رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 5 ذو الحجة 1421هـ الموافق 28 فبراير 2001
العدد 1467

* مذكرات آية الله منتظري:
معتقل حر في سجنه يرمز لثورة أخرى تهدد هيبة الدولة
حرب الزعامة في إيران: أمريكا شيطان أصغر ومنتظري شيطان أكبر

·      بسبب الغرور  الذي أصاب النظام الثوري، ساد في إيران مناخ سياسي لم يكن أحد يقيم فيه وزنا للعراق أو حكام المنطقة ولا حتى للمسؤولين الليبيين

·         كنت إبان الحرب مع العراق أتلقى الكثير من الشكاوى لأسباب مختلفة كرفض أفراد الجيش النظامي أحيانا الخضوع لأوامر الحرس الثوري، أو التطرف والتشدد الذي كان الحرس الثوري يبديه أحيانا أخرى

·       كشف منتظري  عن مضمون رسالة سرية أخرى قد وجهها إبان الحرب الى الخميني، طالبا استبدال رفسنجاني كمسؤول أول عن الحرب بالسيد خامنئي الذي كان يتمتع بقدرات أكبر من رفسنجاني

·         قال منتظري: خطيئتي في عهد الإمام الخميني هي كلما وجدت شعارات مزيفة أو ممارسات خاطئة، كشفت النقاب عن حقيقتها للإمام أو المسؤولين الآخرين

·         صفة (المنافق) لا تستخدم في إيران بطريقة صحيحة· فقد جاء في كتاب وسائل الشيعة: إن عليا ً(عليه السلام) لم يكن ينسب أحدا من أهل حربه الى الشرك أو النفاق، ولكنه كان يقول هم إخواننا بغوا علينا

 

لندن - منصور الاحوازي

على الرغم من أن آية الله منتظري لم يشغل منصبا سياسيا وظل طوال فترة ظهوره على ساحة الأحداث يحمل ألقابا دينية وروحية بوصفه المرجع الثاني بعد الإمام الخميني، إلا أنه نزل بثقل كبير مجددا في الساحة السياسية الإيرانية عبر موازنات انتخابات رئاسة الجمهورية والموقع السياسي والتجديدي للرئيس خاتمي الذي عرف عنه وصفه منتظري بأنه شيطان أكبر في حين أعتادت إيران بعد ثورة الخميني أن تصف الولايات المتحدة بهذا الوصف·· إذ أصبح يطلق عليها الآن لقب الشيطان الأصغر، بعد أن أصبحت موازين القوى السياسية الداخلية والتحالفات المشتركة فيها أكثر خطورة على الدولة الإيرانية من تهديدات يمكن أن يكون مصدرها الولايات المتحدة لا سيما بعد أن اتخذت دعوات خاتمي مديات واسعة في الحوار مع الغرب والولايات المتحدة منذ وصوله الى الرئاسة· في ظل هذه الأجواء دفع منتظري الى سطح الأحداث سلاحه غير المتوقع وهو مذكراته التي كشف فيها عن تناقضات في هيكلية الدولة وخفايا أدوار سياسية ظلت تظهر أمام الجمهور على غير حقيقتها طوال حياة الخميني·

ظلال حرب الزعامة في إيران تلقي بثقلها على المشهد الإيراني على الرغم من تبدل المسميات والتخفي وراء دعوات جديدة، ومن هنا يمكن أن تُقرأ مذكرات منتظري وتحتمل مداخلات تضيء من دهمته العتمة أو تعتمد تغييبه أو إسقاطه لظروف الأجواء الساخنة الجديدة في إيران·

وعلى الرغم من أن منتظري قد عمد خلال مذكراته هذه التي نشرها على الإنترنت بالفارسية الى كشف الكثير من أسرار الحكم، إلا أن كل ذلك يعد بمثابة دلو من بئر أسرار· فمنتظري الذي ساهم بدور بارز في انتصار الثورة الإيرانية وإقامة النظام السياسي الحاكم، وشغل لسنوات أهم منصب قيادي بعد الزعيم والرمز الأول للثورة آية الله الخميني حيث لقب بـ (رجاء الثورة الإسلامية)، و(أمل الإمام ومستضعفي العالم)، لا شك أنه لا يزال يحتفظ بالمزيد من الأسرار المهمة التي قد يغير بعضها مصير إيران بأسره، ولكنه يبدو أنه قد فضل  عدم الكشف عنها، حفاظا على مصالح النظام والبلاد، أو تجنبا لاندلاع مواجهة مباشرة أخرى مع القادة الحاليين للنظام الذين أصبحوا اليوم يخشون من أن يتحول منتظري من جديد الى رمز لثورة إيرانية أخرى تنشر رسالتها هذه المرة من خلال شبكة الإنترنت، مثلما كانت ثورة الخميني تنشر رسالتها عبر أشرطة التسجيل·

ولكن يبدو أن آية الله منتظري لم تعد لديه رغبة في إقامة نظام ديني ثوري جديد، وإنما يهدف من وراء كشف بعض أسرار الجمهورية الإسلامية، وتعمده لتحطيم الصورة الأسطورية للخميني التي يحرص النظام على رسمها، للإفادة منها في تعبئة الجماهير الإيرانية، وخصوصا علماء الدين، وصولا الى إبعادهم عن الطروحات السياسية الجديدة القائمة في إيران· وذلك حفاظا عن الدين الذي يعد الجامع المشترك للشعوب الإيرانية، والمبادئ التي انطلقت أساسا من أجلها ثورة عام 1979·

ومهما يكن الأمر فقد أثبت منتظري من خلال مبادرته الأخيرة، بأنه لا يزال رقما صعبا في معادلة الصراع على السلطة، لا سيما وأن نشاطاته ودعواته السياسية والدينية ومنها تلك التي تمس بمدأ ولاية الفقيه بالصميم، لا تزال قادرة على إيجاد هزات عنيفة في إيران ذلك المبدأ الذي تستمد إيران شرعيتها الدينية والسياسية منه، المبدأ الذي كان منتظري قد ساهم بدور بارز في ترسيخه ذات يوم في إيران·

 

يستهل منتظري الفصل الثامن من مذكراته، بالحديث عن خلافاته مع المسؤولين، بمن فيهم الخميني، حول معارضتهم لعودة الإيرانيين المغتربين الى الوطن، ويعرب عن استغرابه من مزاعم هؤلاء المسؤولين حول تعارض هذه القضية مع القيم الإسلامية، متسائلا: وهل أن المقيمين في إيران يحترمون القيم والمبادئ على النحو المطلوب؟ وهل أن كل ما يجري باسم الإسلام والثورة داخل إيران يتطابق حقيقة مع القيم والمبادئ الإسلامية؟

