قد يكون··!
نشمي مهنا
هل يحدث·· أن تجلس أمامك فتاة حسناء فتنهار في داخلك سدود، يدفعها شريان دافق مجهول! فتتحرك في صندوق قلبك كتل وفق قانون طبيعي يُملي عليك "مغنطة" المشاعر، وأيضاً جاذبية مجهولة!
تتأمل وجهها·· لا يعطيك مفاتيح حسنها المخبوء، تتأمل ملامحها ولاترى سر الانجذاب، ما الذي يميزها عن الحسان الأخريات؟! لا تدري·· لكنك تجزم بوجود شيء ما·· لا تستطيع تحديده·· أو اكتشافه!
كذلك هو (الشعر) لا (القصيدة)، فالأخيرة قد تترهل في بعض أجزاء جسدها، وإن أبهرتك في وجهها الوضاء، بل قد يكون شطراً من بيت شعري فقط أو حتى تفعيلتين!
النقاد لم يتركوا (متردما) شعرياً إلا وتوقفوا بجوانبه وتمسحوا بأطلاله، يتأملون نقوشه المعمارية ولبناته وزخارفه، وقد تفسد عليهم هذه العادة متعة الرؤية المجردة من التفاصيل، والعين اللصيقة، التي ترصد بثور وجوه عابرة··
كل وجه (شعري) مضيء يلتصقون به حتى يكتشفوا حرائقه، ويحترقوا بإفساد المتعة·· قد تكون فكرة العبور إلى الضفة الأخرى من الكون للوصول إلى (القمر) فكرة ناقد أكاديمي، خصوصاً بعد أن أكتشف البشر منذ أربعة عقود (كذبة القمر) حينما نقلت صور مغامري الفضاء وهم يعبثون بأحجاره!
أحياناً·· أستمتع - كقارئ يجهل استعمال المباضع النقدية - في الدخول لأطلال "بيوت" الشعراء جاهليين ومحدثين، مصوراً لنفسي بهجة اكتشاف ساحاتها وغاباتها البكر·· لم أتبين - ولا أريد أن أتبيّن - آثار خطوات النقاد المحفورة على تربتها··
الدخول في تلك المتاهات متعة·· والضياع يمتع أكثر، حتى الارتطام بنتوءات الجدران الشعرية لا يؤلم، ويدفع لمغامرة الدخول مرة أخرى، رغم أني في المرة الأخيرة انتهيت - في الممر - إلى سدٍ لا يفضي، وعدت ادراجي (غير خائب!!)·
رغم ذلك·· لا يخطر ببال القارئ العادي أن يستعين بمصابيح النقّاد الحارقة·
كل ما سبق خواطر تداعت بسبب بيت من الشعر، لازمني لسنين طوال، كبرت وظل محتفظاً بألقه (بعض مأثوراتنا الشعرية المنقوشة في طفولتنا تغبر وتفقد لونها بتكرار هطول غيمات العمر، أو نكتشف بساطتها أو بالأصح بساطتنا التي دفعتنا لحفظها، أو بمعنى آخر نتكبر عليها)·
يعزّ عليّ حين أُديرُ عيني أفتّش عن مكانِكَ لا أراكَ
ها هو البيت الشعري الشبيه بالفتاة الحسناء، مجهولة الفتنة والجمال!
بعض التراكيب الشعرية تغرينا بألاعيبها، وحذلقات شاعرها، بعضها إلى حين وتُكتشَف فيبطل سحرها في ذائقتنا، بعضها الآخر يخفي (لعبته) اللغوية أو الشعرية، فنظل نتبعه بانبهار!
فالشاعر حائك ماهر، وأكثر الشعراء موهبة وقدرة وذكاء، من يخفي سر صنعته، أي ذلك الذي يعرض "عمله" دون ابتذال أو مبالغة في الوضوح فتتعرى فضيحته أمام الأعين (القراء)، فيقعون على حبكته اللغوية أو يتوقعون ما سيقول·· أو يعتادون·· فيهجرونه إلى ذلك الذي لا يُبين أثراً للإبرة!
البيت الشعري السابق أو (بيت المقال)، يشدني - شخصياً - لجمال يخفيه، لم أتبينه بعد، وتتكرر تلك الجاذبية في أبيات أخرى لشعراء لا أسعى لاكتشاف أسرارها!
قد تأخذ القافية في ذلك البيت جزءاً من سر حلاوته (بكافها المفتوحة)، قد يتكوّم السر في حضن أسلوب المخاطب المباشر، فلو قال الشاعر (أفتّش عن مكانه لا أراه)، سيفقد بعض حرارته·
قد يكون (سره) في صدفة أو قدرية جاءت بتتابع إيقاعات بعض الحروف ورشاقتها (فبعض الحروف كما هو معروف ثقيلة على الألسن، فكيف بميزان الشعر الدقيق، أو الرقيق الذي لا يحتمل التكلف)·
قد يكون (الجمال) بالتنوع بين الأفعال والأسماء (فبعض أبيات الشعر تكون غارقة بحركة الفعل وعنفوانه، وذلك وفق ما يقتضيه المعنى) ففي هذا البيت أربعة أفعال قد تكون الأنسب·
قد تكثر الأسباب للمتأمل - بأي بيت شعري جميل - من أسلوب ومعنى وتراكيب لغوية وغيرها··
ولكن هناك شيئاً آخر·· لا أدري إن أصبت فيه أو أخطأت، ولا أدري إن كان مطروقاً في مدارس النقاد أم لا·· ذلك هو أن حركات الاعراب (الضم والفتح والجر) إن تنوّعت وتعددت وتخالفت في أدوارها تعطي موسيقى طبيعية ما، نجهلها كقراء لكنها تُبقي أثرها الداخلي في تذوقنا للبيت الشعري، شبيهة بحركات السلم الموسيقي في المعزوفات والألحان·
هي تأتي طبيعية دون تقصّد، ولكن إن جاءت بدرجة ما من التفاوت والتناغم·· فستُطرب!!
كل تلك·· احتمالات قادتها خواطر توالدت من بيت شعر·· خصوصاً في الجزء الأخير من المقالة الذي "أفتيت" به دون سند أو مرجع!!
nashmi@taleea.com