الاحتفالات التي تشهدها البلاد حاليا (هلا فبراير والعاصمة الثقافة) والاحتفالات التي ستشهدها خلال الأيام القليلة المقبلة (ذكرى مرور 40 عاما علي الاستقلال وعشر سنوات على التحرير) أفقدت التيارات الدينية صوابها، فلقد أصدرت جماعتهم الكبرى "الإخوان المسلمين" بيانين منفصلين خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، ملأتهما بالشتائم والتهديد والوعيد، بل وصلت بها حد التكفير، ففي حين أصدرت جمعية الإصلاح الاجتماعي بيانها الأول يوم الأحد الماضي، فقد أتبعته ببيان صاغته بالمشاركة مع جمعية إحياء التراث الإسلامي (السلف) صدر في اليوم التالي (الاثنين الماضي)·
وقد فسر مراقبون محليون أن هذا التخبط يرجع الى سببين لا ثالث لهما، الأول وهو سبب طارئ يرجع الى ورطة الحركات الدينية في التعامل مع أزمة الحكم التي تعانيها البلاد خلال هذه الأيام، والتي يعتبر تعثر التشكيلة الوزارية أبرز تجلياتها، لذلك لجأت هذه الحركات بقيادة "الإخوان المسلمين" الى صرف الناس عن الهم الأكبر الذي يشغل بالهم وللتفريج عن أزمتهم لأن الناس ذاتهم يتساءلون عن سبب صمت التيارات الدينية فيما يدور من أحداث·
أما السبب الثاني - وهو الأهم - فهو أن الحركات الدينية بعد أن لمست التجاوب العفوي للناس والمشاركة الفعالة في الأنشطة البريئة المقامة على أرض وطنهم، أحست بالاختناق، وهو الأمر الذي شعرت به الحركات الدينية لأول مرة في مهرجان "هلا فبراير" الأول الذي أقيم في العام 1999، وأصبحت ظاهرة "الاختناق" هذه تتكرر حتى وصلت إلى هذا العام الذي احتشدت فيه احتفالات الدولة بشكل غير مسبوق عبر جهود تنظيمية رائعة·
ويقول المراقبون إن النرجسية الطاغية التي تعاني منها الحركات الدينية وثقتها الزائدة بالنفس هي التي جعلتها تتوهم أنها القوى الوحيدة القادرة على تنظيم الناس وحشدها عبر أنشطة سطحية لا تسمن ولا تغني من جوع· لذلك - يتابع المراقبون - فقدت الحركات الدينية رشدها عندما رأت بأم عينها أن هناك من يستطيع توجيه الناس ويستثمر طاقاتهم ويطلق إبداعهم - متى ما أتيحت له الفرصة في ذلك - ليصبها في أعمال ترفيهية وفنية راقية يسعد بها جميع أفراد المجتمع·