يستطيع الرئيس الإيراني محمد خاتمي أن يفاخر أمام أي رئيس دولة منتخب بانتصاره الساحق في الانتخابات· لكن قلة تحسده على مهمته: "تعميق الديمقراطية والحرية" وفوزه ما كان موضوع نقاش، إنما نسبة الأصوات التي قد ينالها: كانت أعلى مما نال في انتخابات عام 1997، لكن نسبة الممتنعين عن التصويت كانت هي أيضاً أعلى·
غداة تثبيت فوزه من جانب مجلس صيانة الدستور، تبدأ مهمة خاتمي الصعبة: تشكيل الحكومة؟ لا، بل كيف يستطيع استثمار انتصاره، بل كيف يخوض الصراع على الصلاحيات مع مرشد الثورة علي خامنئي، وكيف يستطيع تلافي التوترات الخطرة في حال جمود برنامجه·
بخلاف الانتخابات الرئاسية الماضية، لم يظهر كثيرون الحزن على معسكر المحافظين: عام 1997، كانوا شبه متأكدين من فوز الرئيس السابق لمجلس الشورى (البرلمان) علي أكبر ناطق نوري، وفي هذه الانتخابات، واجه خاتمي مجموعة من المرشحين لم يرق أي منهم إلى تشكيل خطر عليه· فلماذا تعاطى المعسكر المحافظ بإيجابية حتى قبل الانتخابات؟
العملية السياسية الأخيرة هي إضافة جديدة لمصداقية إيران إقليمياً ودولياً· صحيفة "طهران تايمز" أبرزت تغطية الصحافة الإقليمية للانتخابات باعتبارها مثالاً ينبغي أن يحتذى في الدول الإسلامية، والمعسكر المحافظ ينبغي طبعاً أن ينسب الأفضلية إلى نفسه وهناك أساس لذلك: خاتمي هو الحر للناخبين· وهناك أكثر·
فخاتمي، هو ابن الثورة الإسلامية التي قادها آية الله الخميني، وعضو بارز في طبقة علماء الدين، ويختلف خاتمي، من ناحية الرؤية السياسية والدينية عن خامنئي، لكنه يوافق أنه لولا الثورة الإسلامية لما استطاع الإيرانيون أن يحققوا إرادة حرة· والديمقراطية عنده هي ديمقراطية إسلامية· وهو لا يتنازع مع خامنئي على الأصل الديني للحكم، إنما على تفسير النص وكيفية الاجتهاد· وهو حتى الآن لم يحاول أن ينقض الطبيعة الدينية للحكم إنما اكتفى بمحاولة تعديلها ومن ضمن منطق الدين نفسه·
هذا يجعل خاتمي مشكلة للنظام وضرورة له في آن معاً· فمعظم الناس اعتقدوا أنه بعد انتخابات الرئاسة عام 1997 والسيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، يمكن خاتمي أن يحقق برنامج الإصلاح بسرعة أكبر· لكن ما حصل أن البرلمان القديم (بزعامة ناطق نوري) صادق على مرسوم يتيح للمحاكم (تحت السيطرة الكاملة للمحافظين) أن تلزم الصحافيين كشف مصادرهم وأن تحظر على الموصومين بالعداء لـ "المؤسسة" أن يتولوا وظائف في الصحافة· ثم رفع المحافظون سن الاقتراع من 15 إلى 16 حتى يقلصوا الكتلة الانتخابية الموالية للإصلاحيين· والأهم من ذلك أنهم استعملوا مجموعة من الأجهزة غير المنتخبة، مثل القضاء، أجزاء من الحرس الثوري، الراديو والتلفزيون الحكوميين ومجلس صيانة الدستور ليمنعوا الإصلاح السياسي من التقدم· بل إن المحافظين أحبطوا بواسطة مجلس صيانة الدستور التشريعات الإصلاحية للبرلمان المنتخب عام 1999، وأغلقوا نحو أربعين صحيفة ومجلة وأجبروا وزراء موالين لخاتمي على الاستقالة· وهذا على سبيل المثال لا الحصر·
