بقلم: أحمد يوسف النفيسي
منذ سنوات عديدة، وتحديداً في مجلس الأمة المنتخب عام 1992 تقدم النائب الفاضل جاسم حمد الصقر (شفاه الله) وكان رئيساً للجنة الشؤون الخارجية في المجلس باقتراح وافق عليه المجلس بأن تشكل لجنة من لجنتي "الداخلية والدفاع" "واللجنة الخارجية" لتدرس وتضع تصوراً لاستراتيجية كويتية وطنية تجاه العراق تضعها بتصرف الحكومة لاعانتها في تحديد سياسة الكويت الخارجية فيما يتعلق بالعراق أو بما كان يسمى "دول الضد" والعلاقات العربية والدولية الأخرى المترتبة على ذلك·
إلا أن الحكومة ممثلة بسمو ولي العهد (شفاه الله) غضبت لقرار المجلس واعتبرت ذلك اغتصاباً لدورها كسلطة تنفيذية·· وأوعزت للنواب المحسوبين عليها في لجنة "الداخلية والدفاع" بعدم حضور جلسات لجنة الاستراتيجية فماتت في لحظتها·
ولقد شهدت البلاد، والكل يذكر، سلسلة من التناقضات في سياستنا الخارجية في هذا الموضوع كانت جزءاً من الصراع الدائر حول الحكم، فكان قطبٌ من الأقطاب يدعو مسؤولاً أردنياً مثلاً لزيارة الكويت وقطب آخر ينقض قراره، وقطبٌ يدعو للتقارب مع بعض الدول يتلوه تصريح متشدد من قطب آخر·· ولقد وصل الصراع إلى درجة أن حفلاً كان سيقام بمناسبة استقلال وتحرير الكويت من قبل سفارتنا في صنعاء يحضره بالطبع مدعوون من مسؤولي اليمن، تم إلغاؤه بناء على قرار من أحد الأقطاب وبعد أن وزعت بطاقات الدعوة·
هذا التخبط في القرار كان ينم على أننا لم نكن نملك أي رؤية حول مستقبل الكويت ومستقبل علاقتها بمحيطها بما في ذلك العراق، وكأن وضعنا في حضن القوات الأمريكية سيؤمن لنا سلوكنا العبثي تجاه قضايا الوطن المصيرية وحررننا من أي مسؤولية تجاه المستقبل·
في تلك السنوات كان هناك مواطنون يحملون هموم الوطن من أمثال جاسم الصقر، وأذكر أن الدكتور أحمد الخطيب كان يقول إننا بحاجة إلى وزارة خارجية كاملة يكون همها التخطيط لمستقبل العلاقات الكويتية - العراقية· بينما لا يوجد إلى الآن دائرة في وزارة الخارجية تختص بالشؤون العراقية على ما في هذا الأمر من خطورة·
تذكرت هذا وأنا أراقب الاستعداد لمؤتمر القمة القادم وأهمية وضوح الموقف الكويتي، الذي شوشته الأحداث المتسارعة من حولنا، الداعية لفك الحصار عن الشعب العراقي وخلط ذلك بإعادة النظام العراقي الفاشي إلى الصف العربي وضياع مسؤولينا في "الطوشة" والتأقلم مع "الحالة" العراقية· ولقد سعدت لوضوح تصريحات النائب الأول ووزير الخارجية حول موقفنا من النظام العراقي الذي لا يمكن أن ندخل معه في علاقة أو تعامل من أي نوع قبل أن يقدم اعتذاره للكويت وللأمة العربية عما اقترفه بحقهما من آثام· ولكن التصريحات لا تكفي·
إننا يجب أن ندرك أن الظروف قد تغيرت وأن أعداء النظام العراقي عام 1990 أصبحوا الآن يفتحون له القنوات، فسورية ترى فيه عمقاً استراتيجياً يتصل إلى إيران بعد انفصال المسار الفلسطيني وخروج القوات الإسرائيلية من لبنان، ومصر ترى في العلاقات معه أداة للضغط على أمريكا في سياستها المنحازة لإسرائىل والمهمشة لدور مصر، إضافة إلى ان البلدين والأردن يرون فيه مجالاً اقتصادياً حيوياً· كذلك ترى الإمارات العربية فيه موازناً لإيران التي تحتل الجزر، كما ترى دبي فرصتها في تنشيط حركة المنطقة الحرة والصناعة في عملية إعادة إعمار العراق الضخمة· ولا نعرف ماذا تريد البحرين، ولكن لم يبق معنا حقيقة غير المملكة العربية السعودية، وحتى المملكة فتحت خطاً برياً للتجارة ولقد تغير حتى موقف الولايات المتحدة بينما لا زلنا نحن "على طمام المرحوم"·
نحن بحاجة الى نقلة نوعية في سياسيتنا الخارجية ولو أن الوقت أضحى متأخرا كثيرا نقلة تعيد الكويت الى مقدمة الصفوف بعد أصبحنا في ذيلها· نحن بحاجة إلى استراتيجية سياسية واضحة لا تتفاعل مع الأحداث وتستجيب للمتغيرات فقط، بل تبادر في تشكيل تلك الأحداث والمتغيرات·
