وضعت حركة "طالبان" الأفغانية التي تسيطر على الحكم في كابول، الأحزاب المتأسلمة في مأزق، فبعد أن أصدر زعيم "طالبان" الملا محمد عمر أمير المؤمنين (هكذا يُطلق على نفسه هذا اللقب) مرسوماً يستند إلى الفتوى "بتحطيم جميع التماثيل الخشبية، والحجرية، والطينية، الموجودة على أرض أفغانستان وعلى رأسها تمثالان عملاقان لبوذا"، دبّت الحيرة بين أوساط الأحزاب الدينية على امتداد العالمين الإسلامي والعربي·
ومن الطبيعي أن تنعكس الحيرة وعدم تحديد الموقف بدقة على الأحزاب المتأسلمة هنا، وهي تحديداً: حزب "الإخوان المسلمين" وجماعة "السلف" وحزب "السلفية العلمية"·
"السلفية العلمية"
هذا الحزب أول من دافع جهراً عن حق حكومة "طالبان" في هدم التماثيل من خلال كتابات عناصره في الصحف المحلية مستندين بذلك إلى أن التماثيل ما هي إلا "أصنام تعبد من دون الله وهو الشرك بعينه"، بل وذهب حزب "السلفية العلمية" إلى أبعد من ذلك من خلال نقده لـ "الأصوات الإسلامية الصامتة"، معيباً على الأحزاب الدينية الأخرى تجاهلها للحدث وسكوتها عن جريمة الشرك وعدم انتصارها لـ "طالبان" حاملة لواء تحطيم الأوثان!
ويعتبر حزب السلفية العلمية الذي يجمع بين تشدد الجماعة السلفية في المسائل الفقهية من جهة وبين انتهازية حزب "الإخوان المسلمين" في القضايا السياسية من جهة أخرى من أكثر الأحزاب الدينية في الكويت إثارة للقضايا التافهة كأسلوب لكسب الأنصار يعتمد بالدرجة الأولى على "الصوت العالي" واثارة "غبار" الساحة الفكرية والسياسية·
ويعتمد هذا الحزب دوماً على محاولة إحراج حزب "الإخوان المسلمين" والجماعة "السلفية" من خلال المزايدة في كل قضية يكون الإسلام طرفاً فيها- وقد لا يكون في كثير من الأحيان- حتى يحقق مكاسب في الوسط الإسلامي على حساب الأحزاب الدينية التقليدية ولا يهمه هنا من بعيد أو قريب أن تكون وجهة النظر التي يتبناها ويلصقها بالإسلام قسراً أن تكون منسجمة فعلاً مع مقررات الشريعة الإسلامية من عدمها!
"السلف"
بعد صمت طويل تجاوز الشهر ونصف الشهر وبعد أن تعالت الأصوات السلفية في كل مكان في العالم عبر المطبوعات والفضائيات في مباركة قرار "طالبان" قالت الجماعة "السلفية" في افتتاحية مجلتهم "الفرقان" في عددها الأخير موجهة حديثها لـ "طالبان" ما نصه: "أحسنتم في قراركم هذا الذي لا يمكن أن يكون إلا قراراً شرعياً إسلامياً·· فإن نفذتموه كاملاً فالله وليكم ومولاكم وأجركم على الله"·
ويتساءل مراقبون محليون عن سبب تأخير السلف إعلان موقفهم إذا كانت المسألة بالنسبة لهم واضحة وشرعية؟ بينما يرجع آخرون هذا الموقف إلى أن حملة "السلفية العلمية" في احراج "السلف" قد أتت أكلها وبالتالي فإنه لم يكن هناك بد من ركوب موجة التأييد التي قادتها العناصر السلفية في شتى الدول العربية والإسلامية·
"الإخوان المسلمين"
حزب الإخوان المسلمين (النسخة الكويتية) هو أكثر الأحزاب الإسلامية التي أوقعها قرار "طالبان" في مأزق كبير، فمن خلال رصد الأعداد الأخيرة لمجلتهم "المجتمع" فإن المتابع يلاحظ -باستثناء العدد الأخير- أنهم تجاهلوا تماماً التعليق على الحدث سلباً كان أو إيجاباً حيث خلت صفحات "المجتمع" من أية اشارة بهذا الصدد·
إلا أن العدد الأخير -أي بعد مرور أكثر من 51 يوماً على قرار "طالبان" هدم التماثيل- حمل وجهات نظر متناقضة بين الرفض والتأييد فقد نشرت المجتمع ثلاثة مواضيع تتحدث عن الواقعة:
الموضوع الأول، جاء على شكل تحليل يتساءل عن الدوافع وراء قرار الهدم إن كانت دينية أم سياسية إلا أن التحليل في محصلته النهائية يرجح أن تكون الدوافع سياسية بحتة·
الموضوع الثاني، جاء معارضاً (بشروط وليس على الاطلاق) لقرار الهدم حيث يقرر أن إزالة المنكر يجب ألا يقود إلى منكر أشد منه· أما الموضوع الثالث فجاء على شكل مقالة لمدير التحرير كانت مثالية وفق الطريقة "الإخوانية" حيث الخلط وتمييع الموقف وعدم الولوج في صلب الموضوع المثار وإن كانت النتيجة النهائية للمقالة تقود إلى تأييد طالبان على الجبهتين: الدينية والسياسية· أي أن موقف الإخوان كان: عدم تحديد الموقف أو جمع الـ "مع" والـ "ضد" في آن واحد·
ويرجع المراقبون موقف الإخوان المسلمين الكويتيين إلى أنهم لا يريدون مزايدة الأحزاب الإسلامية الأخرى -وخصوصاً السلفية العلمية- على موقفهم من الناحية الشرعية، فلذلك تجد أنهم أطلقوا أصواتاً تؤيد القرار، وهم في الوقت ذاته لا بد أن تكون لهم أصوات تعارض القرار انسجاماً مع أصوات الإخوان المسلمين في الخارج حيث عبر معظم عناصر حزب الإخوان المسلمين وبخاصة المصريون منهم- أو القريبون من حزب الإخوان- عن المعارضة الشديدة لقرار طالبان·
فالدكتور محمد عمارة في وصفه للموقف يقول إن "طالبان بصقت على العالم" إشارة إلى عدم استجابتها لكل النداءات العالمية والإسلامية بالتعقل والثني عن المضي في القرار· أما فهمي هويدي فيقول "لم أفاجأ بالموقف الطالباني ولم أستغربه، فموقفهم من هدم التماثيل التي يعتبرونها أصناماً يجيء متسقاً مع مواقف أخرى لهم من المرأة وعملها، ومن تمسكهم بإطلاق الرجال للحى، ومن تحريمهم للتلفزيون والتصوير ومختلف الفنون··· إلخ، الأمر الذي يعني أننا لسنا بصدد قرار شاذ ولكننا بإزاء نسق فكري عام يتسم في مجمله بالشذوذ"· لذلك فالإخوان المسلمين في الكويت لا يريدون -داخلياً- أن يظهروا بمظهر المتخاذلين بحق دينهم وفي الوقت ذاته لا يريدون -خارجياً- أن يظهروا بمظهر المتشددين·
وقال المراقبون إن قرار "طالبان" كشف انتهازية الأحزاب الدينية وتفاهة طرحها وتقلبها بين المواقف من خلال انتهاجها أساليب سياسية ميكيافيلية كعادتها دوماً!!