إنني لم أقل بعودة جميع المغتربين، ولكنني تحدثت عن ضرورة عودة من كان قابلا للاستقطاب من قبلنا، ومن كان بقاؤه في الخارج يضر بمصالح النظام، وفوق كل ذلك فإن إيران هي ملك لجميع الإيرانيين، ويحق لكل من يحمل جنسيتها ويحترم قوانينها البقاء فيها· وبالتالي لا يحق لنا أن نجعل من آرائنا وتصوراتنا كمعيار وحيد لمنح أو سلب الأفراد حقهم في العيش في وطنهم"·

أما في ما يخص كتاب "الخميني في ميزان الشريعة" فقد نفى منتظري أن يكون الكتاب من تأليفه، قائلا: "قيل لي إن هذا الكتاب قد كتب لبث الخلاف والفرقة بيني وبين الإمام الخميني، وأن المؤلف الحقيقي هو الشيخ عيسى الخاقاني الذي كان لفترة ما من تلاميذي الأكفاء، وكان من تلاميذ الإمام الخميني، وممثل آية الله شريعتمداري في بعض الدول الخليجية أيضا، وهو شقيق آية الله شبير الخاقاني المعروف (عالم الدين العربي البارز والزعيم الروحي في إقليم عربستان، والذي أعتقل في عهد الخميني بسبب معارضته لسياسات النظام وممارساته ضد العرب، ومن ثم نفي الى قم حيث توفي في ظروف غامضة)·

ومهما يكن الأمر فقد بعثت في هذا الخصوص برسالة الى الإمام الخميني كما بعثت برسائل أخرى الى كل من وزارة الخارجية ومنظمة الدعاية الإسلامية طالبا إصدار بيان رسمي ينفي انتساب الكتاب المذكور الي، شارحا أن طبع مثل هذا الكتاب وخصوصا باسمي يدل على وجود مؤامرة وراء ذلك·

وسئل المنتظري حول "السبب في اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، وإن كان من الممكن الحيلولة دون وقوعه"· فرد منتظري قائلا: "يعتقد البعض بضرورة حجب الحقائق عن الناس· ولكنني أعتقد بأنه من الضروري قول الحقائق دائما حتى لو كان ذلك يلحق ضررا بالمرء"·

وإذا لم نذكر الحقائق التاريخية، فإننا نرتكب في الواقع خيانة بحق التاريخ والأجيال المقبلة· عندما انتصرت الثورة أصيب الإمام الخميني ونحن والآخرون بغرور خاص· وكأننا استولينا على العالم بأسره·

وكنا نقول بضرورة جعل قضية الإسلام فوق كل الاعتبارات الأخرى، كالحدود الدولية التي تفصل بين إيران وسائر الدول الإسلامية، حيث إن ثورتنا إنما هي ثورة إسلامية وإمامنا هو قائد للعالم الإسلامي بأسره، ونحن حماة المسلمين·

ومن هنا فقد تمحورت جميع شعاراتنا على صعيد السياسة الخارجية حول مبدأ تصدير الثورة التي لا تعترف بالحدود الدولية· فكان من الطبيعي أن يثير مثل هذه الشعارات الرعب في البلدان المجاورة التي صارت آنذاك تشعر بأن الوضع في إيران إذا ما استمر على ما هو عليه فالدور سيكون عليها غدا·

عندما جاء ياسر عرفات في تلك الأيام الى إيران، وفوجئ بالأوضاع والمشاعر الثورية التي كانت سائدة، قال لقد استعيدت فلسطين!

وعلى كل فإن الدول المجاورة قد أصيبت حقيقة بالفزع نتيجة ما كان يحصل في إيران· مما جعلها تتخذ موقفا معاديا للجمهورية الإسلامية· وكانت الدول الغربية تعمد هي الأخرى الى التحريض في هذا الخصوص أيضا· كل ذلك قد تسبب في تفجر أحداث دامية في بعض دول المنطقة التي لم تكن ترغب في تكرار ما حدث في إيران على أراضيها·

أتذكر أنه خلال تلك الأيام كلما حاول أحد منا التحدث مع الإمام الخميني حول ضرورة تحسين العلاقات مع الدول الأخرى، اغتاظ الإمام وانقلب حاله، حيث إنه لم يكن يبالي بأي دولة من دول المنطقة·

والمشكلة الأساسية في هذا الخصوص كانت تنبع أولا من أن الإمام الخميني كان يتبنى موقفا واحدا تجاه جميع الدول بغض النظر عن مواقفها السياسية أو اتجاهاتها الأيديولوجية· وثانيا أنه كان يطرح مواقفه المبدئية تجاه الدول الرجعية بشكل حاد للغاية من دون أن يحسب لنتائجها وعواقبها أي حساب·

وهكذا وبسبب الغرور الذي أصاب النظام الثوري، فقد ساد في إيران مناخ سياسي لم يكن أحد يقيم فيه وزنا للعراق أو حكام المنطقة ولا حتى للمسؤولين الليبيين!

وبصفة عامة، فقد ساهمت مثل هذه الأجواء في تصعيد المخاوف لدى دول المنطقة، وشجعت العراق الذي كان يبحث عن ذريعة لإلغاء اتفاقية الجزائر، على استغلال الفوضى السائدة في إيران لصالحه· فأقدم صدام حسين على تمزيق الاتفاقية المذكورة أمام كاميرات التلفزيون· وتزامنا مع ذلك، أخذت أجهزة الإعلام في الدول المجاورة الأخرى تطلق حملات إعلامية ضدنا· فشعرت آنذاك بأننا سنتعرض لهجوم عسكري من جهة ما· فتوجهت ذات يوم الى منزل السيد محمد يزدي في قم حيث كان الإمام الخميني يقيم، وقلت له: إن أي ثورة تنتصر في العالم تقوم بإيفاد مبعوثين الى الدول المجاورة يتولون شرح أهداف الثورة والمنهج الذي ستسير عليه· وذلك بهدف إثبات حسن النيات والسعي للتوصل الى التفاهم معها· وبما أن الوضع بيننا وبين العراق والآخرين قد بلغ درجة خطيرة بسبب الحملات الإعلامية المتبادلة، فأقترح إرسال مثل هذه البعثات الى العراق والدول المجاورة الأخرى لإثبات حسن نياتنا تجاهها، وتقليص حدة التوتر بيننا· إلا أن الإمام رد علي قائلا: نحن لا نعير اهتماما لأي حكومة من حكومات المنطقة· فقلت: ولكنه ليس بإمكاننا أن نبني جدارا حول بلادنا· ولا نستطيع أيضا أن نتجاهل حقيقة وجود هذه الدول بجوارنا، وضرورة الاهتمام بما أصابها من هلع وخوف من جراء ما يصدر عنا· لكن الإمام أصر على موقفه قائلا: لنبني جدارا حول بلدنا·

 

فوجئنا بعبور القوات العراقية نهر الكارون

 

الواقع أن الإمام لم يكن يطيق حتى سماع أسماء الحكومات· وظل يقول لنا إن الشعوب كافة معنا· باعتقادي لو كنا قد أبدينا قدرا من التفاهم مع العراق لما بادر الأخير بشن الهجوم علينا، بتحريص من بعض الدول الاستعمارية·

