إذا كانت الحرب استمراراً للسياسة بوسائل أخرى، تكون سياسة أرييل شارون حالياً مقدمة لحرب· وقبل أن يقع ذلك، يبقى شارون الأكثر استعداداً لهذا الخيار·
ليس أرييل شارون الحالي مختلفاً عن ذلك الذي غزا لبنان عام 1982 ليوقع إسرائيل في ورطة لم تخرج منها إلاّ مهزومة عام 2000 هو نفسه، إنما هو زعيم اليمين الآن، بعدما كان أحد قيادييه غير المحبوبين، في الداخل كما في الخارج· لكن أرييل شارون أثبت حتى الآن أنه مختلف: منذ انتخابه في السادس من فبراير، وتوليه السلطة في السابع من مارس، لم يطلق أرييل شارون تصريحاً في الصباح حتى يتراجع عنه في المساء كما فعل سلفاه باراك ونتانياهو· الاستثناء الوحيد، هو شعار تحقيق الأمن لإسرائيل: لم ينفذه إنما لم يهمله، بل يبدو شارون رئيس الوزراء مختلفاً عن شارون المعارض أيام باراك: كان يدعو إلى قتل بعض القادة الفلسطينيين علانية، ثم أعلن تمسكه بعملية السلام (وفق رؤيته المتدرجة طبعاً)·
خطورة وجود شارون في السلطة هي الآن لا تعادل خطورته قبيل فوزه الساحق على باراك· وذلك يعود إلى عوامل عدة:
في الولايات المتحدة، استطاع شارون تسويق نفسه لدى الإدارة الجديدة لا سيما الرئيس جورج بوش· والنتيجة: التزام أمريكي استراتيجي بأمن الدولة العبرية، اقتصار المشاركة الأمريكية في عملية السلام على "التسهيل" من دون الإصرار، امتناع الإدارة الأمريكية عن دعوة ياسر عرفات إلى البيت الأبيض بعدما تعوّده أيام بيل كلينتون، استعمال حق النقض الأمريكي ضد ارسال مراقبين دوليين إلى الأراضي المحتلة، المطالبة الأمريكية لإسرائيل والسلطة الفلسطينية (وربما الأخيرة وحدها فعلياً) باستئناف التنسيق الأمني عقب العمليات الانتحارية الأخيرة·
في إسرائيل، استطاع شارون أن يحقق ما بقي أمنية مستحيلة لبيريس ونتانياهو وباراك: توحيد الطبقة السياسية، فثلث الكنيست موجود في الحكومة فعلاً ما بين وزير ونائب وزير· والغالبية تساند الحكومة· والفرق يكاد يكون معدوماً بين موقفي الليكود والعمل من الانتفاضة واستئناف المفاوضات·
في التعامل مع الانتفاضة، كان شارون حريصاً على النيل من مصداقية الرؤى التي توقعت أن تصاحبه الكوارث: ليس هناك أي إجراءات استثنائية غير التي اتخذها باراك· بل إن شارون لم يعمد بعد إلى قصف غزة بالطوافات والبحرية واغتيال القادة الميدانيين من الجو· بل إنه رضخ صورياً لمطالبة الولايات المتحدة وأوروبا بتخفيف الحصار على الأراضي المحتلة· والنتيجة: علاقات عامة ناجحة مع الطرفين·
في استقباله لوفد من المستوطنين جاء يحتج على ما اعتبره تقييداً لحرية الجيش الإسرائيلي في التصدي للانتفاضة، طلب شارون إمهاله حتى تنتهي القمة العربية في عمان وحتى يمر يوم الأرض الجمعة (أمس) وبعد ذلك لكل حادث حديث·
في المقابل، تحاول السلطة الفلسطينية أن تحدث تغييرات في الانتفاضة تمكنها من الاستمرار بشكل يفيد في تلافي الخسائر الكبيرة: تغليب الطابع الشعبي لا المسلح على المواجهات· لكن بانتظار حدوث ذلك، وقد حدث بعضه، تقع العمليات الانتحارية·
العمليات الانتحارية، والانتفاضة عموماً، تثبت لشارون أن لا أمن بلا سلام عادل شامل· وقد اعترف بذلك مواربة وزير الأمن العام الإسرائيلي عوزي لاندو عندما قال إن على إسرائيل أن تتوقع حدوث العمليات دوماً، لكن العمليات الانتحارية تلقي، في المقابل، بثقلها على رئيس السلطة الفلسطينية، فهذا الأخير، يؤكد رغبته في استئناف مفاوضات "سلام الشجعان" إنما من حيث انتهت في طابا أيام باراك· أي أن عرفات لم يغير منذ بدء الانتفاضة غايته: الانتفاضة ليست للتحرير إنما لإجبار إسرائيل على العودة إلى المفاوضات· وفي موازاة ذلك، هناك طرف آخر، وهو التيار الإسلامي (حماس والجهاد) يقاتل إنما تحت شعار حرب الوجود لا حرب الحدود· ومن هذه الحرب، لن يجني عرفات من خارج العالمين العربي والإسلامي أي تأييد·
في ظل هذه الظروف، يحرص أرييل شارون على الانتظار· وأخطر ما في انتظاره أنه ربما اختلف عن شارون غزو لبنان إنما باتجاه استعمال الحرب أداة في سياسة يضعها في ظل حكومة وحدة وطنية فعلية·