إننا بالطبع لسنا دولة عظمى ولكننا أيضاً لسنا صفراً تماماً· إن لدينا قضية عادلة، وضحايا من الأسرى والمرتهنين مازالوا في أقبية سجون الطاغية، ولنا أيضاً قدر من العمق الثقافي والإنساني المتمثل بنظامنا السياسي والحريات التي قل أن توجد في بلد عربي آخر، والعمق التاريخي العروبي، ما يجعلنا نعاود استئناف مسيرتنا ونستثمر ذلك في طرح صورة الكويت الإنسانية والحضارية التي استطاع وللأسف نظام صدام وزبانيته في العالم العربي تشويهها، إضافة إلى قصر النظر السياسي لدينا والذي افترض أن كل هذا الكون يدور من حولنا وحول رغباتنا، فاستمر ممثلونا ولفترة طويلة يدافعون عن الحصار وهو ينهار وكأننا نحن الذين فرضناه مما مكن النظام العراقي من تصويرنا كبوق لأمريكا· أو أن لدينا قدرة على فرض استمراره، بينما الحصار يتداعى من حولنا· لقد وقعنا نحن أسرى ومرتهنين للاحتلال وآثاره·
إن الكويت عدوة للنظام العراقي الذي احتل أرضنا ودمرنا وقتل أبناءنا وارتهنهم، ومطلبنا رد أسرانا ومرتهنينا والتعويض عن تدمير وطننا وممتلكاتنا، ولكن الكويت ليست عدوة لأطفال العراق أو نسائه أو رجاله الذين يحتلهم صدام الآن ويمزقهم ويمزق وطنهم ويشرد منهم ثلاثة ملايين ينتشرون في بقاع الأرض ويموت الكثير منهم غرقاً في سفن المهربين في محاولاتهم المستميتة للنجاة من جحيم نظام حكمهم الإرهابي·
ولقد آن الأوان أن نبلور قناعاتنا المرتبطة بمصلحتنا الوطنية التي يجب أن تتسامى فوق جروح الاحتلال وتغرس جذورها في أرض الواقع·
إن العراق ليس جار آني للكويت، إنه جار أزلي ولن نستطيع أن نقطر وطننا بعيد عنه لنستقر كجزيرة حالمة في المحيط الهندي·
إننا يجب أن ندرك بديهة أن معاناة الشعب العراقي ستنعكس علينا سلبا وقد انعكست ومنذ سنوات طويلة· فمنذ تسلط نظام الطاغية على العراق وإقحامه في حروب ومتاهات والكويت والمنطقة تعيش في قلق متصاعد إلى درجة احتلال وطننا،ثم استقر القلق بعد ذلك بيننا ليصبح ظاهرة ملازمة لأوضاعنا·
إن رفاهيتنا واستقرارنا مرتبطة برفاهية واستقرار الشعب العراقي وضمانة الكويت في استقرار حقيقي مستديم هو في زوال نظام الطاغية وقيام نظام حكم ديمقراطي يكفل العيش الكريم لأبناء العراق ويرى أن شرط ازدهاره هو إقامة علاقات ود وحُسن جوار مع محيطه الجغرافي·
ولذلك، ولإيماننا بأن هذا النظام زائل لا محالة لكون استمراره مخالفاً لاستقامة المنطق ومنافياً لتطور البشرية، علينا أن نستثمر في تنمية علاقاتنا مع الشعب العراقي، كاستثمار للمستقبل·
لقد قامت الكويت منذ سنوات بإرسال معونات لمئات الآلاف من العراقيين المتواجدين حالياً في إيران مساهمة في تخفيف آلامهم واستجابة لمطالبات إيران بتحمل الكويت بعض أعبائهم، ولكن ذلك لا يكفي· إن على الكويت أن تبادر إلى فتح مراكز رئيسية مستديمة في إيران وفي شمال العراق يديرها كويتيون يقدمون المعونات المستمرة والمؤثرة للشعب العراقي ويتفاعلون معهم كما عليها إقامة حوار مع جميع القوى الحية التي لها وجود في خارج العراق ليس من أجل التآمر على قلب النظام، فهذا أكبر منا وليس من مسؤوليتنا إنما من مسؤولية العراقيين، بل من أجل إيجاد صيغ للتفاهم والتعاون في المستقبل، ونحن لا نقصد بالقوى الحية من ينخرط الآن في تجمع ترعاه المخابرات المركزية الأمريكية فلقد أصبحت الصحافة الأمريكية تقول الآن إن هؤلاء محروقون وليس لهم أي تواجد حقيقي في الداخل·
ثم علينا بعد ذلك أن نعلن سياستنا الوطنية ونحدد مصالح الكويت في مواجهة نظام الطاغية مستندين إلى هذا الزخم الإنساني الذي خلقناه وإلى عمق القوى الشعبية العراقية الحية التي تقف معنا·
إن موقفاً بهذه القوة والوضوح لن يستطيع أن يؤثر فيه أو يتجاسر عليه أزلام صدام أو حتى قناة الجزيرة·
* * *
كلمة لا بد منها
تذكرت في هذه اللحظات صديقي العزيز الذي قل أن التقيه سليمان ماجد الشاهين· لقد غاب عن التشكيلة الوزارية الحالية مع أنه من أكثر الكويتيين إلماما واهتمما بالشأن العراقي وهو بلا شك أكفاؤهم في ذلك في ديوان وزارة الخارجية· وهكذا يسحق الصراع أبعد الناس عن الصراع ويضيع مصالح الوطن· لقد دخل بو عمار ديوان الخارجية وهو في ذروة الصبا وخرج منه بعد ثلاثين عاما من العطاء المثمر المتفاني، قدمه بصمت وتواضع وعن طيب خاطر· فأعطى أكثر مما أخذ وغادر نظيف اليد والسريرة· قاتل الله السياسة·· لقد عرفنا أنها بلا قلب، ولم نعرف أنها بلا عقل إلا عندنا· إنني بالطبع لا أقلل من قدر وزير الدولة للشؤون الخارجية الجديد الشيخ محمد صباح السالم فهو من أصحاب الكفاءة والخبرة ومن أكثر أبناء الأسرة علما وعرف عنه طيب الأخلاق وحسن المعشر، ولكنها كلمات لا بد أن نقولها في حق أبو عمار·