أدباؤنا.. وتعدد الزوجات!
نشمي مهنا
يقول الأيرلندي الساخر برناردشو أن في زواج الكاتب منفعة تتحقق في حالتين، إن غمرته زوجته بحنان وحب وهيأت له أجواءه الخاصة، فسيتفرغ -في نعيمه- لكتاباته·· وسيُبدع، وإن قلبت حياته جحيماً فستنضج كتاباته على نار شقائه·· وسيُبدع أيضاً!
إذن حتى جحيمه في المؤسسة الزوجية قد يتحول نعيماً وإن كان على ورق·· وبضريبة يدفعها من أعصابه·
الحديث ليس عن هذه الزوجة بنعيمها وجحيمها، إنما من ضرتها (الكتابة بأشكالها الفنية) هذه الضرة التي تفرض شروط زواجها المعلن والمشهر، الذي لا يحتمل السرية، ولا يقبل بساعات "مسيار" ولا بلحظات "متعة" فقط·· وإنما تفرغ كلي ووثيق·
وتعاقب هذه الزوجة (الكتابة) من لا يخلص لها بعدم الالتفات والاهتمام وتبادله الخيانة، إذ لا تسمح له من الدنو من ألقها، إلا أن مسّته طقوسها، وأسكنته بعوالم من الذهول والانشداه!
ليس في الأمر مبالغة إن قلنا إن بعض كتاب القصة والروائيين لا تصفو أذهانهم وهم في مجالس الأهل والأصدقاء أو بين بنيهم أو حتى في المناسبات الاجتماعية الأخرى المليئة بالأحاديث والضجيج، ووسط كل هذه الضوضاء ينصتون كأنهم يستمعون لحوارات أبطالهم الطازجة التي لم ينتهوا منها بعد، يتفرعون بتفرع مسارات القصة، ومشاكل الشخصيات وحلولها، وطباعها·· يغيرون بعضها ويرممون البعض الآخر··
وسط جلسة أصدقاء، يختلس اللحظات ليرد- في داخله- على أسئلة أحد أبطاله المشاغبين·· يعود بعض لحظات يفكر بمآل الخاتمة (التي قد يجهلها!)·
هي الكتابة الإبداعية تخلص لعاشقها، وتجذبه بنرجسية لا تحتمل الآخر (زوجة، عمل، أو أي انشغال)·
القصيدة قد تكون أكثرهن دلالاً وتغنجاً لما لها من مرور شفيف، تُقطف في ومضة أو لا تعود أبداً·· ولا تقف على باب شاعرها (الزوج) ليأذن لها بالدخول ولا حتى تدق·· حيّية عليه أن يشرع نوافذه وينتظر الومض··
ولا نعني- حتى لا نتحمل وزر أبغض الحلال أو تيتّم الأبناء- أننا ندعو الكاتب إلى طلاق بائن مع الدنيا، حتى يشار إلى فلان أنه مبدع·· وإنما نعرض صورة من طبيعة أنثى ضرة غيورة (الكتابة)·
يوجد (كاتب) خالف الشريعة، والعرف، والطبيعة (···) إذ هو متزوج من خمس (ربة بيته، عوالمه القصصية، دوامه الرسمي، انشغاله في مؤسسته التجارية، وزيارات البورصة) وأضاف أخيراً السادسة·· فلم تخلص له سوى الأولى ومازال يسترضي الثانية التي اشترطت طلاق الأُخر جميعهن!
اشترطت ذلك لتأخذه من يده إلى عوالم قصية تصيب (داخلها) بالذهول، أو كما يصفه من كان (خارجها)··· "بالجنون"!!
هل يبرر هذا عزوف المبدع عن مؤسسة الزواج الرسمي وإخلاصه لفنه فقط؟
سؤال غير واقعي ولكن···
nashmi@taleea.com