كتب محرر الشؤون السياسية:
اختتم مؤتمر القمة العربية في عمان أعماله يوم الأربعاء الماضي وأصدر بيانا ختاميا وإعلانا مرافقا جاءا وسط ذهول الأمة ليسا خاليين من أي جديد بل يشكلان تراجعا في الموقف عن القمة العربية الأخيرة في القاهرة·
فلقد انعقدت القمة لتبحث قضيتين رئيسيتين، الأولى: دعم الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الباسلة وهي تقطع أوصالها وتخنق عسكريا واقتصاديا، والثانية: تنقية الصف العربي وتوحيده من أجل مواجهة التهديدات التي تواجه الأمة العربية وتحديدا معالجة "الحالة الكويتية العراقية" وهو ما اتفق العرب على تسميته لنتائج الاحتلال العراقي للكويت واغتصابها وتدميرها وقتل وأسر أبنائها·
ولقد استمعت الأمة العربية على مدى يومين، ساعات من الخطابات والكلام المنمق المتطاير في الهواء والذي أدى إلى مزيد من الإحباط والتبعثر انتهى فيما يخص الموضوع الأول بالأمر بتفعيل صرف جزء من المبالغ التي اتفق عليها "القادة" في مؤتمر القاهرة العام الماضي والذي قرروا فيه دعم الصمود والانتفاضة بمليار دولار لم يصرف منها إلا مبالغ بسيطة، فجاءت نتائج القمة لتقنن صرف مبالغ محدودة منها ولمدة ستة أشهر فقط جزء منها على شكل قرض، وهو ما يؤكد المأزق الناتج عن عدم الثقة في قيادة منظمة التحرير الفاسدة من جهة، والتي لم توفر آلية يثق في نزاهتها المانحون لكي يسلموا إليها أموالهم، وفي الوقت الذي لا يغيب عن نظر المدقق العداء الذي تظهره كثير من أجهزة الإعلام والمنظمات العربية بما فيها الفلسطينية لدول الخليج والمساندة التي تتعدى حدود الشعب العراقي لتشمل نظام الطاغية·
ثم جاء قرار إعادة تفعيل المقاطعة العربية للشركات التي تتعامل مع إسرائيل وقرار قطع العلاقات مع أي دولة تفتح سفارة لها في القدس ليضع العرب في موقع متناقض، حيث إن هناك ثلاث دولة عربية تفتح لها سفارات في إسرائيل التي تحتل فلسطين كلها وليس القدس وحده، وحيث إن هناك العديد من الدول العربية التي تقيم علاقات متنوعة معها· ولا يستطيع الشارع العربي أو الدول التي ليس لها علاقات من أي نوع مع الكيان الصهيوني أن تحدد ماذا ستفعل مع الشركات العربية التي تقيم علاقات وثيقة ومشاريع مشتركة مع الشركات الصهيونية، وأين موقعها من قرار المقاطعة·
أما فيما يتعلق بـ"الحالة" العراقية الكويتية، فلقد انتهى المؤتمر لترحيلها بقرار ألحق في اللحظة الأخيرة وتوكيل الملك عبدالله ملك الأردن بمتابعة الموضوع لحله و"تنقية" الصف العربي، وهو ما يعني فشل القمة العربية في تحقيق أي تقدم يذكر في هذا الاتجاه·
وقالت مصادر خليجية متابعة للمؤتمر عن قرب، إن حقيقة الأمر أن بعض الدول العربية حاولت قبل انعقاد مؤتمر القمة أن تخلق حالة إعلامية ونفسية مؤيدة لتجاوز موضوع الهاجس الأمني الكويتي والذي استمر النظام العراقي في تهديده بالإجراءات والتصريحات العدوانية من قبل نظام صدام وعلى أعلى المستويات وإجبار الكويت والسعودية على الخضوع تحت وطأة إظهار الكويت والسعودية على أنهما العقبة الرئيسية أمام وحدة الصف العربي وتحميلهما المسؤولية التاريخية لفشل صياغة موقف عربي موحد وحازم ضد العدو الصهيوني، والتحيز الأمريكي في الوقت الذي يتعرض له الشعب العربي في فلسطين لأعتى المجازر·
وأضافت أن المرونة التي أبدتها كل من السعودية والكويت في تعاملهما مع المستجدات على الساحة وتعاطفهما الحقيقي مع الشعب العراقي ورفع الحصار عنه ومع الشعب الفلسطيني وهو يتعرض للقتل شجعا النظام العراقي وبعض الدول العربية التي أصبحت لها مصالح معه في الدفع بقوة والخلاص بقوة الاندفاع من ازعاج موضوع الكويت رغم ما تتعرض له من تهديدات يومية تقع تحت سمع وبصر الجميع وتجاوز موضوع الأسرى والمفقودين والحقوق المنتهكة، وصولا الى رفع الحصار عن النظام العراقي وتبرئته من ذنوبه وممارساته العدوانية·
