كتبت فوزية أبل:
إثر النمو المتزايد لقطاعات العمل الحكومي والأهلي، ومع تزايد حجم ونوع البيانات والمعلومات، وبروز وتشعب القضايا والمشاكل والأزمات المختلفة على الصعيدين المحلي والخارجي، وحاجة الحكومات إلى السرعة في اتخاذ القرار، اتجهت الدول المتحضرة إلى إنشاء نظم آلية أو مراكز دعم اتخاذ القرار تساعد الإدارة السياسية في هذه الدولة أو تلك على اتخاذ القرار الأصوب، فضلاً عن استيعاب جميع المعطيات والمؤشرات واستنباط النتائج واستقراء المستقبل وكذلك بحث المتغيرات والمستجدات وتوقع تأثيراتها السلبية الايجابية وتقديم الخيارات··· إلخ، على الصعيدين المحلي والخارجي· آخذة بعين الاعتبار المصلحة العامة والعليا للبلاد وتطلعاتها وطموحاتها الحاضرة والمستقبلية واستراتيجيتها التنموية على كل صعيد·
إلا أننا في الكويت مازلنا نعاني من غياب القرار "المدروس" و"الحاسم" في معظم قضايانا ومشاكلنا مما يدعونا إلى دق ناقوس الخطر لا سيما في ظل النمو السكاني المتصاعد ونمو القطاعات الحكومية والأهلية وتزايد حجم ونوع البيانات والمعلومات المتداولة في الأجهزة الحكومية والأهلية، وتراكم وتشعب المشاكل والقضايا العالقة دون حلول ناجعة واللجوء في كثير من الأحيان إلى الحلول الترقيعية غير المدروسة، مما أوقع البلد في وحل التخلف والتقهقر والتدهور شمل كل مناحي الحياة وشل حركة التنمية على كل صعيد·
مما يحدونا إلى دعوة الإدارة السياسية لإنشاء جهاز دعم اتخاذ القرار وتفعيله· فمن هذا المنطلق تسلط "الطليعة" مجهر الاهتمام إلى ماهية هذا النظام تاركين تفاصيله والغوص فيه لأهل الاختصاص·
تعتبر النظم الالية لدعم اتخاذ القرار (Disigen Support System) واحدة من أحدث المفاهيم العالمية المطبقة في مجالات نظم المعلومات· ونظم دعم اتخاذ القرار تنقسم إلى تعريفات عدة تبعاً بطريقة تجميع المعلومات المختصة أو درجة التفاصيل المطلوبة للموضوع مدار البحث·
وإذا نظرنا إلى التعريف العام للنظم الآلية لدعم اتخاذ القرارات فإننا يمكن أن نتوصل إلى استنتاج مناسب لهذا المفهوم· فكلمة نظام آلي هنا مقصود بها مجموعة من البرامج الآلية المناسبة والمرتبطة بقواعد البيانات المختلفة والمحدثة والمتصلة من خلال شبكات ربط محلية وعالمية، وكذلك لا بد من وجود نظم خبرة آلية تساعد على الاستنتاج والتحليل والتنبؤ· وكلمة دعم يقصد بها توفر وتوفير المعلومات المناسبة المتعلقة بالموضوع المبحوث وبالوقت المناسب، وكلما كانت هذه المعلومات والبيانات مترابطة ومحدثة كلما كانت الرؤية أفضل والقرار أصوب· وكلمة القرار هنا يقصد بها أي مرسوم أو قانون أو تحرك أو توجيه يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالوطن أو المواطن ومتطلبات معيشته اليومية مهما كبر أو صغر هذا القرار أو ذاك· فنظام دعم اتخاذ القرار إذن هو خلاصة مركزة لأبحاث عدة ودراسات وتحاليل توضع تحت بصر الشخص المسؤول أو الأشخاص متخذي القرار لمساعدتم على اتخاذ القرار الصحيح أو القرار الأفضل· وتنقسم المعلومات المعروضة ودرجة تفاصيلها أو تركيزها إلى مستويات عدة بحسب الموضوع المبحوث ومستوى متخذ القرار·
المستوى الأول: توفير المعلومات العامة حول أي موضوع، مثال (1)، عندما تعتزم أي وزارة انشاء مبنى أو فرع جديد، فهنا يجب دراسة هذا الأمر من جوانب عدة بأن يكون الموقع سهلاً بالنسبة لمراجعة الجمهور، وهل طبيعة العمل فيه له ارتباط مع وزارات أخرى، معرفة أعداد الموظفين والقياديين، واحتمالات التوسع في أعمال الوزارة، ميزانية للتأثيث بعد الانتهاء من عملية البناء والإنشاء··· وغيرها·
المستوى الثاني: توفير المعلومات المتخصصة: وهي تتعلق بالعديد من الجوانب والأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وغيرها من المجالات· أما المستوى الثالث: توفير سيناريوهات مستقبلية، فمثلاً: ماذا لو انخفضت أسعار النفط دون مستوى 15 دولاراً؟ ما تأثير هذا على الميزانية؟ وكيف ستتمكن الدولة من الإيفاء بالتزاماتها؟
