كتب محرر الشؤون السياسية:
عاد الضجيج الى الساحة السياسية في الكويت وأصبح الناس غير قادرين على متابعة الأحداث ليس لأنها كثيرة -وهي كذلك- ولكن ليس فيها ما هو رئيسي يشكل بؤرة استقطاب للرأي العام، فعلى مستوى الكتل السياسية اشتعلت المزايدات لإرضاء الناخبين وأصبحت الكتل البرلمانية التي ما نبت ريشها بعد ولم تجرب تجربة حقيقية تتبارى في المزايدة بل وحتى في التشاتم حول أسبقية اقتراح المقترح التي تحظى بقبول الفئات الشعبية المحدودة ومتوسطة الدخل وحيث من السهل دغدغة العواطف واقتراح صرف الملايين حالياً حتى لو تسببت بأعباء على كاهل الأجيال القادمة في حين أنه من الصعب تأسيس بنية وطنية في التعليم والاقتصاد تضمن إنسانا كويتيا منتجا متمكنا من العلوم الحديثة والتفكير السليم واقتصادا يستوعب طاقات عشرات الآلاف من أجيالنا القادمة لتثمر وترتفع بالوطن الى مصافات متقدمة وتضمن له الاستقرار والأمان·
مستوى الكتل البرلمانية التي "فقست" مؤخرا لا يسمح بحوار جدي لبناء وطن لأن الأهداف الباطنة لكثير من أعضائها غير الأهداف المعلنة، رغم أن الأهداف المعلنة تخضع لكل تلك المزايدات·
لكن قضايا أخرى برزت على الساحة الكويتية وسط كل هذا الضجيج· منها برنامج حركة الإخوان المسلمين في الكويت التي "اخترع" تابعوها من أن يكون لديها برنامج· فأخذوا يتحدثون كأنهم هم الذين اكتشفوا الذرة، وليس أن البرامج السياسية على الساحة والتي أعلنتها الحركة الوطنية الديمقراطية أصبح لها ما يزيد عن 30 عاما· إلا أن ما طرحوه على أنه برنامجهم هو بالفعل جديد ولكنه عليهم، ولا يمنع ذلك بل إنه بسبب ذلك أصبح مثار جدل ونقاش في الصحافة والمنتديات وحظي بردود فعل رسمية·
ولسنا بصدد استعراض برنامج الأخوان المسلمين ولكن يلفت النظر بعض ما جاء فيه·
في الجانب السياسي طرح التعددية السياسية وتداول السلطة وإشهار الأحزاب· وفي العلاقة مع الأسرة الحاكمة طالب أفرادها بالابتعاد عن المشاركة في قضايا المال والاقتصاد والوظائف العامة·
ولأن هذا الطرح المنقول من أدبيات وبرامج الحركة الوطنية الديمقراطية على مدى أربعين عاما كان مفاجئا بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين التي كانت طيلة تاريخها في الكويت ذيلا ذليلا للسلطة أصبح هذا الطرح مفاجئا بالنسبة للناس ومثار نقاش في الدواوين، وفي المنتديات السياسية كان التعليق الهازئ: "من إمتى؟!" لكن ذلك سبب ردود فعل، بعضها كان متسرعا وبعضها كان غاضبا وخصوصا أن البرنامج جاء على شكل إملاءات ومن فوق حيث اعتبر البعض أن الحركة قررت الآن أن تستلم وتحكم الكويت، في الوقت الذي يعرف الجميع علاقات كثير من قياداتها وهي مشبوهة·
على الجانب الحكومي لم يحالف النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء التوفيق في تصريحه الذي نشرته "جريدة الوطن" على خمسة أعمدة الأحزاب ممنوعة ولن نسمح بها بتاتا·· لا دستوريا·· ولا غيره· رغم أن النبرة الغاضبة لها معان أخرى لمعرفته بالسبب الحقيقي لطرح هذا الموضوع وبرامج المواجهة الأخرى حول دور الأسرة الحاكمة التي طرحتها حركة الإخوان الآن·
فالشيخ صباح كان عضوا في المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور وتجاوز نمط الحكم من قصر نايف، ولا بد أنه يذكر النقاش الذي دار حول موضوع الأحزاب بين ومؤيد ومعارض مما جعل واضعي الدستور وهو بينهم يتوصلون الى صيغة تركت المجال مفتوحا أمام قيام أحزاب في المستقبل حيث "يفوض الأمر للمشرع العادي دون أن يأمره في هذا الشأن أو ينهاه"· مثلما تقول المذكرة التفسيرية للمادة (43) من الدستور والتي صوت عليها المجلس التأسيسي بالإجماع·