عندما تعرضنا لهجوم القوات

عراقية لم نكن مستعدين لمثل هذا الهجوم· كان السيد ظهير نجاد (رئيس أركان الجيش النظامي إبان الحرب الإيرانية العراقية) يقول: لقد فوجئنا بالقوات العراقية وهي تعبر الحدود ويعوم أفرادها في نهر كارون) أو نهر دجيل في إقليم عربستان· (وفي بلدة الفكة قتلت القوات العراقية 22 فتاة بعد أن هتكت أعراضهن· وقد عثرنا في ما بعد على أجسادهن)· كما أسرت هذه القوات الكثير من الإيرانيين، وصادرت ممتلكات الناس وقتلت مواشيها·

ثم ينتقل منتظري الى الحديث حول تفقده جبهة القتال ضد العراق، قائلا: "كان جميع أفراد القوات المسلحة يتذمر من انعدام التنسيق الكامل بين قوات الحرس الثوري والجيش النظامي· كان أبو الحسن بني صدر رئيس الجمهورية آنذاك، ينسق مع الجيش أكثر من الحرس الثوري، إلا أن الجيش النظامي لم يكن وقتئذ قادرا على خوض حرب منظمة ضد الجيش العراقي"·

 

تحميل بني صدر مسؤولية التقصير في الدفاع

 

وفي هذا الخصوص، كانت هناك خلافات حادة تدور بين الحرس الثوري والجيش النظامي، الى درجة كان أحد رجال الدين في الجبهة يدعى الشيخ أحمد زمانيان، يبكي من شدة تأثره بما بلغته هذه الخلافات من حدة· فالسيد ظهير نجاد على سبيل المثال كان ينتمي الى الجيش النظامي، وبالتالي لم يكن يقيم وزنا لأفراد الحرس الثوري· نحن لمسنا وجود مثل هذا الشعور، فحاولنا التوصل الى تفاهم ما بين قادة الحرس والجيش النظامي·

ولكن الخلافات استمرت حيث إن قادة الجيش كانوا يدعون الى الصبر والتريث، وعدم التهور الى حين استكمال استعداداتنا القتالية· فيما كان قادة الحرس الثوري يتحدثون عن الحرب بحماس وانفعال· فذات يوم كان قائد قوات الحرس محسن رضائي يقول للإمام الخميني بأن قواته ستتقدم قريبا الى الأمام بفضل قوتها الإيمانية، وستقوم بكذا وكذا· وعندما رأى قائد الجيش النظامي الذي كان حاضرا في ذلك الاجتماع، أن رضائي صار يبالغ ويتحدث بلهجة خطابية، قال للإمام:

سيدي أنكم تعلمون أن أيا من والديي لم يكن مجوسيا، بل كلاهما كانا من المسلمين· كما أنني والله مسلم، وزوجتي مسلمة، وأولادي أيضا مسلمون· ولكن كل ذلك لا يغير شيئا من حقيقة وجود ثلاثين دبابة لدى العدو وهذا يتطلب وجود ثلاثين دبابة لدينا!·

وفي ما يخص موقف الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر، يقول منتظري إنه "كان يحمل السيد الخميني مسؤولية عدم اتخاذ إيران التدابير والإجراءات الوقائية قبل تعرضها للهجوم العراقي، حيث إنه (الخميني) كان يقول إن الرئيس العراقي لن يتجرأ على شن هجوم على إيران· وفي المقابل كان بعضنا في تلك الفترة يتهم بني صدر بأنه يعمد الى إضاعة الوقت·

إلا أن المعضلة الأساسية كانت تكمن في الخلافات المتصاعدة بين قوات الحرس الثوري والجيش النظامي· ففي حين كانت معظم القوات المقاتلة تنتسب الى قوات الحرس الثوري، فإن الأخيرة لم يكن لديها إمكانات كافية، وكان ينقصها الانضباط· فيما كان أفراد الجيش يصرون على فرض الانضباط، واحترام التسلسل الهرمي للمراتب العسكرية في الثكنات والجبهة· الأمر الذي ساهم في إشاعة الخلافات بين الجيشين، وحال دون إيجاد تنسيق بينهما على النحو المطلوب"·

وحول اقتراحه بتشكيل وحدات عسكرية صغيرة لشن حرب عصابات داخل العراق، يقول منتظري: "بعد ما صارت قواتنا إبان الحرب ضد العراق تتكبد خسائر فادحة في كل عملية عسكرية تقوم بها، قلت للمسؤولين إنكم تنفقون أموالا طائلة على التخطيط والإعداد لعمليات عسكرية عادة ما كان ينكشف سرها للعدو بشكل أو بآخر· مما يتسبب في تكبيد قواتنا خسائر بشرية جسيمة· فإذا قمتم بتشكيل وحدات عسكرية صغيرة لا يتجاوز عدد أفراد كل وحدة منها الخمس أو الست، وإرسالها الى داخل العراق لشن حرب عصابات هناك، فإنكم ستحققون نتائج أفضل، وستلحقون بالعدو ضربات قاضية· فعلى سبيل المثال يمكننا تفجير الجسور، والتربص بقوات العدو على الطرق، وإغلاق طرق إمداد الجيش العراقي، وتفجير بعض المراكز العسكرية والحكومية المهمة داخل العراق·

ولو نفذ اقتراحي هذا،لكانت قوات المعارضة العراقية الموالية لنا في الداخل تعاونت معنا وسهلت عملياتنا·

وفي الإطار ذاته، تم تشكيل فيلق (البدر) التابع حاليا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، باقتراح مني· وجاءت فكرة تشكيل مثل هذا الفيلق في سياق محاولاتنا لمواجهة أحد الشعارات التي كان النظام العراقي يرفعها ضدنا، وهو قوله بأنه يحارب المجوس، وتعمده الى وصف حربه ضدنا بأنها حرب عربية - مجوسية· فيما كنا نحن نصف هذه الحرب بأنها حرب إيرانية - عراقية"·

وأضاف منتظري قائلا: "ومن أجل تحقيق الهدف المذكور، وطمأنة الشعب العراقي بأننا لا ننوي احتلال العراق، وإنما نهدف فقط الى محاربة نظامه المعتدي، فقد اقترحت على العراقيين المقيمين في إيران بأن يبادروا بتشكيل فيلق من العراقيين المنتشرين في إيران والدول الخليجية وبعض البلدان الأخرى، استعدادا لخوض مواجهة عسكرية ضد النظام الحاكم·

 

اقترحت تشكيل فيلق بدر للمعارضة العراقية

 

وقلت لهم أيضا في هذه الحالة ستنضم إليكم القوى الثورية والمعارضة داخل العراق، وخصوصا الشيعة منهم· وهكذا ستتحول الحرب من حرب إيرانية - عراقية الى حرب بين الشعب العراقي والنظام الحاكم· ونحن من جانبنا سنمدهم بالدعم والمساندة، على قدر المستطاع·

