حدودهم بجوار حدود أرضنا··· كنا عندما نذهب لنهتم بأشجار الزيتون، أو لنقطف ثماره··· نراهم ويروننا، حتى أنهم لم يترددوا مراراً من الاقتراب منا والتكلم معنا حول شؤون الأرض والزيتون··· كانوا يسألوننا عن اهتمامنا بالزيتون، وكنا نجيبهم بصدق··· في إحدى المرات سألونا لماذا تأخرنا عن تقليم الشجر، فقلنا لهم بأننا نعمل ولا نجد غير يوم الأحد من كل أسبوع للعمل في الأرض، ودارت بيننا أحاديث حول الزيتون وحول الأرض··· لم نشعر بحقد عليهم حين كانوا يكلموننا رغم أنهم على أرضنا، ولكننا اعتقدنا بأن هؤلاء الجنود لم يختاروا أن يكونوا هنا بل اختير لهم ذلك، بل إننا كنا نجيبهم على أي سؤال دون تردد، وكأنهم بالفعل جيران··· كيف لا وهم لا يبعدون عن بيتنا سوى أمتار محدودة لا تتعدى المئة متر، وأرض معسكرهم ملتصقة بأرضنا، بل حتى انها جزء منها· بهذه الكلمات بدأت "إيمان صبابا" تحدثنا عن تجربتها مع القصف في بيتها الكائن في منطقة "عش غراب" في الحارة الشرقية من مدينة بيت ساحور، وايمان هي أم لطفلة اسمها جوسيان (3 سنوات) وطفل اسمه عدي (4 أشهر)· تتنهد إيمان وتقول··· لم أتصور أن أعيش تلك اللحظات··· أتمنى لو أنني كنت قد مت قبل أن أعيشها··· لقد وضعت طفلي عدي وكان عمره آنذاك ثلاثة أشهر في فراشه بعد أن أرضعته ونام، وصعدت إلى بيت عمي في الطابق العلوي لتناول طعام الغذاء مع باقي أفراد الأسرة، وما هي إلا لحظات حتى بدأ القصف، والرصاص يتساقط على البرندة وباتجاه الدرج الموصل ما بين الطابقين العلوي والسفلي··· انتابنا الفزع جميعاً وتركنا المائدة، وما هي إلا ثوان وسمعنا صوت عدي يصرخ في الطابق الأول··· حاولت أن أصل إليه ولم أستطع فالرصاص الموجه نحو الدرج كان كثيفاً، وانتظرت لحظات حتى يهدأ القصف ولكن دون جدوى، عمي (جد عدي) لم يستطع هو الآخر أن يتجاهل صرخات "عدي" وصمم على النزول له أمام اعتراض أفراد العائلة الذين طلبوا منه التمهل··· ومرت خمس عشرة دقيقة وعدي يصرخ وكأنها الدهر ونحن نتجرع عجزنا وضعفنا ممزوجين مع قلقنا على الطفل الرضيع··· ومن ثم ودون أن يستطيع أن يوقفنا أحد ركضنا نحو الطابق السفلي، فتح عمي الباب واندفعت باتجاه الطفل احتضنته فأحسست بأنني أحتضن العالم كله وحمدت الله على سلامته· كانت تلك الحادثة كافية للتعرف فيها على الجيران الجدد، ولننزع عنهم قناع الآدميين ونرى من خلفه قناع الوحوش الذين رضعوا الحقد والكراهية ولا يمكن لهم أن يكونوا غير ذلك··· تساءلت كيف يمكن لهم أن يوجهوا الرصاص نحو بيتنا وفي الأمس كنا نقف سوياً نتحدث معاً··· وشعرنا بأن البيت غير آمن طالما أن جيرانه هم هؤلاء الرعاع، وأخذنا نترك البيت يومياً، ونعود مع المساء لنعود للنوم فقط، ولكن القصف أصبح ليلياً أيضاً، ولم نعد نعرف متى يقصفون ومتى لا يقصفون فتركنا المنزل، وتركنا الزيتون الذين لم يتوانوا عن تجريفه فجرفوا كل أشجار الزيتون قبل أن نتمكن من قطف ثمارها، تلك الأشجار التي استنفدت خمسة وعشرين عاماً من شقائنا وشقاء آبائنا ونعتز بها كموروث مهم لأولادنا··· ومن بيت قريب إلى آخر تنقلنا إلى أن استقر بنا الحال في هذه الشقة السياحية التي قامت بلدية بيت ساحور باستئجارها لنا··· نعيش مع جيران جدد كلهم مصابون مثلنا··· وكلهم متألمون مثلنا··· نلملم جراحنا ونساعد بعضنا البعض على التكيف بانتظار عودتنا إلى بيوتنا··· رغم كل الدمار الذي لحق بها، فمازال حلمنا أن نعود اليها ونحيي ذكرياتنا فيها·
قصفوا البيت رغم أنهم يعرفون ساكنيه فرداً فرداً، ولم تشفع لساكنيه تلك المعرفة··· اقتلعوا الشجر رغم أنهم راقبوا الناس وهي تعمل على رعايته، وتظاهروا بأنهم مهتمون به··· أي حقد هذا الذي يجعل آدمي يطلق النار على بيت يعلم أنه يعج بالأطفال وبأناس كانوا بالأمس يبادلونه التحية، وأي آدمي هذا الذي يقتلع شجرة يشهد هو على العرق الذي بذل من أجلها، وأي مستقبل هذا الذي ينتظرنا ونحن محاطون بهؤلاء الرعاع؟! بانتظار أن نسمع إجابات العالم على تلك الأسئلة، ستبقى إيمان وعائلتها وعشرات العائلات الأخرى في بيت ساحور ومئات بل آلاف العائلات الفلسطينية المحاذية لمعسكرات الجيش الإسرائيلي، والمستوطنات يحلمون بالأمن والاستقرار وبحياة هادئة مطمئنة·
وثقتها: منى الحسيني
كتبتها: ساما عويضة- لفتاوي