استراتيجية "الهجوم من تحت" و"الرضا من فوق" (المرشد وهاشمي رفسنجاني) وضعت خاتمي في وضع لا يحسد عليه· ففي كل مرة اتخذ المحافظون إجراءً قمعياً، كان رئيس الجمهورية يصدر "اعتراضاً محسوباً" أو حتى لا يعترض أحياناً· كان راغباً في عدم نقل التصادم إلى الشارع وشق المجتمع· وربما كان على حق بناء على ما حدث عام 1998 بين طلاب جامعة طهران من جهة وقوات الأمن وميليشيات النظام من جهة أخرى·
عقب ذلك، انتصر الإصلاحيون في الانتخابات البلدية لعام 1999 والانتخابات التشريعية لعام ألفين· لكن امكانات خاتمي لم تتحسن· أما إيران فتفادت صراعاً مدمراً· والحصيلة، كانت أن آلت السيطرة النهائية لمعسكر المحافظين: سلطات شبه مطلقة للمؤسسات غير المنتخبة، وسلطات محدودة لمؤسسات منتخبة منها الرئاسة· وهذا الوضع، أفاد المحافظين (المحافظة على الاستقرار ووقف التغيير الجذري) كثيراً، والإصلاحيين قليلاً· لكن الوضع يغلب عليه الجمود بفعل الدستور الإيراني نفسه·
فالدستور يعطي الإصلاحيين والمحافظين على حد سواء ذخيرة كافية ليقدم كل من الطرفين رؤيته الخاصة عن كيفية حكم الجمهورية الإصلاحية· فمن جهة، تمنح المادة السادسة في الدستور مواطني إيران الحق الكامل في اختيار الرئيس والبرلمان ومجلس الخبراء (المكلف اختيار المرشد الأعلى أو سحب الثقة منه) ومجالس البلديات، لكن الدستور يحوي من جهة أخرى بنوداً تلتف بطريقة صراحة أو مواربة حول مبدأ سيادة الشعب·
ومنذ الثورة، وسع مجلس صيانة الدستور (المؤلف من علماء دين وقانون يعينهم المرشد الأعلى) صلاحياته ببطء حتى شملت حسم أهلية المرشحين فضلاً عن الإشراف على الانتخابات· ففي الانتخابات الرئاسية لعام 1997 صادق على ترشيح أربعة من أصل 238، في حين أنه مباشرة عقب الثورة، عام 1980، نال 106 مرشحين من أصل 124 فرصة خوض الانتخابات· وفي الانتخابات الأخيرة، استحال على المجلس أن ينظر في أهلية مئات المرشحين في خمسة أيام فقط فصادق على عشرة واستراح·
والمشكلة الدستورية هي أعمق: فالانقسام يتسع بين المنادين بسيادة الشعب والمناصرين لسيادة الشرعية الدينية· وفي هذا الصدد صرح حميد رضا طرقي زعيم "جمعية المؤتلفة" أن "الشرعية في مؤسستنا الإسلامية تأتي من الله· إن الشرعية الإلهية تجعل تأييد الشعب ذا مغزى· وهذه الشرعية لا يمكن أن تزول حتى لو توقف الشعب عن تأييدها"·
وهناك تحت المشكلة الفقهية، حقائق الحياة اليومية· فمن انتخبوا خاتمي يريدون حرية التعبير والوظائف ومكافحة الفقر، ومن يعارضونه يسيطرون على الغالبية الساحقة لمرافق الاقتصاد·
لقد تردد خاتمي كثيراً قبل ترشيح نفسه في الانتخابات الأخيرة: سجل اسمه قبل انتهاء المهلة بيومين فقط، وقبلها بكى· لقد أعطاه الإيرانيون تفويضاً غير مسبوق، لكن مشكلاته مع المحافظين قد تكون، في حال خروجه على المهادنة، قد تكون غير مسبوقة أيضاً· وفي أي حال، تبقى ولايته الثانية فرصته الأخيرة·