وقد طرحت اقتراحي هذا على الإمام الخميني والمسؤولين أيضا، فتم تشكيل فيلق (البدر)· مما أثار الفرحة والسرور لدى السيد محمد باقر الحكيم والمعارضين العراقيين الآخرين· ولكن المشروع قد لقي معارضة في صفوف قوات الحرس الثوري، حيث إن بعض أفراد هذه القوات كان يرى أنه إذا تم تنفيذ هذا المشروع، فإن نفوذهم وسلطتهم ستتقلص· الواقع أن هؤلاء العسكريين كانوا يطمحون الى أن يصبحوا فاتحين وأبطال حرب· وبالتالي لم يكونوا يرغبون في أن تستلم المعارضة العراقية زمام المبادرة في الحرب·

وعلى كل، فإنني طرحت أيضا على الإمام الخميني مشروعا لوقف الحرب مع العراق· ولكن للأسف فإنه رفض المشروع، فاستمرت الحرب حتى موافقة الإمام على قرار الأمم المتحدة القاضي بوقف إطلاق النار بين البلدين"·

وسئل منتظري في ما إذا كان يجوز له شرعيا بصفته عالم دين تقديم اقتراح بـ "تشكيل وحدات عسكرية مهمتها شن حرب عصابات والقيام بعمليات عسكرية وإرهابية داخل الأراضي العراقية وفقا لما اقترحه إبان الحرب الإيرانية - العراقية"· فرد منتظري بقوله: "إن اقتراحي في هذا الخصوص لا يدخل في خانة الأعمال الإرهابية· فالوحدات العسكرية التي اقترحت بتشكيلها كان باستطاعتها تفجير أهداف عسكرية كالصناعة الحربية، أو عرقلة طرق الإسناد الحربي· أي استهداف مواقع العدو في الداخل وليس الشعب العراقي الأعزل·

وعلى أية حال، فإن العدو كان يوجه إلينا ضربات في أرضنا، فلم يكن لدينا خيار سوى التصدي له، سواء من خلال مواجهات عسكرية مباشرة على الجبهة، أو شن حرب عصابات داخل أراضيه· وهو الأمر الذي لا يعد عملا إرهابيا، بل شكلا من أشكال الدفاع"·

وفي ما يخص اقتراحه بدمج قوات الحرس الثوري والجيش النظامي، يقول منتظري: "كنت إبان الحرب مع العراق أتلقى الكثير من الشكاوى بخصوص الصدامات التي كانت تحصل بين الجيشين، لأسباب مختلفة كرفض أفراد الجيش النظامي أحيانا الخضوع لأوامر الحرس الثوري، أو التطرف والتشدد الذي كان الحرس الثوري يبديه أحيانا أخرى· ونتيجة لذلك كانت الحرب لا تسير بالشكل المطلوب·

ومن جهة أخرى، فإن الساحة الداخلية في البلاد كانت تشهد تنافسا حادا بين اللجان الثورية التي شكلت في الأيام الأولى لقيام الثورة، وبين كل من قوات الشرطة وقوات الدرك·

ولذلك كنت أصر على ضرورة تشكيل جيش أو قوات عسكرية موحدة من خلال دمج قوات الحرس الثوري والجيش النظامي، وإنشاء قوات أمن مسلحة موحدة من خلال دمج كل من اللجان الثورية وقوات الشرطة والدرك"·

ثم يكشف منتظري عن نص اقتراحه في هذا الخصوص، والذي كان قد عرضه على كبار المسؤولين· وأهم ما جاء به:

"يبدو أن وجود خمس قوات مسلحة مستقلة (الجيش النظامي، والحرس الثوري، وقوات الدرك، والشرطة، واللجان الثورية) ذات ضوابط وبرامج غير منسجمة ومستويات مختلفة تماما في الإمكانيات، لم يكلفنا نفقات طائلة فحسب، بل يساهم في إثارة الحسد، والتشاؤم، والصراع في صفوف هذه القوات، وعرقلة وتعطيل بعض المهمات، والتملص من أداء الواجبات، أيضا· ولذلك يجب أن يصادق مجلس الشورى الإسلامي أو القائد الأعلى للقوات المسلحة، على قرار يقضي بدمج جميع هذه القوات، على نحو يتم إدارتها من قبل وزارة واحدة ستقوم بما يلي:

1 - العمل على تقليص حجم كل من الجيش النظامي وقوات الشرطة والدرك بشكل تدريجي، الى أن تصبح ذات حجم صغير، وإحالة الضباط المشبوهين الى التقاعد بطريقة تدريجية ومحترمة، وتعيين الكوادر غير العابئة  بالمناصب الشكلية أو المهام التعليمية·

2 - دمج الكليات العسكرية التابعة للجيش النظامي والشرطة والحرس الثوري، وتشكيل جامعة موحدة ذات فروع مختلفة·

3 - إحداث تغييرات في تركيبة الجهاز السياسي العقائدي في الجيش النظامي، وتعديلات في مكتب ممثل الإمام في الشرطة والحرس الثوري، على نحو تضاف بموجبه الى مهام هذا المكتب، مهمة جمع المعلومات الاستخبارية في الجيش النظامي·

4 - إخضاع إدارة شؤون قوات التعبئة (البسيج) لإشراف مباشر من قبل القائد تفاديا من جعلها دمية بيد قوات عسكرية أخرى·

5 - دمج المراكز الصناعية التابعة لكل من الجيش النظامي والحرس الثوري، والتقليص من حجم البيروقراطية السائدة·

6 - دعوة العناصر الملتزمة من الحرس الثوري الذين فرضت عليهم العزلة بسبب النزعة الاحتكارية لدى بعض المسؤولين، الى العودة الى أعمالهم السابقة"·

 

التحذير من استمرار سلطتين عسكريتين في إيران

 

يتضح من خلال اقتراحات منتظري هذه بأنه كان في واقع الأمر يدعو الى التخلص من الجيش النظامي على نحو تدريجي، وليس دمجه مع قوات الحرس الثوري· وفي الرسالة السرية المهمة التي كان منتظري قد بعث بها الى الخميني يوم 08-10-1985، والتي يكشف عن مضمونها لأول مرة، يحذر منتظري من خطورة استمرار وجود مؤسستين عسكريتين مستقلتين في إيران·

ومما يزيد من أهمية هذه الرسالة، أن الأمر الذي حذر منه منتظري لا يزال يعد من أهم وأخطر مواطن ضعف النظام الإيراني، حيث إن الخطورة التي يشكلها هذا الأمر على الوحدة والأمن والاستقرار في البلاد، لم تتراجع بعد انتهاء الحرب مع العراق، بل تفاقمت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، نتيجة التصاعد الخطير للصراع على السلطة، وتفاقم الخلافات السياسية والأيديولوجية بين المؤسستين العسكريتين أي الجيش النظامي والحرس الثوري، على نحو غير مسبوق·

