بقلم: أحمد يوسف النفيسي
حدثان كويتيان متميزان يجب أن نقف عندهما ونفهم دلالاتهما وأبعادهما: الحدث الأول هو الإنجاز الوطني الكويتي المتميز في مجال السياسة الخارجية الذي قاده الشيخ صباح الأحمد حول معالجة آثار الغزو العراقي واحتلال الكويت، أو ما اصطلح عليه باسم "الحالة" بين الكويت والعراق· فلقد أحدثت الخارجية الكويتية للمرة الأولى وبامتياز فوزا دبلوماسيا رفيع المستوى وأنجزت في مؤتمر القمة العربية وبمساعدة المملكة العربية السعودية بالدرجة الأولى انقلابا جوهريا في الموقف العربي مؤيدا للكويت ومحاصرا للنظام العراقي·
والحدث الثاني هو تباشير عملية إعادة هيبة وسيادة القانون في وزارة الدفاع والتي يقوم بها الشيخ جابر المبارك عندما شكل لجنة قضائية ثلاثية تبحث في القضايا الجنائية المتعلقة بشبهات السرقات والتحايل والاختلاسات في مشتريات وزارة الدفاع من الأسلحة وغيرها والتي أحالتها لجان حماية الأموال العامة في مجلس الأمة وحفظتها النيابة، لفحص مبررات الحفظ وتقديم الطعون في ذلك أمام القضاء· ثم قيامه بإحالة الوكيل المساعد لشؤون التجهيز المحلي بوزارة الدفاع عبدالمجيد الحجي للتحقيق في قضية ثارت حولها الشبهات الصارخة وتم حفظها بعد أن أحيل أربعة أو خمسة من مشتبهيها الى التقاعد·
هذان الحدثان يعيدان التنفس الى الأمل الكويتي في أن هذا الوطن يمكن أن يخرج من غيبوبة الغوص العميق في محيط الإحباط، وأن تعود في شرايينه الحياة من جديد·
فلقد أدخلت البلاد في صراع مميت بمنازعة الناس حقوقهم التاريخية عميقة الجذور في الحياة الدستورية والديمقراطية، ثم في دوامة الصراع في داخل السلطة على النفوذ والثروة، وكانت الضحية دائما هي قضايا الوطن الجوهرية وحقوق الناس المشروعة في الديمقراطية والعدالة والمساواة وحكم القانون، وأغرقت البلاد في محيط من الفساد وعصف بمصير الوطن الى درجة الضياع الكامل·
لقد عشنا في زمن وكأن وطننا قد اختطف، تنتهكه عصابات من اللصوص والمنتفعين والمنافقين، رخصتهم في ذلك أن يكونوا من المتنفذين أو أن يكونوا ممن يقدمون الولاءات الشخصية قبل الولاء للوطن· ولقد تربت على ذلك الفساد مع الأسف قطاعات لا يستهان بحجمها من لاعبين أساسيين في الحكومة وموظفين فاسدين ورجال أعمال من ذوي الذمم الضعيفة ونواب شاركوا في ذلك كله ابتداء من علاقاتهم المشبوهة في عقود التسليح في الدفاع أو عقود الإنشاءات أو عقود حكومية أخرى أو شاركوا في إفساد الذمم عبر الرشاوى المباشرة أو الخدمات أو إسقاط المخالفات التي تعاقب عليها القوانين·
والآن تعود الكويت المحبطة وكأنها تصحو من غيبوبة وتفاجأ بأنه ما زال فينا شيء من رمق وما زالت بأيدينا أوراق رابحة ولدينا لاعبون جيدون· كل ما حدث هو أن الصراع قد خف والهوس في مطاردة الديمقراطية قد انزاح جانبا، وبدأنا نركز أنظارنا على قضايا الوطن الأساسية حيث أخذت الرؤية تتضح والضباب ينجلي عن الطريق·
إننا يجب أن نبين أن ما حدث من توجه نحو الإصلاح هو ضئيل جدا بمقياس الدمار الهائل الذي حل بالوطن، ولكنها تباشير فرحنا بها، غير أنها تظل تباشير، فطريق الإصلاح والبناء طويل وشاق، وخصوم الإصلاح ما زالوا موجودين، يتمترس بعضهم في مراكز رفيعة يتحينون الفرص· ونحن لا نشك أنهم لم ييأسوا وسيعملون ما باستطاعتهم للانقضاض من جديد وسيستقتلون في إجهاض أي عملية تعيد البلاد الى حكم الديمقراطية وسيادة القانون· ولكن لا خيار غير مواصلة الطريق والإصرار عليه والدفاع عنه، وإلا اعتبر ما حدث ذرا للرماد في العيون·
ولنثق بأن قوى الإصلاح والتقدم في هذا الوطن أعمق جذورا وأكثر اتساعا وصلابة لأنها قوى الشعب الذي يحب هذا الوطن ويفديه وليس لديه عنه بديل·
فلتلتحم الآن جميع القوى الخيرة في الحكم والبرلمان والشارع الوطني في معركة النهوض، لنحول هذا القطر الى تيار متدفق يزيل العقبات من أمامه ويفيض ليغمر أرض الوطن بالخير ليخصب ويزهر ويشرق فيه الأمل من جديد·