القضاة فهو جائز وأشار إلى أن قانون الجزاء هو الذي يحدد ما يعتبر جريمة وما هو مباح· فالمادة 147 حسب قوله تجرم الإخلال بالاحترام الواجب للقاضي على نحو يشكك بنزاهته أو اهتمامه بعمله أو التزامه بأحكام القانون وأن لا جريمة إذا لم يجاوز فعل المتهم حدود النقد النزيه الصادر عن نية حسنة لحكم قضائي سواء تعلق النقد باستخلاص الوقائع أو تعلق بكيفية تطبيق القانون عليها بل يذهب الأكاديمي القانوني إلى أن المشرع يعتبر من ضمن مناقشة أسلوب تكيف القاضي للواقعة المادية مباحاً رغم أنه أمر لا تناقشه محكمة التمييز وتعتبره من إطلاقات قاضي الموضوع، ومع ذلك يضيف الأكاديمي، بالنسبة للمواطن لا يعتبر جريمة إذا ما نوقش هذا الموضوع بشرط ألا يكون في النقاش ما يدل على نية سيئة أو ما يدل على استهزاء أو تحقير، وكل ما هو خارج هذا الحد الممنوع فهو مباح·
ويستند الأكاديمي لتأكيد رأيه على نظرية الدولة التي تنقسم فيها المهام وتعطي الصلاحيات بشكل محدد لمن يتولى أمر الفصل في النزاعات لكنه يرى أن من يقوم بهذه الأعمال ليس سوى بشر فهم حتى وإن حسنت نواياهم من الممكن أن يقعوا في الأخطاء وبالتالي يمكن مناقشة أعمالهم مع ضرورة الأخذ بشروط الاحترام والتوقير وعدم المساس بنزاهتهم· كما يذهب في إطلاق هذا الحق للعامة وليس حصره فقط في الاكاديميين والمجلات المتخصصة· كما يربط الأكاديمي حق الناس بمتابعة أمور القضاء بالأوضاع العامة التي يمر بها المجتمع ففي الأوضاع العادية لا يرى ضرورة للتوسع في استخدام هذا الحق لكنه عندما تمر البلد بوضع غير عادي من شأنه أن يؤثر على كيان المجتمع بأكمله وربما كان ذلك بسبب خطورة القضايا المطروحة، لهذا فهو يرى أنه لا توجد قاعدة شمولية في التعليق أو التعقيب على أحكام القضاء لكنه يلائم الأمر بأن يظل القضاء بمعزل عن طرح أموره على الساحة العامة إلا إذا حدث ما يجعل المجتمع يحس بالقلق·
من جانب آخر طرح أحد المحامين رأياً مؤيداً لحق المواطن في مناقشة الأحكام الصادرة وليس الاعتراض عليها فأشار المحامي إلى أن المحامين يقولون يومياً في المحاكم كلاماً في غاية القسوة وإن قضاة الاستئناف يتقبلون الحديث عن الإهمال والأخطاء بصدور رحبة لكنه عاد إلى موضوع الحوار وهو حق المواطن العادي وليس الأكاديمي أو المتخصص أو المحامي وتساءل عن ما يستطيع المواطن فعله لتصحيح مرفق القضاء وعن آليات محاربة هذا الحق ونحن في مجتمع ديمقراطي يناقش الناس أمورهم جميعها بكل حرية وشمولية وتساءل أيضاً عن كيفية تعبيد الطريق بشكل دستوري وقانوني لمشاركة المواطن في إصلاح مرفق القضاء واستدرك إن الإصلاح لا يعني بالضرورة وجود فساد بل ربما يؤخذ بقصد التطوير·
ويرى محام آخر أنه طالما كانت الأمة مصدر السلطات جميعاً فإنها، أي الأمة، فوق هذه السلطات وأن النقد لا يتعارض مع استقلال القضاء حين قرر أن المواطن له الحرية والحق الدستوري الأصيل والكامل في ممارسة النقد اتجاه الجميع بلا استثناء إلا شخص واحد بنص الدستور وهو صاحب السمو أمير البلاد لأن ذاته مصونة لا تمس·