يقول منتظري في الرسالة المذكورة مخاطبا الخميني: "في ما يخص قرار سماحتكم الأخير بتأسيس قوات برية وبحرية وجوية في الحرس الثوري، فإنه في ظل الظروف الحربية القائمة، واستعداد الكثير من أفراد الجيش النظامي للعصيان والهروب، قد يفضي مثل هذا القرار الى ما لا تحمد عقباه·

كان من الممكن، ومنذ البداية، إخضاع الجيش النظامي الى عملية تصفية تدريجية هادئة بعيدة عن الضجة، من خلال تبني أساليب فكرية وتربوية ثورية ودينية صحيحة هدفها الإصلاح والتقويم ورفع مستوى استعداد الأفراد· ولكن للأسف ما نفذ على أرض الواقع، أدى عمليا الى استئثار الحرس الثوري بكل التشجيعات والتقديرات، على الرغم من كل الألاعيب والصراعات السياسية الجارية بين صفوفه· فيما أصبح الجيش النظامي يتعرض يوميا الى المزيد من الإهانات·

فقرار سماحتكم الأخير لم يخلق لنا مشاكل اقتصادية كالنقص في العملة الصعبة فحسب، بل كان بمثابة رصاصة رحمة أطلقت على ما تبقى من أمل لدى الجيش النظامي بتحسين أوضاعه· وهكذا وفي ظل الظروف الصعبة الراهنة، لم يعد لدينا جيش نظامي ذو معنويات مرتفعة، في الوقت الذي ليس لدينا بعد قوات حرس ثورية قوية ومجهزة·

وعلى كل، فإنني كنت قد قلت لسماحتكم في الماضي إن وجود قوتين عسكريتين مستقلتين في البلاد من شأنه أن يخلق في المستقبل مشاكل للبلاد· فتفاديا لبروز مثل هذه المشاكل، يجب علينا منذ الآن إخضاع الجيش النظامي لعملية تصفية، ومن ثم إحالة مهمة الدفاع عن الحدود إليه· ويجب الحفاظ على قوات البسيج (التعبئة) كقوة احتياط مستقلة تتولى مهمة مساعدة الجيش النظامي كلما اقتضت الضرورة·

أما بخصوص قوات الحرس الثوري فعلينا إعادتها تدريجيا الى الداخل لتتولى مهمة الذود عن الثورة· وتزامنا مع ذلك يتم دمج اللجان الثورية في قوات الحرس الثوري·

ولكن بعد إصدار قراركم الأخير، لم يعد أحد غير الله يعلم الى أين سينتهي تصاعد المنافسة والصراع بين الجيش والحرس الثوري· وإن عمليات الهروب المتكررة لضباطنا وخصوصا الطيارين منهم، الى العراق، وعدم هروب أي ضابط عراقي واحد الى إيران، برغم كل المشاكل التي يعاني منها حاليا النظام الحاكم هناك، إن دل على شيء فإنه يدل على انعدام الحماس والثقة بالنفس لدى جيشنا، وفي المقابل تمتع الجيش العراقي بمعنويات مرتفعة"·

 

نادرا ما كان خامنئي يتدخل في شؤون الحرب

 

وفي مكان آخر من مذكراته، يحمل منتظري القسط الأكبر من مسؤولية "المشاكل والمآزق التي آلت إليها الحرب ضد العراق "على الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني قائلا: "إن السيد علي خامنئي، على الرغم من أنه كان إبان الحرب رئيسا للجمهورية، إلا أنه نادرا ما كان يتدخل في شؤون الحرب· ولكن في المقابل، كان السيد رفسنجاني يتولى إدارة معظم الشؤون الحربية، الى درجة كان قادة الجيش والحرس يتلقون الأوامر بشكل مباشر من رفسنجاني· وقد شاهدت بنفسي غير مرة، رفسنجاني وهو يتخذ القرارات الخاصة بالحرب بنفسه ودون أن يراجع السيد الخميني، خلال الاجتماعات التي كنا نعقدها في طهران لمعالجة بعض الأزمات الناجمة عن الحرب·

ودأب معظم القادة العسكريين على إبلاغي مشاكلهم، وأنا بدوري كنت أبلغ السيد الخميني بهذه المشاكل، وشكاوى أخرى كان بعض القادة العسكريين يعبرون خلالها عن شكوكهم من إمكانية تورطهم في تمهيد الأرضية لإرسال الشباب الى الموت في الجبهات، واستيائهم من غياب قيادة مركزية قوية، وتخطيط عسكري دقيق، وقدرة العدو على كشف الكثير من خططهم العسكرية قبل تنفيذها، والخلافات الحادة بين الجيش والحرس، والفوضى والألاعيب السياسية داخل الحرس الثوري"·

وكشف منتظري عن مضمون رسالة سرية أخرى قد وجهها إبان الحرب الى الخميني، طالبا استبدال رفسنجاني كمسؤول أول عن الحرب، بالسيد خامنئي الذي كان يتمتع بقدرات أكبر من رفسنجاني على إدارة الحرب، على حد قول منتظري الذي وصف في الرسالة المذكورة، الحالة الناجمة عن إدارة رفسنجاني للحرب بأنها "مأساوية تسببت في الكثير من الهزائم في الحرب، وقضت على فرص القوات الإيرانية للتقدم على جبهات القتال"·

والى ذلك، فقد انتقد منتظري "غرور بعض كبار المسؤولين، وتجاهلهم لآراء الآخرين بخصوص إدارة الحرب ضد العراق"، وسخر من رفسنجاني لأنه "كان يسعى لقيادة الحرب عبر المكالمات الهاتفية مع القادة العسكريين، دون أن يحضر بنفسه في جبهات القتال· فيما كان صدام حسين يقود قواته العسكرية من خلال حضوره في الجبهات"·

كما انتقد الأساليب الدعائية التي كان يعتمدها النظام الإيراني خلال فترة الحرب، واصفا إياها بأنها "كانت تجافي تماما ما كان يجري على جبهات القتال حيث كانت تتحدث عن انتصارات عسكرية وهمية، وتهديدات فارغة، تثير الدهشة والاستغراب لدى المتواجدين على أرض المعركة"·

وفي مبادرة غير مسبوقة، اعترف منتظري بأن "تصرفات إيران غير المسؤولة في مدينة حلبجة الكردية العراقية هي التي دفعت بالقوات العراقية الى قصف المدينة بالقنابل الكيماوية، مما أدى الى مقتل نحو خمسة آلاف من سكانها"·

 

اجتماع مع ممثل الرئيس ريغان في قضية إيران غيت

 

وحول فضيحة شراء إيران أسلحة من أمريكا وإسرائيل إبان حربها ضد العراق، والتي اشتهرت بقضية إيران غيت، يقول منتظري: "إن المسؤولين في النظام، وفي مقدمتهم رفسنجاني وأحمد الخميني (نجل الخميني) قد فوجئوا باطلاعي على تفاصيل المحادثات السرية التي أجروها في طهران مع مكفرلين الممثل الخاص للرئيس الأمريكي ريغان، والتي كان الدكتور محمد علي هادي (مساعد وزير الخارجية الحالي، وسفير إيران السابق في السعودية والإمارات) يمثلهم خلالها"·

وكشف منتظري بأنه قد وجه اللوم الى هؤلاء المسؤولين لتورطهم في القضية، من خلال توجيهه سؤالا مفاده لماذا بلغ الأمر بهم لدرجة يريدون معها محاربة العراق بأسلحة إسرائيلية؟!

