هناك حادثان كانا الصاعق الذي فجر الاضطرابات في منطقة القبائل: مقتل طالب ثانوي، في 18 أبريل، في مركز للدرك (الشرطة) في بني دوالة قرب تيزي أوزو، ثم الاستجواب الوحشي لثلاثة طلاب ثانويين في 22 أبريل بأيدي رجال الدرك قرب بجاية· وقد وقع ذلك في مناخ مؤات لحدوث حريق: الذكرى السنوية الحادية والعشرين لـ "ربيع البربر" الذي يحشد سكان منطقة القبائل كل سنة في الفترة نفسها·
"القبائل" معارضات وتظاهرات دائمة
في أبريل من عام 1980 أفضى منع مؤتمر صحافي للكاتب مولود معمري في جامعة تيزي أوزو، كما حفلة موسيقية لفرقة معارضة من منطقة القبائل اسمها "إيمازغين إيمولا" إلى إطلاق تظاهرات قمعتها السلطات بشدة· وهكذا نشأت الحركة الثقافية البربرية·
يمثل البربر من تراوحت نسبتهم بين 20 في المئة و30 في المئة من مجموع سكان الجزائر (نحو 30 مليوناً)· وفضلاً عن منطقة القبائل يقيم البربر في جبال الأوراس (الشاويين)·
وفي الصحراء وفي وادي مزاب (المزابيون) وفي منطقة الهقار (الطوارق)· وقد كان القديس أوغسطين (في القرون الوسطى) بربرياً·
تقليدياً، كانت منطقة القبائل تعتبر دوماً معارضة فهي تصدت مراراً لغزوات الرومان وفتوحات العرب والأتراك ثم لهجمات الفرنسيين ولعبت دوراً حاسماً في الثورة الجزائرية· وكان عدد من الشخصيات التاريخية في حرب الاستقلال ينتمون إلى منطقة القبائل والباقون على قيد الحياة هم عميروس وابن رمضان وكريم بلقاسم ومحمد خضر تحديداً·
ديمقراطية البربر وتنازلات السلطة
إذا كان مطلب البربر غداة الاستقلال هو رسمياً الاعتراف بلغتهم والثقافة فإن الغاية الأساسية كانت بالنسبة إلى البربر هي إقامة الديمقراطية في الجزائر وتقاسم السلطة· فمنذ عام 1962 عارض حسين آيت أحمد بقدر كونه أحد القادة التاريخيين لجبهة التحرير الوطني مع محمد بوضياف وشخصيات أخرى حكم الحزب الواحد· لكن كان هناك دائماً بربر يقفون إلى جانب السلطة· الجنرال محمد مدين الرئيس القوي لجهاز الاستخبارات وقاصدي مرباح رئيس الجهاز نفسه في ظل حكم هواري بومدين·
في مواجهة السلطة المركزية كان البربر يشددون دوماً مطالبهم فبعد تسع سنوات من "ربيع البربر" أخذوا يطالبون علانية بتعدد الأحزاب وشكلوا حزبين: جبهة القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد الذي أنشئ عام 1963، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بزعامة سعيد سعدي· وقدمت السلطات بعض التنازلات: فاللغة الأمازيغية صار مسموحاً بها في وسائل الإعلام· وفي بداية التسعينات خففت المنطقة من غلواء مطالبها·
فالضغط الإسلامي كان قوياً وقد أرادت المنطقة أن لا تهب رياحه عليها وهي الجاهزة دوماً للاشتعال· عام 1996 اعترف الدستور الجديد بالأمازيغية باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية الجزائرية مثل العروبة والإسلام· وصارت اللغة البربرية معترفاً بها في برامج التعليم المدرسية والجامعية إنما من دون وجود طابع إلزامي، ونشأت كراسي للبربرية في الجامعة ولجنة للأمازيغية متصلة برئاسة الجمهورية· غير أن البربر لم يحصلوا على وضعية رسمية للغتهم ولا على دعم مالي من الدولة لنشرها· وفي عام 1998 احتجوا على التعريب باعتباره ضربة تلقوها من السلطة المركزية·
(لوموند)