لم يكن قصف غزة بالطوافات والدبابات على قدر مطامح المستوطنين· زعماؤهم اعتبروه ضعيفاً وغير كافٍ· اشتركت فيه سبع طوافات من نوع "أباتشي" و"كوبراً" ودبابات عدة· ضحاياه قاربوا الـ 50 جريحاً· وهو الثاني من نوعه في عهد أرييل شارون· ونطاقه اتسع حتى شمل دير البلح ورفح·
ولم تبلغ المواجهة بين السلطة الفلسطينية والتنظيمات المؤيدة أو المعارضة مستوى غزو لبنان وطرد منظمة التحرير والفصائل الأخرى من بيروت عام 1982، ذلك أن التهديد باجتياح مناطق الحكم الذاتي أو بعضها مازال خياراً محتملاً لا مؤكداً وليس هناك غير بوادر: خطف عناصر أمنية فلسطينية من على حاجز تفتيش فلسطيني·
منذ سبتمبر، صار عدد الشهداء الفلسطينيين يقارب الأربعمئة والجرحى تخطوا العشرة الاف منذ زمن، والانتفاضة انعقدت من أجلها، بالاضافة إلى قضايا أخرى، قمتان: أكتوبر في القاهرة ومارس في عمّان·
هذا هو جلّ الجهد الدبلوماسي العربي في وقت ينتقل مركز اتخاذ القرار السياسي في إسرائيل من تشدد إلى تشدد، بل إن ذلك يحدث في ظل اختلال هائل في موازين القوى: لم يعد هناك توازن دولي كالذي كان (بصورة نسبية) أيام غزو لبنان في الثمانينات·
في الانتفاضة الحالية، ازدادت أوضاع الشعب الفلسطيني سوءاً في كل شيء: بحسب اعتراف مسؤولين دوليين وأوروبيين تقف السلطة الفلسطينية عند حافة الانهيار· وإسرائيل تقف عند حافة مغامرة غير معروفة النتائج·
أيام أوسلو، قبله وبعده، كان اسحق رابين يقول: أقاتل وأفاوض، ثم جاء شيمون بيريس ليقاتل (مجزرة قانا في لبنان أيام "عناقيد الغضب") من دون أن يفاوض· وهكذا فتح الطريق لمجيء نتانياهو فراوح بين التشدد السياسي والمقاتلة (النفق تحت المسجد الأقصى) والمفاوضة من أجل المفاوضة فقط (اتفاق في واي بلايتيشن بصق عليه ولمّا يجفَّ حبره) ثم جاء باراك ليناور إلى حين وقدم أكبر عرض لكن في وقت أعرضت إسرائيل عن القبول· فسقط وسقطت معه نتائج قمة كامب ديفيد·
مر نحو عشر سنوات أو أقل بشهور على مؤتمر مدريد، وعلى اتفاق أوسلو مر نحو ثماني سنوات أو أقل بشهور أيضاً، أما الحكم الذاتي فيبقى عبارة عن جزر مقطعة رهينة الحواجز العسكرية للجيش الإسرائيلي ورهينة الحواجز العسكرية والاقتصادية للحكومة الإسرائيلية المتقلبة الرؤوس والأهواء، ويبقى نحو 160 ألف عائلة فلسطينية، ممن يعمل عائلوها في إسرائيل، مهددة بلقمة العيش، بل يخسر الفلسطينيون أكثر من ذلك: البنية التحتية والأمن الشخصي والتعليم بمراحله كافة والفروع، وقد يخسرون الثقة بالمستقبل: حرب يقاتلون فيها منفردين تتنازعهم غايتان: التحرير بقوة السلاح وإجبار إسرائيل على العودة إلى المفاوضات·
الآن، تريد إسرائيل والدول المؤيدة لها أن تتوقف الانتفاضة، فماذا يعني ذلك: التمهيد لإحداث نزاع بين السلطة الفلسطينية (التي تضغط بالانتفاضة لإجبار شارون على التفاوض) من جهة، والفصائل المؤيدة أو المعارضة التي تعتبر الانتفاضة قتالاً حتى التحرير (بينها "فتح" نفسها) أي أن إسرائيل التي توحدت في عهد شارون (بيريس صار محامياً عنه) تريد للفلسطينيين أن يتنازعوا·
ويريد شارون أن تنقلب زيارتا الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لواشنطن على الفلسطينيين في ظل حملة إعلامية يهودية- أمريكية معروفة الأسلوب، أي أنه يريد الاستفراد بالفلسطينيين قبل أن يضرب ضربته·
قبل الهجمة الأولى على غزة ليل الأربعاء الماضي، استقبل شارون وفداً من المستوطنين، وقبل الهجمة الثانية ليل أمس، عاث المستوطنون فساداً في الخليل تحت مرأى الجيش الإسرائيلي·
إسرائىل العلمانية (رسمياً) تنتقل من تشدد إلى آخر· والاستيطان يلقى الرعاية، إما بتجديد خطط البناء في جبل أبوغنيم (هار حوما) وإما بغض الطرف عن انتقامات المستوطنين· فهل يرمي شارون إلى إبراز باروخ غولدشتاين آخر (كالذي ارتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل وقتل 29 مصلياً فلسطينياً عام 1994؟)·
وفي رجوع إلى شعار شارون تحقيق الأمن لإسرائيل قبل السلام، وفي ظل القمم العربية التي أفهمت إسرائيل أن ليس هناك غير التضامن "اللائق" وبعض الأموال للفلسطينيين، وفي ظل يأس الفلسطينيين في الداخل من كل شيء وكل جهة، أي كمية من الدم الفلسطيني يحتمل أن يسفكها شارون لتحقيق شعار بل وهم الأمن لإسرائيل أولاً؟·