أما في ما يتعلق بالفترة الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية والتي اضطر الخميني خلالها لتجرع سم الموافقة على وقف الحرب ضد العراق، بعد تعرض قواته لهزائم متكررة على الجبهات، فيقول منتظري: "عندما احتل صدام حسين في بداية الحرب، جزءا من أراضينا، كان هناك إجماع بيننا وبين سائر أبناء البلاد على ضرورة محاربة العراق، واستعادة أراضينا المحتلة· ولكن بعد نجاحنا في فتح مدينة خرمشهر (المحمرة)، ودحر القوات العراقية، قد لمسنا أن قواتنا العسكرية وخصوصا الجيش النظامي، ليست لديها أي دافع لمواصلة الحرب، والزحف نحو الأراضي العراقية·

كان العسكريون الإيرانيون يقولون آنذاك: لقد حاربنا لحد الآن لطرد العدو من أراضينا، ولكن من اليوم فصاعدا إذا قررنا مواصلة الحرب بهدف الدخول في الأراضي العراقية، فإن ذلك سيعد توسعا واحتلالا·

وبناء على ذلك، فقد بعثت برسالة الى المسؤولين حثثتهم فيها على إنهاء الحرب، وعدم غزو الأراضي العراقية·

كانت الظروف في تلك المرحلة مهيأة تماما لحصولنا على كل ما نطالب به من تعويضات، إلا أن السادة المسؤولين كانوا يظنون بأنه بإمكانهم احتلال العراق، والإطاحة بصدام حسين· وهكذا فقد واصلوا الحرب ضد العراق· فيما كنت أنا أطالب بضرورة وقف الحرب بشكل أو بآخر· ولكن زمام القيادة كان بيد الإمام الخميني، وبالتالي فإن رأيه وحده كان يسود في نهاية المطاف·

غير أن موقفه هذا لم يحل دون قيامي بمساعدة الجبهات، والمشاركة في المجهود الحربي· وقد استمرت الحرب الى أن تمكن العراق من استعادة الفاو، فبعثت برسالة أخرى الى الإمام، مجددا دعوتي الى إنهاء الحرب، وكان ذلك قبل شهرين أو ثلاثة أشهر من إعلان موافقة الإمام على القرار الصادر عن الأمم المتحدة والقاضي بوقف إطلاق النار بين البلدين (القرار رقم 598)·

بعد أن خسرنا الشلمجة (جنوب غرب إيران)، وطرح تبعا موضوع القرار الأممي، جاءني آية الله موسوي أردبيلي (رئيس المجلس الأعلى للقضاء آنذاك)، ليتحدث معي حول إمكانية الموافقة على القرار المذكور· فقال لقد وصل الإمام الى قناعة بعجزنا عن مواصلة الحرب، فمن المقرر أن يعلن قريبا موافقته على قرار 598·

 

ليبيا أبدت استعدادها للوساطة في وقف الحرب

 

فأعربت له عن موقفي الرافض للإعلان عن موافقتنا على هذا القرار بالكشل المقرر له، قائلا: إن هذا يعد تراجعا 180 درجة عن موقفنا السابق في هذا الخصوص· فمن الأفضل أن تأتي الدعوة الى الموافقة على وقف إطلاق النار من جانب قادة الدول الإسلامية الذين سيتولون الوساطة، وحسم القضية بيننا وبين العراق، بدلا من الأمم المتحدة·

وبلغت آية الله أردبيلي بأن الرئيس الليبي قد وجه لي رسالة بواسطة سفيره في طهران سعد مجبر، وأعرب خلالها عن استعداده للقيام بدور الوسيط لإنهاء الحرب·

وقد قلت للإمام في ما بعد، ما هذه الرسالة التي وجهتموها الى أهالي البصرة؟! فإنها قد أثارت ضحكهم علينا· والإمام قد اعترف لي بأن توجيه الرسالة المذكورة كان خطأ·

ثم يحمل منتظري تعنت الخميني وإصراره على مواصلة الحرب ضد العراق مسؤولية فشل الجهود الإسلامية لإنهاء إراقة الدماء بين البلدين المسلمين الجارين، قائلا: بعد عملية فتح خرمشهر (المحمرة) جاء ثمانية من قادة الدول الإسلامية لإيران، منهم (الرئيس الفلسطيني) ياسر عرفات، و(الرئيس الغيني السابق) أحمد سيكوتوري، و(الرئيس الباكستاني الراحل) ضياء الحق، وأدوا فريضة الصلاة وراء الإمام الخميني· وألحوا على الإمام الموافقة على إنهاء الحرب ضد العراق· إلا أن الإمام قد رفض طلبهم في هذا الشأن· فلو كان الإمام قد وافق على وساطة قادة الدول الإسلامية، ووقف الحرب الباهظة في تلك المرحلة، لكنا خرجنا من الحرب بوضع أفضل، ولكان بإمكاننا أخذ التعويضات ووضع العراق في موقف المدان· ولكن للأسف لم نستغل تلك الفرصة الثمينة، بسبب إصرار بعض المسؤولين على مواصلة الحرب، الى أن جاء اليوم الذي أبلغ فيه هؤلاء المسؤولون أنفسهم الإمام الخميني عجز قواتنا عن مواصلة الحرب· فوجد الإمام نفسه مضطرا لإعلان موافقته على قرار 598·

 

دعايات من جانب واحد: الاتهام مباح والدفاع محظور

 

في الفصل العاشر من مذكراته، يتحدث آية الله حسين علي منتظري حول الحملة الإعلامية التي شنها النظام الإيراني في عهد آية الله الخميني، إثر رفضه التزام الصمت إزاء ما كان يحدث آنذاك من تجاوزات وانتهاكات صارخة لدستور البلاد، والأحكام الإسلامية·

وكان من أبرز ما نشر في إطار الحملة الإعلامية تلك، كتيب لنجل الخميني أحمد الذي توفي في ما بعد في ظروف غامضة، وكتاب مذكرات وزير الاستخبارات الأسبق حجة الإسلام محمدي ري شهري، واللذان احتويا على اتهامات وانتقادات جارحة لآية الله منتظري وأنصاره·