ثم أشار إلى أن استقلال القضاء يكمن جوهره في نقطة واحدة وهي حصانة القاضي من التعرض للضغوط أثناء إصداره الأحكام· وأنهى كلامه إلى أن السلطة القضائية لها احترامها وتقديرها كما هو الاحترام والتقدير لجميع السلطات وأن تقديس القاضي في الخطأ والصواب يعد مسألة خطأ بحد ذاتها·
وختم كلامه، القضاة بشر يخطئون ويحاسبون على أخطائهم بل إنهم في النهاية كأي ممارس للعمل العام الذي يحصل مقابل عمله على دخل من المال العام وبالتالي فإن حق المواطن في الدولة الديمقراطية هو حق أصيل ضمن الأسس والضوابط والقانونية وانه من دون ممارسة هذا الحق تعتبر الديمقراطية ناقصة ثم عزا اشكالية فهم الخيط الفاصل بين المسموح والممنوع في تناول أمور القضاء إلى الضعف الشديد في الثقافة القانونية لدى المواطن بل حتى لدى بعض الأعضاء البارزين في السلطات الثلاث· كذلك عزا آخرون الاشكالية إلى عدم الوضوح فيما يتعلق باستقلالية القضاء حيث التشابك الواضح مع اختصاصات وزير العدل ووزارة العدل مع مرفق القضاء من ناحية وتشابك دور وزارة الداخلية في هيمنتها التامة على إدارة التحقيقات التي تستطيع أن تحجب بعض القضايا وتحفظها قبل وصولها إلى النيابة العامة· بل ذهب البعض إلى أن هذا التشابك هو الاخلال الأكبر في استقلالية القضاء وليس تداول المواطنين لموضوعات تتعلق بالسلطة القضائية أو أحكامها· وذهب هؤلاء إلى أن الاصلاح الفعلي يكمن في استقلالية القضاء مالياً وإدارياً وأن يعد تماماً كسلطة ثالثة لها كل الصلاحيات المطلقة في إدارة شؤونها وتعيين وكلاء النيابة والقضاة دون تدخل من وزارة العدل أو غيرها· بل تطرق بعض المتحاورين إلى أن تعيين القضاة غير الكويتيين بعقود سنوية أو قصيرة الأجل يعد إخلالاً واضحاً في استقلالية هؤلاء القضاة ووضعهم في ظروف قد تقلل من شعورهم بالاستقرار المادي الذي ربما يؤدي إلى شعور بعدم الاستقلالية·
من ناحية أخرى تناول بعض المشاركين في الحوار الموضوع من زاوية مختلفة تماماً وركزوا على أهمية عدم التطرق إلى مرفق القضاء من قبل العامة وان حق مناقشة أحكام القضاة مقصور على المرفق القضائي وداخل قاعات المحاكم وللأكاديميين الذين تربطهم بالقضاء صلة تخصص· حيث أسس أصحاب هذا الرأي موقفهم إلى أن هيبة القضاء والقضاة أمر لا يجب أن يلوكه العامة في مجالسهم ولا يجب أن يسمح بذلك لأن النتيجة سيئة على المجتمع بأسره، فهيبة الدولة من هيبة قضائها وأن هذه الهيبة تنتقص عندما يصبح مرفق القضاء مجالاً لتداول العامة من الناس، بخاصة وان أحاديث غير المتخصصين وغير المرتبطين بمرفق القضاء غالباً ما تنقصها الدقة والحرص وربما يشكل أغلب ما فيها من معلومات أقوال غير مؤكدة يضيف لها الناس تفاصيل غير موجودة أصلاً من ناحية ويتجاوز بعض هؤلاء الناس التقدير والاحترام المطلوبين للقضاة·
كما ذهب بعض المدافعين عن الرأي القائل بتقليص حق المواطن في مناقشة أمور القضاء إلى أن القاضي في الدولة الدستورية يحكم بالقوانين التي يشرعها مجلس الأمة وانه إذا كان هناك خللاً في القانون فهذا لا يقع تحت مسؤولية القضاء أي على المشرع أن يصلح أو يعدل القوانين· أما أخطاء القضاة فعلاجها من داخل الجسم القضائي وبتدرج مراحل التقاضي من محاكم الدرجة الأولى إلى الاستئناف وأخيراً التمييز·