وأمثلة أخرى: كالاتفاقات الأمنية بين الكويت والدول الكبرى، احتمالات المشاكل العسكرية ما بين الدول العربية المختلفة، وضع الكويت بالنسبة للدول الاقليمية، ماذا لو هددت ايران بإحكام سيطرتها على الجزر الإماراتية الثلاث؟ كيف تتعامل الكويت إعلامياً وأمنياً ودبلوماسياً وعسكرياً فيما لو تعرضت لأي تهديد من النظام العراقي؟، مستقبل العلاقات الكويتية- العراقية بعد سقوط نظام البعث وتسلم قيادة جديدة زمام الحكم في العراق؟، إحتمالات عودة العمالة الأردنية إلى الكويت ومدى تقبل الكويتيين لعودتهم لا سيما في ظل أزمة التوظيف والبطالة··· إلخ·
ولعل من أهم ما يلزم التطبيق الصحيح للنظام الآلي لدعم اتخاذ القرار هو الحاجة الحقيقية لخبراء وباحثين ذوي خبرة كبيرة في هذا المجال ومجالات البحوث المختلفة، بحيث يقوم هؤلاء المختصون بتحليل المعلومات بطريقة منطقية مع القدرة على استنباط النتائج واستقراء المستقبل على ضوء تحليل الحالات المماثلة والسابقة، بحيث يمكن أن تقدم هذه النتائج بشكل واضح وصحيح إلى المسؤولين ومتخذي القرار لمساعدتهم في اتخاذ القرار·
فضلاً عن أن هذا الجهاز لا بد أن يصاحبه وجود مركز معلومات متكامل يحوي جميع الأرقام والبيانات والمعلومات والتطبيقات الآلية، حتى يصبح هذا الجهاز (دعم اتخاذ القرار) بمثابة نظام آلي متطور يتيح وضع سيناريوهات مختلفة، للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الوقاية من حدوث أزمات، وايجاد الحلول العاجلة للخروج من أية أزمة أو مشكلة تقع فيها البلد·
ومن المهم جداً أن يسير عمل الجهاز وفق حيادية تامة وموضوعية بعيداً عن أي ضغوط اجتماعية أو سياسية مهما يكن مصدرها، وبعيداً عن أي مصالح واعتبارات، فضلاً عن الذود عن النزعات والولاءات الطائفية والقبلية والفئوية والسياسية، وأن يكون الهدف هو الخدمة العامة والمصلحة العليا للدولة والشعب، ونموها المستقبلي، حتى نضمن سلامة ومنطقية وموضوعية التحاليل والمعلومات وبالتالي يكون القرار مبنياً على أسس علمية·
فمن الملاحظ أننا في الكويت، وللأسف الشديد، اعتدنا على القرارات غير المدروسة، وغير المبنية على أسس علمية، ونعتمد الحلول والقرارات الترقيعية الآنية لعلاج أي مشكلة أو أزمة نواجهها، والأخذ بالمصالح الآنية على حساب مصالح البلد العليا والاعتبارات الوطنية· ما أدى بدوره إلى شل حركة التنمية وتكرار حدوث الأزمات والمشاكل ذاتها على كل صعيد، وتكبيد الدولة مبالغ اضافية طائلة·
هذا من ناحية الشأن المحلي أما بالنسبة للشأن الخارجي فجهاز دعم اتخاذ القرار لا بد أن يوفر جميع المعلومات والبيانات التي تتصل بأية مسألة تمس وترتبط بالكويت وقضاياها على المستوى الخارجي، مهما تكن درجة هذا الارتباط· فعلى سبيل المثال، عندما يسافر أي مسؤول أو وفد حكومي أو غير حكومي إلى دولة ما، فلا بد أن يتزود ويتسلح ويلم هذا المسؤول أو الوفد بالمعلومات والأرقام والبيانات، ويدعم بالمعلومات الاضافية، التي تخدم هذه القضية أو تلك، وكذلك أن يلم المسؤول أو الوفد بأبرز وأهم المعلومات التي تخص الدولة ذاتها، حتى يكون (المسؤول، الوفد) على بينة ومعرفة تامة وشاملة، كي يتجنب الوقوع في أي حرج أو التعرض لأية زلة عندما يوجه له سؤال أو مناقشة·
وفي دولة الكويت تقوم أمانة مركز نظم المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء بتطوير مشروع ضخم لنظام آلي متكامل لدعم اتخاذ القرار· ولقد بدأ هذا المشروع مباشرة بعد التحرير وهو الآن في المراحل النهائية للتطوير·
وتتركز فلسفة هذا النظام على تجميع وتبويب بيانات ومعلومات مختلفة من جهات حكومية عدة مثل الوزارات والإدارات الحكومية وغير الحكومية مثل مراكز الأبحاث والمكتبات سواء محلية أو خارجية·
إلا أن النظام المعمول به في مجلس الوزراء غير فاعل بتاتاً، ولا أثر لهذا النظام في أي من قرارات مجلس الوزراء، حيث نلاحظ أن هناك الكثير من القرارات يتم التراجع عنها بل ونسفها، وأكبر وأبرز دليل على ذلك هو ما يحدث حالياً على مرأى ومسمع الجميع ويتصدر صفحات الصحف، من التخبط في القرارات الإسكانية، فقرارات الوزير السابق ألغاها الوزير الحالي، وتصريحات الوزير الحالي المتناقضة للصحف، التي تنم، بالطبع، عن غياب القرار!!