يعرب منتظري عن استغرابه وامتعاضه البالغ مما قام به البعض خلال تلك الفترة من "نشر كتب ضده، وإرغام دار الصحف على إعادة نشرها، وإجبار المؤسسات الحكومية كاللجان الثورية ومكتب الدعاية الإسلامية على إعادة طبع وتوزيع الكتب المذكورة على نطاق واسع، فيما لم يسمحوا له بالرد على أكاذيبهم ولو بكلمة واحدة!"·

ثم يتساءل منتظري: " هل يجوز أن أتعرض لمثل هذا الظلم، باعتباري مواطنا عاديا من أبناء هذا الوطن؟ ناهيك عن كوني نائبا لقائد الثورة، أو عالم دين· ما جرى لي خلال تلك الفترة كان من أكثر الممارسات ظلما وتعسفا في الجمهورية الإسلامية التي توصف على أنها نظام سياسي عادل، في حين لم يسمحوا لي في هذا النظام حتى الآن بالدفاع عن نفسي من خلال كشف زيف الكثير من أكاديبهم التي لا تهدف الى شيء سوى التشهير وأغراض خفية أخرى"· وخلص الى القول: "وإذا استمرت الجمهورية الإسلامية على هذا النحو، فإنها ستواجه في المستقبل ما لا تحمد عقباه"·

وأردف منتظري قائلا: "نقلت الجرائد يوم أمس عن السيد أحمد جنتي قوله في خطبة صلاة الجمعة إن قائد الثورة آية الله خامنئي يعارض الظلم، ويحارب بحزم الظالمين· في حين كان منزلي قد تعرض في فبراير عام 1992 لهجوم ليلي من قبل جماعة يبلغ عدد أفرادها الألف، وكان يقودها السيد روح الله حسينيان (مسؤول سابق في وزارة الاستخبارات الإيرانية، ورئيس مركز وثائق الثورة الإسلامية حاليا، والصديق الحميم لسعيد إسلامي مساعد وزير المخابرات السابق والذي يعتقد أنه اغتيل في المعتقل بعد أن اتهم بالوقوف وراء عمليات الاغتيال التي طالت عام 1997 عددا من السياسيين والمثقفين المعارضين للنظام)، فحاصرت هذه الجماعة منزلي لأكثر من خمس ساعات، وسرقت كل ما نملك، ونشرت الخوف والرعب في الحي بأسره· ولكن مع كل ذلك لم يحرك أحد ساكنا إزاء ما وقع علينا من ظلم، ولم نسترد حتى الآن ما سرق من منزلنا· وأن قائد الجماعة المذكورة بدلا من أن يعاقب بوصفه ظالما، فقد أصبح بعد ذلك الاعتداء يتولى مناصب حكومية أعلى، ويزداد يوميا قوة وسلطة·

دأب السيد محمد يزدي رئيس السلطة القضائية السابقة (وعضو مجلس صيانة الدستور حاليا) على القول إن الحرية السائدة في إيران لا يوجد مثيل لها في أي مكان في العالم! حيث تجرى المحاكم بشكل علني، وبحضور هيئة المحلفين· غير أن هذه المزاعم تتعارض تماما مع ما نشاهده يوميا من محاكم سرية تدين الأفراد بأي تهمة تشاء· فلماذا السادة المسؤولون يدلون بتصريحات يعلمون أنفسهم جيدا بأنها محض أكاذيب·

 

أغلقوا المدارس الدينية بحجة عدم رضا الخميني عنها

 

كانت خطيئتي في عهد الإمام الخميني هي كلما وجدت شعارات مزيفة أوممارسات خاطئة، كشفت النقاب عن حقيقتها للإمام الخميني أو المسؤولين الآخرين، على أمل وضع حد لمثل هذه الشعارات والممارسات· وذلك حرصا مني على مصالح نظام الجمهورية الإسلامية، وقدسية الإمام الخميني وعلماء الدين في إيران·

ولكن للأسف كان السادة المسؤولون يفسرون تصريحاتي الدالة على مشاركة وجدانية مني، بطريقة مختلفة تماما· فيما كنت أظن أن نظام الجمهورية الإسلامية تسوده الصداقة والأخوة· ولم أكن أعرف بوجود أغراض وأياد خفية تستهدف كل من يصرح بالحقيقة·

والى ذلك، فقد أغلقوا مدارسنا الدينية التي كانت من أفضل المدارس في قم· وأعلن السيد ريشهري وزير الاستخبارات آنذاك في التلفزيون بأن الإمام الخميني ممتعض من هذه المدارس، في حين كانت هناك مدارس كثيرة في قم لا تبالي بالثورة أو تعارضها الى درجة يحظر فيها حتى ذكر اسم الإمام الخميني· كما كانت تلك المدارس تعارض إرسال طلبتها الى جبهة القتال· فالغريب أنه حسب رأي السادة المسؤولين كانت المدارس المذكورة مدارس جيدة! ولكن مدارسنا التي كانت منهمكة في إرسال الطلبة الى الجبهة، وتقديم الشهداء، لم تكن تنال رضاهم والإمام·

وفي هذا الإطار، بعثت برسالة الى الإمام الخميني، قلت له فيها إذا كان لديكم انتقاد على مدارسنا، فكان من الأفضل أن تستفسروا الأمر مني، ولو مرة واحدة على الأقل! قبل اتخاذ أي إجراء في ما يخص مدارسنا التي كانت تحرص على الدفاع عن أهداف الثورة ومبادئها·

واليوم أيضا يبدو أن البرامج والمخططات نفسها تنفذ على يد المحكمة الخاصة لعلماء الدين"·

وحول ما ينسب الى آية الله منتظري من موقف مؤيد لمنظمة مجاهدي خلق (التي تصفها الأوساط الرسمية في إيران عادة بالمنافقين) والتيار الليبرالي المعارض للنظام، يقول منتظري: "في أعقاب عملية مرصاد (عملية التصدي لهجوم عسكري واسع قامت به منظمة مجاهدي خلق المعارضة انطلاقا من الأراضي العراقية، بعيد إعلان إيران موافقتها على وقف إطلاق النار في حربها ضد العراق)، أقدمت سلطات السجون، بعد تلقيها رسالة من الإمام الخميني، على إعدام ألفين وثمانمائة أو ثلاثة آلاف وثمانمائة، لا أعرف بالتحديد، من السجناء الموالين لمنظمة المنافقين"·

وبدوري بعثت برسالتين الى الإمام حول الموضوع· ويبدو إن مبادرتي هذه هي التي تسببت في إثارة الاتهامات ضدي· فأنا كنت دائما أحذر وأوصي سلطات السجون باحترام حقوق السجناء، ومعاملتهم على أساس الأخلاق والمبادئ الإسلامية، والنظر في شكاواهم، حتى لو كانوا من بين المنافقين، على حد قولهم·