وتقول المصادر إن هذا التمادي والذي يتلخص في أن دول الخليج التي أدخل بعضها في الحظيرة الأمريكية قسرا وجبرا مثل الكويت وتحت وطأة اجتياح أعتى قوة عسكرية في المنطقة وهو الجيش العراقي بقيادة أعتى الأنظمة الفاشية طغيانا وهو نظام صدام، وكذلك السعودية التي غزت قوات الطاغية أراضيها مطلوب منهما الآن أن يقفا كرأس حربة للتصدي للموقف الأمريكي، وأن يتحملا ومعهما دول الخليج مسؤولية العنف الصهيوني وفشل الانتفاضة والدماء التي تسيل في فلسطين، ومطلوب منهما تحمل مسؤولية الحصار الذي وجد بقرار دولي نتيجة لاحتلال الكويت· بينما لم يوجه أحد كلمة واحدة مباشرة تنتقد تصرفات نظام الطاغية العراقي وتدين تهديداته المستمرة وسلوكه "البلطجي" في المنطقة·
وتشير المصادر الى أن كل ذلك قد جعل السيل يبلغ الزبى، ومما فاض بالكويت وبالمملكة العربية السعودية كقائدة لدول الخليج أفهمت من أراد أن يجس باندفاعه الحدود القصوى التي يستطيع بها قلب الواقع، إن الأمر قد وصل الى حدوده وإن الأمن القومي هو أمن شامل لا يمكن أن يكون لجزء من الوطن على حساب تحطيم وتهميش أجزاء أخرى، وإن القمة يجب أن تحترم المخاوف والمخاطر الحقيقية التي يتعرض لها الكويتيون والسعوديون·
وتسترسل المصادر بأن الموقف السعودي الحاسم قد قلب الطاولة ووضع الأمور في نصابها فيما يتعلق بمسؤوليات الجميع، وفيما يتعلق بالأمن الخليجي أيضا، وقد فهم هذا الغضب وأوقفت كل القضايا عند حدودها·
وتضيف أن الموقف الكويتي المستند إلى الوضوح في المطالب الأساسية والتعامل المبدئي مع المستجدات والذي تجلى في الورقة التي وافقت عليها الكويت والتناغم التام مع المملكة وتهديد الشيخ صباح الأحمد بالانسحاب إذا ما حاول أحد دفع الأمور الى أكثر من ذلك وإبلاغ ذلك الى كل من مصر وسورية قد رسم الإطار الذي يمكن للعرب الآخرين التحرك فيه وعدم تجاوزه·
وعلق مصدر عربي هنا في عمان أن التركيز الشديد الذي حظي به موضوع الكويت والعراق، والحصار هو في أحد أهم جوانبه لأن الأنظمة العربية ليس عندها شيء تقوله في القضية الفلسطينية أو في مساندة الانتفاضة، ونعني بذلك في الموقف السياسي تجاه أمريكا وإسرائيل والتي يلتزم البعض باتفاقات سلام واتفاقات اقتصادية وعلاقات دبلوماسية معها، بينما يقيم البعض معها علاقات متنوعة من اليمن الى ليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا· وإنه يبدو أن البعض استسهل الحديث عن الحصار "والطوفة الخليجية الهبيطة" ليركب عليها والهروب من مواجهة الواقع، وهي أن الدول التي تستطيع أن تؤثر في إسرائيل تتوارى وراء قضايا ضخمت إثارتها مثل الحصار·
وأضاف لقد أصبح الآن واضحا أن الحصار يجب أن يزال لينكشف موقف الجميع ابتداء من صدام الى بقية الآخرين، ولنرى ما يستطيعون فعله تجاه القضية الفلسطينية·
وقال إن على الكويتيين ألا يستغربوا أن لا يقف أحد أمام محنة الشعب العراقي المنتهك والمقموع من قبل نظامه الباغي، ولا الملايين الثلاثة المشردة من أبناء شعبه، لأن الكثير من هذه الأنظمة لا ترى في القمع الذي يمارسه صدام شذوذا إلا ربما في الدرجة عما تمارسه هي إزاء شعوبها وحرياتهم وطموحاتهم في أنظمة تحترم حرية وحقوق الإنسان، ولذلك هم لا يرون أن صدام يرتكب أي خطأ جسيم يستحق عليه المحاسبة أو العقاب·