فهل قام مجلس الوزراء فعلاً بدراسة القرارات الإسكانية السابقة قبل اقرارها؟!
وهذا الكلام لا نخص فيه القرارات الإسكانية إنما القرارات الحكومية على كل صعيد، حيث يفترض أنه قبل أن يقدم أي وزير على أي مشروع قرار لا بد أن يخضع هذا القرار للدراسة والتمحيص باستفاضة من قبل باحثين ومختصين، حتى يأخذ القرار مداه الأوسع من الدراسة والبحث، ويبنى على أسس علمية···
فوجود جهاز دعم اتخاذ القرار في الكويت بات مطلباً ملحاً، بدلاً من تشتيت القضايا بين ردهات وأروقة الوزارات، ومن المهم أن يكون المسؤول عن هذا الجهاز شخصاً يتمتع بمواصفات خاصة تؤهله ليعتلي كرسي المسؤولية والأمانة، لأنه جهاز حساس، وذو مهام صعبة ودقيقة بالغة التأثير والخطورة· وكذلك الحال مع الكادر الوظيفي الذي ستقع عليه أمانة ومسؤولية المهام المطلوبة، فيجب أن يتم انتقاء كل من المسؤول والكادر الوظيفي بدقة وعناية من الإدارة السياسية العليا·
وأن يتمتع هذا الجهاز بما فيه من عناصر بشرية وأجهزة ومعلومات وبيانات لرعاية وتطوير من ناحية وأن يخضع للمتابعة والرقابة الدؤوبة، والضبط السياسي والأمني من ناحية ثانية، حتى تضمن الإدارة السياسية عدم اختراقها من أي فئة أو جهة· ويفترض أن يكون عمل هذا الجهاز بمنأى عن الظهور الإعلامي، فالعمل فيه يجب أن يكون ذا خصوصية تامة·
وهناك نقطة في غاية الأهمية وهو أن يحوز مجمل الأبحاث والدراسات والبيانات والتحاليل الصادرة من هذا الجهاز على ثقة متخذي القرار، والأخذ بها، فيما يعد من المقبول مناقشة أي محور أو نقطة تتعلق بالموضوع المبحوث، وإثرائه وإغنائه بأية معلومة اضافية، وبالتالي تعديله للأفضل خدمة للموضوع أو القضية مدار البحث، لا إساءة استغلاله أو توجيهه لمصلحة معينة·
ومن الضروري أن تلجأ الإدارة السياسية في الكويت إلى دعم تطبيق هذا النظام، والاستزادة بالتطبيقات المنفذة للدول التي لها باع طويل، ناجح وموفق، في هذا المجال والاستفادة من تجاربها وخبراتها·
وأيضاً من المفروض خلق قنوات التعاون والتنسيق في مجال إمداد ونقل المعلومات، والتطبيبقات الآلية مع مؤسسات القطاع الأهلي في مختلف المجالات·
وتجدر بنا الإشارة أن الكويت وطيلة السنوات الماضية من عمر ومسيرة الدولة الحديثة اعتمدت، ولاتزال، بشكل رئيسي على وزارة التخطيط في مجال تكنولوجيا المعلومات والبيانات والتطبيقات الآلية لجميع الأجهزة والقطاعات الحكومية، في وقت نجحت وتفوقت في مجال تكنولوجيا المعلومات في السنوات الأخيرة مؤسسات مثل الهيئة العامة للمعلومات المدنية، فقد أصبحت مركز معلومات عملاقاً، ومرجعاً رئيسياً لا غنى لأجهزة الدولة عنه· من هنا يجرنا التساؤل: في ظل وجود أكثر من مؤسسة لها باع طويل وناجح في مجال تكنولوجيا المعلومات والبيانات والتطبيقات الالية كالهيئة العامة للمعلومات المدنية ووزارة التخطيط· هل تملك الإدارة السياسية رؤية أو تصوراً أو استراتيجية واضحة، محددة الأركان والمعالم، حول الآلية التي سيكون عليها نظام دعم اتخاذ القرار الذي أنشأه مجلس الوزراء؟! وهل هي جادة فعلاً في اعتماده وتفعيله؟!