أني كنت أعارض أعمال التطرف ضد أي كان، حتى من يصفون بالمنافقين· والواقع أن صفة (المنافق) لا تستخدم في إيران بطريقة صحيحة· فقد جاء في كتاب وسائل الشيعة: إن عليا (كرم الله وجهه) لم يكن ينسب أحدا من أهل حربه الى الشرك، ولا الى النفاق، ولكنه كان يقول هم إخواننا بغوا علينا· ولكن للأسف فقد جرى مؤخرا عرض برنامج تلفزيوني أطلقوا عليه اسم (الهوية)، استهانوا من خلاله بكرامة الكثير من الشخصيات السياسية والثقافية· بينما كرامة المسلم مصانة كماله وعرضه، وهتكها يعد من الذنوب الكبرى·

وهكذا فقد كنت أعارض مثل هذا الإفراط والتطرف· وقد أطلعت السيد أحمد (نجل الخميني) على رأيي· كما قلت للإمام في آخر لقائي به: نريدك أن تحتفظ بنفس البهاء والسناء اللذين كان وجهك يتلألأ بهما حين عودتك الى البلاد (أيام الثورة)· وإذا كان الجميع يكن لك الحب، فيجب ألا ينسب إليك ما يتعارض مع الشريعة والقانون· بيد أن الآن تجرى معاملة السجناء بعنف وخشونة داخل السجون، ويبررون أعمالهم هذه بالقول إنهم يتصرفون حسب توجيهاتكم!"·

 

مرض الخميني عزله عن العالم الخارجي والمعلومات الصحيحة

 

وفي ما يتعلق بما ورد في منشورات منظمة مجاهدي خلق في الخارج، من أنباء حول إصداره فتوى تقضي بإجراء حكم زواج المتعة على الفتيات الأبكار، قبل تنفيذ حكم الإعدام بحقهن، قال منتظري: بكل تأكيد أن هذه القضية ليس لها أي أساس من الصحة· لقد كنت أحاول جاهدا للحيلولة دون إعدام النساء والفتيات· إذ كان الكثير ممن يتم القبض عليهم من بين النساء والفتيات· وكن يعدمن بتهمة (محاربة الله)· وفي هذا السياق قلت ذات يوم للإمام: لقد جاء على لسان بعض الفقهاء أنه لا يجوز إعدام المحاربات···· نعم فلو كان الشخص متهما بالقتل، فيجب إجراء حكم الإعدام بحقه، رجلا كان أم امرأة· ولكن بالنسبة للمحاربات والمرتدات، فالأمر يختلف تماما· فلو تفضلتم بإصدار أوامركم بإيقاف أحكام الإعدام ضد النساء والفتيات·

والى ذلك أطلعت القضاة والمسؤولين بالأمر· وهذا كل ما كان في الأمر· لكنهم عمدوا الى تحريف كلامي، فاستغلت المعارضة في الخارج ذلك لتنسب الي ما نسبت في هذا الخصوص"·

وفي ما يتعلق بالرسالة التي بعث بها الى الخميني للتعبير عن احتجاجه على إعدامات جماعية نفذت ضد عناصر من مجاهدي خلق في السجون الإيرانية، بعد قيام المنظمة المذكورة بشن هجوم عسكري ضد القوات الإيرانية عبر الحدود مع العراق، يقول منتظري: "إن الإمام الخميني في الفترة الأخيرة من عمره كان يعاني من المرض، فتقلص ارتباطه مع العالم الخارجي· ولذلك كان من الضروري أن يحيطه أحد علما بالأمور، وما كان يجري في البلاد الى أن السيد أحمد (الخميني) وآخرين لم تكن لديهم الرغبة في القيام بذلك بحجة أن هذا الأمر سيزعج خاطر الإمام· لهذا فقد قررت القيام بهذا الواجب بنفسي"·

وبالنسبة للرسالة التي بعث بها الخميني الى المسؤولين، والتي ضمنها أوامر بإعدام (المنافقين) في السجون الإيرانية، ذكر منتظري: "حسب معرفتي بالإمام وخصاله، أرى من المستبعد أن يكون قد كتب هو بنفسه رسالة من هذا النوع· فهو كان دائما يوصي بمراعاة حقوق السجناء، فيا ترى ماذا حدث ليجعله يغير من موقفه على هذا النحو؟! وهل كانت الرسالة المذكورة حقا بخط يده؟··· هذه في الحقيقة من الأمور المدهشة والغامضة التي لا أستطيع أن أحكم فيها جزما"·

أما الرسالة المذكورة ففحواها هو ما يلي: بما أن المنافقين (مجاهدي خلق) لا يعتقدون بالإسلام إطلاقا··· ونظرا لمواقفهم العدائية ضد الجمهورية الإسلامية، وهجماتهم العسكرية في شمال وغرب وجنوب البلاد بدعم من حزب البعث العراقي، وكذلك نظرا لارتباطهم بالاستكبار العالمي، وضرباتهم الغادرة منذ بداية قيام نظام الجمهورية الإسلامية، وحتى الآن··· لذا فيجب إجراء أحكام الإعدام بحق أولئك المنافقين، في سجون البلاد كافة، الذين ما زالوا يصرون على نفاقهم···

فمن البلاهة والسذاجة أن ترحموا ممن حارب ضد الله· فالشدة والحسم أمام أعداء الله هما من المبادئ الأساسية للنظام الإسلامي ···· وأملي أن تفوزوا برضا الله بغضبكم وحقدكم الثوريين تجاه أعداء الإسلام·· ولا تترددوا، ولا تتهادنوا، كونوا (أشداء على الكفار)· والسلام· روح الله الموسوي الخميني·

وهكذا ألغيت الزيارات في السجون كافة لمدة، ووفقا لأقوال سلطات السجون فقد جرى إعدام ما يقارب الألفين أو ثلاثة آلاف وثمانمائة من السجناء من الرجال والنساء، بمن فيهم أولئك الذين كانوا يصلون ويصومون··· حتى جاءني ذات يوم أحد المسؤولين القضاة في قم شاكيا من رئيس استخبارات المدينة الذي كان يلح عليه الإسراع في قتلهم ليتخلص النظام فورا من شرهم· وعندما كان يقول له دعنا أولا ننظر في ملفاتهم، فكان يرد عليه رئيس استخبارات قم بأن الإمام الخميني قد أصدر الحكم ضدهم جميعا، ما علينا إلا التنفيذ·

وأخيرا توصلت الى قناعة بأن هذا الأسلوب ليس صحيحا، وعلي أن أبعث برسالة الى الإمام، وذلك انطلاقا من شعوري بأني كان لي دور في الثورة، ولو قتل بريء واحد في الجمهورية الإسلامية فأنا سأكون مسؤولا عن دمه أيضا·

فلجأت الى القرآن الكريم وعملت (الخيرة) فجاءت هذه الآية الشريفة: {وهدوا الى الطيب من القول وهدوا الى صراط الحميد}· رغم أن بعض المقربين لي كانوا قد نصحوني بعدم توجيه رسالة الى الإمام بهذا الخصوص، تفاديا لإثارة امتعاضه وغضبه·

_________________________________________________

* مجلة "الزمان الجديد" العدد الرابع عشر فبراير 2001·

طباعة