حاضرت الأديبة ليلى العثمان في عدد من كليات جامعة السلطان قابوس حول موضوعات إبداعية وثقافية مختلفة تلبية لدعوة عمانية رسمية·
بدأت العثمان محاضراتها بموضوع "المرأة ومعوقات الإبداع" الذي ناقشته مع الحضور في ندوة كلية التربية حيث رأت أنه "بعد مرور أكثر من قرن على ظهور الحركة النسائية التحررية في العالم المعاصر، وطرح قضايا المرأة بأبعادها المختلفة، ما زالت المرأة على اختلاف شرائحها ومواقعها تواجه ظروفا قاسية تحد من حريتها وتنال من كرامتها وإنسانيتها، ولعل هذا ما حدا بالكاتبة الكندية ليندا هورست الى الاحتجاج قائلة: "بتنا نعاني من الإرهاق النسوي، فبعدما انطلقت الأضواء وتفجرت المفرقعات، حل الصمت والظلام، إن المرأة اليوم مستعبدة أكثر من أي وقت مضى"·
وتضيف ليلى: في وطننا العربي، يبدو الأمر أشد مرارة، إذ بعد أن ترسخت بعض المكاسب للمرأة في مجالات العلم والعمل، وأصبحت الحقوق التي نادى بها رواد فكر النهضة في مطلع القرن بحكم المسلمات، نلمح الآن بداية ارتداد عن تلك المكاسب أمام التيارات المحافظة التي نشطت إثر تراجع المشروع القومي العربي وإخفاق خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسقوط المعسكر الاشتراكي ووقوع العالم تحت المظلة الرأسمالية·
الموهبة·· والإبداع
وفي كلية التربية في مدينة صلالة تحدثت العثمان عن الموهبة وعلاقاتها بالإبداع، فقالت في خلاصة محاضراتها إن التروي مطلوب، وكذلك الصبر· ولكن مع الأسف الشديد أن شباب اليوم لا يتقنون فن الصبر، وهم سرعان ما يصابون بتورم في ذواتهم فلا يقبلون التوجيه ولا النصح، وتغريهم شهرة الآخرين· وفي محاولة للتقليد نراهم يرتقون السلم بسرعة كي يصلوا، لكنهم في المحصلة إما يثبتون في مكانهم فلا يحققون لمواهبهم النجاح، أو يسقطون نهائيا ويغلفهم غبار الزمن·
إن للنجاح ثمنا باهظا لن يصل إليه إلا من أدرك قيمة للوقت الذي يجب أن تقطعه الموهبة في سيرها الى الطريق الصحيح، ولمن أتقن فن الصبر والمثابرة، ولمن اجتهد أن يبحث عن روافد كثيرة تضيف لرافد الموهبة وتقويها، وتمكنها من مكانتها اللائقة من استعجال يحقق بهرجة مؤقتة·
وجوه البشر
وفي كلية التربية في منطقة عبري قدمت الكاتبة للطلاب والطالبات لمحات من تجربتها الشخصية في تثقيف الذات، وختمت محاضرتها قائلة: "كان تأملي لوجوه البشر وسلوكهم، مما جعل كثيرا من الوجوه التي تأملتها توشم في مخيلتي تفاصيلها، وتجد لنفسها مكانا في قصصي، كذلك ما أثارته سلوكيات البشر لدي مما دفعني لقراءة أعمق لأصل الى تحليل لهذه الشخصيات وأستطيع التعامل معها، وكان التأمل لكل ما حولي في بيئتي والبيئات الأخرى من أمكنة وزوايا وآثار على الجدران، وفي صناديق العجائز، وصور النساء المطوية على الأسرار، كل هذه الالتقاطات والصور والأمثلة أدت الى تكوين حصيلة من المعرفة التي وظفتها في أعمالي الأدبية"·
المدن القديمة
وفي الجمعية النسائية في مسقط اختتمت العثمان برنامجها العماني بمحاضرة عن علاقة الكاتبة بالمدينة القديمة قالت فيها:
"ليس أمتع من أن تتجول كاتبة مثلي - تعشق مدينتها القديمة - تتجول في المدن العربية القديمة من خلال كتابة مبدعين ومؤرخين، لقد انهالت علي روائح المدن· شيء يحمل زفر البحر، وآخر عطر الرمل والطين والأسفلت، التقيت بوجوه أناسها المختلفين، استمعت لغناء ومواويل ورقصات وآذان المساجد وأجراس كنائس، شممت فوح الحنين النازف من قلب وقلم كل كاتب، غمرتني المدن القديمة بحنانها وعذوبة ذكرياتها·
حتى تمنيت أن أغمض عيني وافتحها لأجدني في ذلك الزمن الماضي، فأفر الى قلب مدينتي البسيطة عائفة كل هذا الترف الذي حولنا الى ما يشبه الدمى المتحركة - بالريموت كونترول - لقد فقدنا كل حس تجاه البساطة في العيش، فقدنا تلك الدهشة الضرورية المثيرة للأسئلة والبحث·