ثم أشار بعض المحامين أن ما يتحدث عنه البعض عن اشكاليات إنما مرجعها القصور التشريعي في أجهزة الرقابة على القضاة ومثل على ذلك بعدم وجود جهاز النيابة الإدارية ومكتب التفتيش القضائي الذي رأى ضرورة أن يكون كهيئة مستقلة لها صلاحياتها· كما ميز البعض بين استقلالية القضاء التي أسس لها الدستور وبين استقلالية القاضي غير القابل للعزل، وأكد على ضرورة استيفاء جوانب القصور في الجهاز القضائي كي يستطيع أن يعالج أموره بنفسه دون الحاجة لترك هذا الأمر الخطير للعامة من الناس بخاصة وأن الأحكام القضائية تصدر باسم صاحب السمو أمير البلاد·
كذلك تناول بعض المتحاورين جوانب أخرى في القصور الذي ينتقص من استقلالية القضاء، حيث تحدث أحد المحامين عن القصور في قانون المرافعات وأشار إلى أن هذا القانون في الدول التي رأى أن النهضة القضائية اكتملت فيها يوجد باب يجيز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة وهذا أمر ينقص القانون الكويتي حيث وجد في مشروع القانون لكنه حذف في القانون الذي صدر في غياب مجلس الأمة كما تساءل عن مصير مشروع القانون المعروض على مجلس الأمة الذي يعالج هذا القصور·
هذا القصور برأي المحامي أدى إلى خلل كبير في الحالات التي أخطأ فيها بعض القضاة أخطاء جسيمة ولم يحاسبوا سبب هذا الخلل· كما يرى أهمية هذا الباب في قانون المرافعات ترجع إلى حرص كل القضاة على مراجعة أحكامهم بشكل دقيق يجنبهم تلك الأخطاء ويجعل منهم رقباء على أنفسهم ويضيف إلى حذرهم واجتهادهم الأمر الذي يعيهم حديث العامة وهمهم وربما تصريحهم اذا ما كان الخلل واضحاً وجلياً· واستشهد أصحاب هذا الرأي بالقضاء المصري القريب جداً من فلسفة القضاء الكويتي حيث يجيز الأول مخاصمة القضاة ووكلاء النيابة في حالات حددها القانون بشكل دقيق وحدد حتى شكل وطريقة مقاضاتهم لاضافة المزيد من الضمانات لهم ولخصومهم·
كذلك تناول أحد الأكاديميين علاقة النيابة العامة بالقضاء وأشار إلى ان النيابة العامة في جوهرها ليست قضاء بل يفترض فيها تمثيل المجتمع في تحريك الدعوى باسمه (المجتمع) وإن هذا حدث في دول أحست بأن النيابة العامة في طورها للالتصاق بمرفق القضاء إلى درجة انفصلت أو ابتعدت عن المجتمع لهذا قامت تلك الدول بانشاء تنظيمات أخرى مثل المدعي الشعبي كما هو موجود في اسبانيا والبرتغال·
هذا وقد تساءل الكثير من المشاركين بوضوح إلى ما قد يعد انتقاصاً لاستقلالية القضاء وشكلاً من اشكال تدخل السلطة التنفيذية في شؤونه كوجود عضو دائم وأحيل من وزارة العدل (وكيل الوزارة) في مجلس القضاء الأعلى الأمر الذي يعطي السلطة التنفيذية مدخلاً على قرارات السلطة القضائية· كما تساءل آخرون عن شكل آخر من أشكال التدخل حيث لوزير العدل سلطة على تعيين أعضاء النيابة العامة، بخاصة أنه لا يدخل مرفق القضاء إلا من دخل النيابة العامة·
وكما ذكرنا في المقدمة فإن المتحاورين اختلفوا بالتفاصيل واقتربوا كثيراً في العموميات حيث أكد الجميع على ضرورة احترام مرفق القضاء والقضاة وأن هناك فرقاً بين الاعتراض على أحكام القضاء خارج الأطر القانونية وبين حق المواطن في ألا يتفق مع الحكم مع ضرورة التزامه بتطبيقه·