رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 12-18 صفر1422هـ الموافق 5-11 مايو 2001
العدد 1475

عبدالله الغذامي ومحمد مفتاح نموذجان
ارتكاز الخطاب النقدي القديم على أفعل التفضيل أنتج قراءة مسطحة للقصيدة العربية

كتب آدم يوسف:

الى أين يمكن أن يتجه الخطاب النقدي العربي، من حيث المصطلح وصياغة المفردة الملائمة للسياق الإبداعي العربي سواء كان شعرا أو نثرا؟ وكيف يمكن أن يتجاوز ما أصبح يسمى فجوة بين المبدع والناقد؟ في إطار خصومة تقليدية لا تخلو من الطرافة، ولا تتجاوز صفحات الصحف اليومية· فنحن وحتى اللحظة لم نخرج من مأزق اللاتواصل بين المبدع والمتلقي وخصوصاً في مجال الشعر، فالقصيدة العربية ومنذ أن دخلت باب الحداثة - والتي تجاوزها العالم الآن الى ما بعد الحداثة - أصبحت رمزا مستغلقا على كثير من القراء فهجروا قراءة الشعر (الى غير رجعة!) وأصبح الشعراء يقرأون بعضهم بعضا·

والخطاب النقدي بطبيعة الحال هو جزء رئيسي من هذه الخصوصية التي يتسم بها الخطاب الإبداعي والأدبي، بل هو يأتي على رأس القائمة، إذا صح لنا أن نصنف النقد إبداعا وهي مسألة قابلة للنقاش مع دعوة الكثيرين الى علمية النقد مما يبعده عن دائرة الإبداع، وهذه العلمية مستقاة من اعتماد النقاد على علوم أخرى لتحليل الخطاب الإبداعي مثل: الرياضيات والمنطق والانثروبولوجيا، وهو النهج الذي اتبعته الدراسات اللسانية واللغوية الحديثة، والتي ظهرت في الآداب الغربية، ثم انتقلت الى الخطاب العربي عن طريق التفاعل الذي تحدثه عملية الترجمة والجهود التي يبذلها النقاد العرب·

 

أفعل التفضيل

 

ثمة تحول كبير طرأ على الخطاب النقدي العربي إذا ما قارنا صيغته الحالية بما كان عليه في الفترة الجاهلية، حين كانت تنصب خيمة للنابغة الذبياني في سوق عكاظ ليصدر أحكاما شمولية وتعميمية على الشعراء وقصائدهم، فقد شكلت (أفعل التفضيل) في تلك الفترة طفولة البلاغة العربية، وهي المهاد الأول للنقد العربي، ويشهد على ذلك ما يردد في كتب البلاغة العربية من مقولات مثل "أشعر الشعراء امرؤ القيس إذا ركب وزهير إذا رغب، والنابغة إذا أرهب والأعشى إذا طرب" ومقولة أخرى لا تقل عنها تعميمية قيلت في تفضيل جرير على شعراء زمانه في بعض فنون الشعر كقولهم إن أهجى بيت قالته العرب هو قول جرير:

فغض الطرف إنك من نمير

فما كعبا بلغت ولا كلابا

ولاحظ صيغة أهجي/ أفعل التفضيل·

وأجمل بيت في وصف العيون هو قول جرير:

إن العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وأمدح بيت قالته العرب هو قول جرير في مدح بني أمية:

ألستم خير من ركب المطايا

وأندى العالمين بطون راح

إن ارتكاز فعل القراءة - بدافع المقارنة وتفضيل نص على آخر على أفعل التفضيل بكل عموميتها وشموليتها أوقع خطابنا النقدي في مأزق القراءة المسطحة، والتي ربما ناتجة عن طبيعة المرحلة، حيث لم تتبلور العلوم الإنسانية في تلك الفترة، أو تتوزع على أقسام عدة، كما لم تكن تتوفر الأدوات الكافية لتحليل النصوص أو قراءتها قراءة عمودية تنفذ الى أعماق النص وتستخلص جميع خصائصه ومميزاته·

 

نقاد معاصرون

 

وأما الدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة فقد بدأت تكتسب ملامحها وخصوصيتها العربية التي ألح عليها بعض النقاد من خلال ترجمة المصنفات الغربية، ومزجها بالأصالة والتراث النقدي العربي، ومثالنا على ذلك الناقدان السعودي عبدالله الغذامي والمغربي محمد مفتاح اللذان كان لهما جهد كبير وبخاصة في مجال تحليل القصيدة العربية، فالدكتور الغذامي ومنذ أن أصدر كتابه: "الخطيئة والتكفير" سنة 85 أصبح يشغل مساحة واسعة في الخطاب النقدي العربي، مع كل ما ثار من جدل حول الكتاب، حين ارتأى بعض النقاد أن الجانب النظري من الكتاب كان موفقا في حين لم يوفق الغذامي كثيرا في الجانب التطبيقي عندما اختار نتاج الشاعر السعودي الراحل حمزة شحاته ليطبق عليه نظريته·

ويوظف د· الغذامي في هذا الكتاب الكثير من المصطلحات الأدبية والنقدية مثل: البنيوية والشاعرية والسيميولوجية (علم الإشارات اللغوية والتشريحية) ليخرج بخلاصة تؤكد أن كل إبداعات حمزة شحاتة (الشاعرية) تدور حول مرتكزي الخطيئة والتكفير· ويلتقي د· محمد مفتاح من خلال كتابه (تحليل الخطاب الشعري·· استراتيجية التناص) مع الدكتور الغذامي في الكثير من النقاط من حيث المنهج وخطة إعداد الدراسة، وإن اختلفت الأدوات المستخدمة، والغريب أن كتاب مفتاح صدر أيضا في العام 1985 والكتاب مقسم الى جزأين الأول نظري والثاني تطبيقي، يتناول قصيدة ابن عبدون الرائية

الدهر يفجع بعد العين بالأثر

فما البكاء على الأشباح والصور

ويرصد د· مفتاح من خلال دراسته القصيدة في ثلاث بنيات أساسية هي: بنية التوتر وبنية الاستسلام وبنية الرجاء والرهبة، مع شرحها والتمثيل لها، ويخلص الى أن الجوامع الخفية التي تربط خيوط القصيدة نجدها في شيئين: الذاتية اللغوية، والنزعة السردية القائمة على الصراع·

وليس هذان الكتابان فقط ما يلتقي فيه الغذامي ومفتاح، فثمة كتاب آخر صدر للغذامي سنة 1994 تحت عنوان "المشاكلة والاختلاف·· قراءة في النظرية النقدية وبحث في الشبيه المختلف وبعدها بعامين سنة 1996 صدر كتاب مشابه للدكتور محمد مفتاح عنوان "التشابه والاختلاف نحو منهاجية شمولية" وقد يلتقي هذان الكتابان في نقاط ويفترقان في أخرى إلا أن كليهما مكمل لا بد منه لتوجيه الخطاب النقدي العربي نحو منهجية موحدة تربط بين الحداثة والأصالة· هذا بالإضافة الى كتب أخرى مهمة صدرت للناقدين ولا يسع المجال لعرضها هنا· وما نريد أن نخلص إليه أن جهود هذين الناقدين يمكن أن تسفر عن نظرية نقدية عربية، تأخذ من منبع التراث وتصب في أحدث النظريات اللسانية واللغوية، الواردة من الآداب والفنون الغربية·

طباعة  

إضاءات
 
قصص قصيرة
 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
قصيدة
 
وتد
 
أجيال
 
من هنا