ما أخذ على الشيخ صباح أن اللهجة تنم على أن الحكومة أو الأسرة هي وحدها صاحبة القرار بصرف النظر عن رغبات الناس والمنهج الديمقراطي ومجلس الأمة وقراراته بينما كانت الحكومة تستطيع الاحتفاظ برأيها ومحاربة أي مشروع لقيام الأحزاب داخل المجلس بالتصويت الديمقراطي· وينبه الحريصون أن ذلك هو مضر بالنسبة للكويت وسمعتها التي حاولنا لسنوات بناءها بأننا بلد ديمقراطي ينشد احترام وتأييد العالم وأرسلنا عشرات الوفود البرلمانية لجميع أنحاء العالم لتطرح ذلك وتطرح معه قضيتنا، حيث إننا نعلم أن رصيد الكويت الأساسي في الدفاع عن وطننا ضد عدو طاغ القوة· ليست قواتنا المسلحة الباسلة على ما لها من دور أساسي في صد العدوان، ولكنه مساندة العالم لنا الذي يراقب منهجنا في إدارة شؤون بلدنا كأحد الأسس للاحترام والتأييد·
ويعلق مراقب سياسي كويتي على موقف الحكومة من الديمقراطية قائلا: إنه إذا كان تصريح النائب الأول زلة فهذا مقبول وكلنا معرض لذلك لكن هناك ظواهر تجعل الإنسان يتأمل بعمق ويتخوف من الممارسات القادمة· ويدلل على ذلك بالموقف من حقوق المرأة السياسية فلقد تقدمت الحكومة بمشروع قانون لإعطاء المرأة حقوقها السياسية كاملة إلا أنها خذلته في المجلس وتركت العناصر المتخلفة والجاهلية في المجلس تصوت على كيفها بل إن أحد وزرائها لم يلتزم التصويت معه مما أفشل المشروع بفارق صوتين، ثم أخذت بعد ذلك بواسطة وزير الداخلية إفشال أي محاولة لأن تأخذ النساء ممن حاولن التسجيل في المخافر أي ورقة تقول أن محاولتهم مرفوضة ومنعوهن من التظلم لدى الوزير رغم أن ذلك مخالف للقانون، وحين حصل بعضهن على ورقة وسلمن تظلما في غفلة من الزمن دأبت الحكومة التصدي باستماتة عبر محاميها من الفتوى والتشريع لكل من ذهب الى المحاكم من النساء للطعن في قرار الداخلية عدم تسجيلهن وللطعن في قانون الانتخاب لأنه مناقض للدستور، مما أفشل الجهود·
ويضيف المراقب السياسي الكويتي قائلا: ماذا يعني ذلك؟ يعني شيئا واحدا أن الحكومة تقاتل من أجل منع المرأة من الحصول على حقوقها السياسية وتريد في الوقت نفسه أن تقول للعالم انها مع حقوق المرأة لكن الشعب الكويتي هو الذي ضدها· وهذا موقف لا يدعو الى الاحترام·
لكن أوساطا سياسية ركزت اهتمامها هذا الأسبوع على نبرة المواجهة العنيفة في طرح حركة الإخوان لبرنامجها وتعجبوا من تغيير الأحوال الذي لم يجدوا له تفسيرا· غير أن أحد المخضرمين من الضليعين بسلوكيات الإخوان وانتهازيتهم فسر برنامج الإخوان المفاجئ بأنهم أدركوا أنهم ليسوا في شهر العسل الذي استمر سنوات رغدوا فيها بالمال والانتشار والسلطة وأصبحوا فيه الممول الرئيسي للتنظيم العالمي للإخوان·
ولذلك فأنهم أخذوا يجمعون كروتاً جديدة ويطرحون مطالب أكبر منهم ويشكلون كتلة جاهلية يساومون فيها ليضمنوا موقعا مريحا في الوضع الجديد بالمساومة وحتى يستطيعوا الابقاء على مكاسبهم والدسم الذي انغمسوا به في السنوات الماضية· ويستطرد المراقب ويحتمل أن يكون الإخوان يخططون الآن مع آخرين لوضع قادم ما زالوا يراهنون عليه ويشيرون في هذا الصدد الى مقالة حول الأحزاب السياسية في الكويت نشرها د· إسماعيل الشطي أحد مفكريهم البارزين في جريدة الشرق الأوسط قبل عشرة أيام قال فيها: إنه لم يظهر في مؤسسة الحكم ما يحسم موقفها إزاء هذه القضية "فقد أعلن الشيخ سالم الصباح وزير الدفاع السابق (وهو من أعمدة الأسرة الحاكمة) تأييده لقيام الأحزاب، بينما أعلن الشيخ صباح الأحمد نائب رئيس الوزراء -وهو من أقطاب الحكم- رفضه لمثل هذه المطالبة" هكذا بهذا النص والترتيب·!!