كتب محرر الشؤون الخارجية:
ربما كان ملف ما يسمى "الحالة بين العراق والكويت" حقق في القمة العربية الأخيرة تقدماً أفضل مما تحقق في ملف القضية الفلسطينية· ففي الأول اجتمعت 16 دولة عربية ضد العراق، فصار الخلاف أقرب إلى كونه عراقياً - عربياً· وفي الثاني تحقق إجماع إنما على "دعم الانتفاضة" بوسائل يبقى معظمها غامضاً·
حتى تصبح قرارات القمم العربية ملزمة ينبغي أن تكون إجماعية· أما القرارات المتخذة بالاكثرية فلا تلزم إلا المصادقين عليها· وهذه هي نقطة ضعف العمل العربي المشترك وفي رأسه القمة والجامعة·
القمة الأخيرة تبقى برغم إنجازاتها المتواضعة (ومنها أيضاً المطالبة برفع العقوبات عن السودان وليبيا وإدانة النقض الأميركي لمشروع إرسال قوات حماية دولية إلى الأراضي المحتلة) امتحاناً لنوايا العراق: يريد كل شيء ولا يريد أن يعطي شيئاً· أحد المسؤولين العرب الحاضرين قال بعد المداولات بشأن الورقة الخليجية إنه صار يشك في أن العراق يريد فعلاً رفع العقوبات·
لم يكن غريباً ان يعاند العراق ويرفض هذه الورقة التي تتضمن بعض مطالبه نفسها: إنهاء المشكلات المتعلقة بملف أسلحة التدمير الشامل، المطالبة برفع العقوبات، اتخاذ الترتيبات اللازمة لاستئناف الرحلات الجوية مع العراق· فالعراق كان يريد أن يظهر الدول الخليجية معتدية· لقد ذهب إلى أبعد مما كانت ترمي إليه دول عربية أهمها مصر وسورية·
لماذا؟ العراق يجني الآن نحو ملياري دولار سنوياً من تهريب النفط عبر عدد من الدول المجاورة في حين أن هناك مليارات عدة مكدسة في صناديق الأمم المتحدة بانتظار رفع طلبات شراء عراقية·
ربما فهم العراق أيضاً أن تعديل العقوبات بما يريحه من معظمها آتٍ لا محالة عبر مبادرة من الولايات المتحدة نفسها· فلماذا يفسح للدول العربية المطالبة برفع العقوبات فرصة أن تسجل عليه موقفاً؟ وهناك غير ذلك، فالنظام العراقي ربما يعتقد أن المعارضة الواسعة لنظام العقوبات الحالي هي تضامن معه لا مع الوضع الإنساني للشعب العراقي·
وإذا بقيت مواقف النظام العراقي بعد القمة كما هي خلال المداولات، فقد تطيح بكل حملة "العلاقات العامة" التي أحسنت بغداد استعمالها في الفترة الأخيرة لولاية كلينتون والأيام الأولى لولاية جورج بوش، فالواقع أن بغداد لم تنجح إلا حيث أخطأت هاتان الإدارتان: إهمال ملف التفتيش عن الأسلحة منذ نهاية عام 1999، وتوجيه ضربة للدفاعات العراقية في وقت غير مناسب· وكانت القمة العربية والورقة الخليجية هما الامتحان الأخير لهذه الحملة العراقية·
في ملف القضية الفلسطينية حدثت أشياء جديدة: لقاء الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وإعلان الأسد أن "عفا الله عما مضى"، الإجماع العربي على دعم الانتفاضة· لكن أي تغيير جوهري لم يحدث:
فالأسد، ومعه الرئيس اللبناني اميل لحود، يعتبر أن إسرائيل لا تريد السلام إنما الأمن وحده· أما عرفات فمازال متمسكاً بـ "سلام الشجعان" وباستئناف المفاوضات من حيث انتهت إليه في طابا، أي أن الموقفين السوري والفلسطيني من إسرائيل يتقاطعان ظرفياً لكن لا يتوازيان أو بالأحرى لا يتلازمان· أما مصر والأردن فيسعيان حسب مصادر دبلوماسية عربية إلى تهدئة الأمور في ظل التخوف من شارون ومغامراته المحتملة· وفي حين كانت سورية تسعى إلى تجديد المقاطعة العربية لإسرائيل، تكتفي مصر والأردن بإجراء سحب السفير من تل أبيب والمحافظة على اتفاقات السلام كما هي·
منذ بدء القمة، كانت تقارير الصحافة العربية والأجنبية تفيد أن القادة هم أكثر انقساماً بشأن ملف العراق مما هم بشأن القضية الفلسطينية· لكن النتائج كانت تخالف التقديرات· فالإجماع حول القضية الفلسطينية يصح من الناحية الشكلية فحسب: تخفيف لوطأة الوضع الاقتصادي الفلسطيني قد تحبطه أي مغامرة لارييل شارون في ظل اتساع العمليات الانتحارية·