بقلم: جيم هوغلاند "واشنطن بوست"
يقال إن الرئيس (الأمريكي جورج) بوش حرك ثلاث مجموعات عمل من أجل أن تقدح زناد أفكارها وأن تصوغ سياسة أمريكية جديدة ومحسنة بشأن العراق: ذلك لا ريب فيه: إنها الحرب·
لا ليست الحرب التي تشارك فيها طائرات "بي - 52" تقصف ملاجئ صدام حسين في بغداد أو القوات الأمريكية تزحف نحو البصرة· ذلك أن بوش الرئيس الحادي والأربعين والد بوش الرئيس الثالث والأربعين حاول ذلك (إلى حد معين) قبل أن ينتزع هدنة من فكيّ الانتصار في عملية عاصفة الصحراء·
إنها حرب ستخاض في واشنطن، طلقاتها هي أوراق المسؤولين والمناصب السرية والمقارنات التاريخية والتسريبات الإخبارية وغير ذلك من صنائع البيروقراطية·
إن التصادم بين الأطراف الأمريكية - لا التصادم مع الحرس الجمهوري العراقي - سيكون هو الهدف المباشر للكمائن وهجمات الغاز في هذا الجو الخانق· والتقدم سيكون مقيساً بالإنجازات المهنية المحققة لا بالتلال المحتلة تقوم على روايات من "الداخل" تحتل صدر الصفحات الأولى لا على إسقاط طائرة معادية·
هذه هي قواعد واشنطن المعروفة من مرتادي نهر بوتاماك الذين يعرفون صناعة السياسة بأنها صراع وجودي مفتوح على المصادر· لكن ذلك لن يستغرق وقتاً طويلاً لتحويل المراجعة المبررة لـ 15 سنة من السياسة الأمريكية الفاشلة بشأن صدام حسين إلى شيء تجديدي ذي قيمة·
في المقام الأول ينبغي حذف المقارنات التاريخية غير المتصلة مباشرة بالخبرة الأمريكية في العراق من هذه المعارك بين الوكالات الأمريكية·
فالتاريخ الذي يستعمل كوسيلة للمحاججة ينتج دوماً تحليلات غير دقيقة·
فيتنام لم تكن ميونيخ، وعاصفة الصحراء لم تكن فيتنام· و(معركة) خليج الخنازير (إنزال فاشل لمتمردين كوبيين مدعومين من الولايات المتحدة في محاولة لإسقاط فيدل كاسترو) ليست وحدها الخاتمة المتوافرة لدى الولايات المتحدة في مساندتها العراقيين المنفيين الذين يحاولون إسقاط صدام حسين·
مقارنة خليج الخنازير قدمها بقوة أولئك الذين في مجموعة عمل "تغيير النظام" الذين يعارضون القيام بأي شيء مهم لانتشال المعارضة العراقية من حال ضعفها الراهنة· أما حقيقة أن الخيانات والاخفاقات الأمريكية المتكررة ساعدت في إغراق المعارضة العراقية في هذا الضعف فلا يبدو أنها تهم مؤيدي عملية مثل خليج الخنازير الذين نظم بعضهم عدداً من الخيانات والاخفاقات ثم عادوا حتى يقوموا بالمزيد·
يبدو أن بوش الـ 43 ونائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الأمن القومي كوندوليتسا رايس يتناولون مراجعة السياسة الخاصة بالعراق بعقول منفتحة· وهذا ما يدفع المحاربين إلى تصعيد الاشتباكات (بين أطراف السياسة الأمريكية) والتسريبات (الصحافية) التي لاتزال جنينية وفق معايير واشنطن السابقة·
أحد المسؤولين الكبار قال بعد ما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقارير عن معارك بيروقراطية بين البنتاغون (وزارة الدفاع) ووزارة الخارجية: "لم نبلغ بعد مستوى تنظيمياً يؤهلنا لنتقاتل بشأن السياسة· وأنا واثق من أننا سنفعل لكننا لم نفعل بعد"·
غير أن مجموعات العمل - الآخريين منهما تغطيان العقوبات الاقتصادية ومنطقتي الحظر الجوي فوق العراق التي تراقبها الطائرات الأمريكية والبريطانية - توفر منتديات ممتازة لهجومات خفية إلا إذا تحكم بوش وتشيني ورايس بالاتجاه الذي تأخذه المراجعة·
خلاف ذلك اتبع مسؤولون مجهولون في وزارة الخارجية الأمريكية حملة قوية غايتها التخلي عن نظام العقوبات الحالي في الصحافة مع حملة تدميرية شخصية تستهدف معارضي صدام المتهمين بكونهم أصدقاء للدبلوماسيين "الأعداء" في وزارة الدفاع·
وفي 19 مارس الماضي، نقلت صحيفة "لوس انجلس تايمز" عن دبلوماسيين أمريكيين وعرب وآخرين اتهامهم أحمد جلبي رئيس "المؤتمر الوطني العراقي" بأنه "نصاب" واسفنجة وميؤوس منه عندما يتصل الأمر بإدارة الأموال·
وهكذا لايبقى من إنجازات جلبي غير دكتوراه في الرياضيات وشهادات الدراسات العليا في جامعة شيكاغو ومعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، ونجاحه في تأسيس بنك في عمان صادرت الحكومة الأردنية موجوداته بتهمة الاختلاس وتضحيته بمعظم ثروته حتى يغامر بحياته في مقاتلة صدام·
ويبقى أيضاً حقيقة صامتة مفادها أن جلبي صار البعير المعبد (المنبوذ) في عيون الاستخبارات المركزية الأمريكية وأصدقائها لدى وزارة الخارجية الأمريكية، فهو أعلن على الملأ الاخفاقات الكبيرة لوكالة الاستخبارات في العراق· وأي مراجعة جدية للسياسة بشأن العراق لابد أن تنظر بجد في أسباب وكيفية كبوة الاستخبارات المركزية في العراق أيام بيل كلينتون·
جلبي هو مدافع مخلص عن الديمقراطية التي تقاتل في مواجهة جميع التناقضات العسكرية والدينية العميقة والانقاسامت الاجتماعية في العالم العربي· وإن مراجعة للسياسة بشأن العراق تريد التخلص منه ومن المنفيين الآخرين هي مراجعة مخجلة وطريقة انسحابية للبدء من جديد في العمل على العراق·
إنها طريقة معيبة أن يقول أحدهم إن شيئاً يستحيل أو لا ينبغي القيام به لإطاحة الحاكم المفترس المهووس الذي يعتقل العراق رهينة وهذا ينضوي على خطر أن تتحول أخطاء بوش (الرئيس) الـ 41 إلى أخطاء لبوش الـ 43·