رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 20 ذوالقعدة 1421هـ الموافق 14 فبراير 2001
العدد 1465

ظاهرة ازدواج الجنسية في القانون الكويتي* (يتبع)

فقد نصت المادة الرابعة من اتفاقية لاهاي لعام 1930 بخصوص الحماية الدبلوماسية لمزدوج الجنسية على أنه:

"لا يجوز للدولة أن تمارس حمايتها الدبلوماسية لصالح أحد وطنييها إزاء دولة أخرى يكون- هذا الشخص- في ذات الوقت متمتعاً بجنسيتها·

 

التنازع أمام دولة ثالثة (لا يعد مزدوج الجنسية من وطنييها) أو أمام القضاء الدولي:

 

الفرض في هذه الصورة أن مركز مزدوج الجنسية قد طرح أمام قضاء دولة ثالثة لا ينتمي اليها مزدوج الجنسية، وتعتبر هذه الدولة غير معنية بهذا الشخص بصفة مباشرة، ولكنها قد تضطر إلى الفصل في أمر هذا الولاء المزدوج وذلك توطئة لتحديد المركز القانوني لمزدوج الجنسية بشأن مشاكل تقتضي بطبيعتها نسبة الشخص إلى دولة واحدة· ومن ذلك مثلاً أن يكون القاضي الوطني بصدد تحديد القانون المختص بحكم الأحوال الشخصية للأجنبي في حالة أخذ الدولة بالجنسية كضابط للإسناد·

وتثور المشكلة أيضاً إذا كان النزاع مثلاً بشأن الحراسة على أموال شخص من رعايا الأعداء، وكان هذا الشخص يتمتع بجنسية الدولة المعادية وجنسية دولة أخرى·

فلا بد هنا من البت في أمر ازدواج الجنسية لإمكان الفصل في شرعية الحراسة وكافة الإجراءات الاستشارية الأخرى التي تتخذها الدولة عادة في مواجهة الرعايا الأعداء···

وكذلك فيما لو رفعت دولتان نزاعهما بشأن جنسية شخص ما إلى محكمة دولية بالنظر لعدم وصولهما إلى اتفاق ودي·

ويثور التساؤل في هذه الحالة حول المعيار الواجب الأخذ به للمفاضلة بين الجنسيات المتنازعة في هذه الحالة·

وقد اختلفت الآراء لضبط معايير الاختيار المتروك تقديره للقاضي· إلا أنه يلاحظ أن هذا الاختيار لا يعد فصلاً في مسألة قانون وإنما استقصاء لمسألة وقائع، فالقانون الدولي يعترف بصورة عامة بالاختصاص التشريعي لكل دولة ضمن حدود سيادتها على إقليمها وبالنسبة لرعاياها، والاعتبارات العملية تقتضي أن يتخير القاضي الوطني جنسية واحدة حتى يستطيع الفصل في النزاع المطروح أمامه·

فإذا تعلق النزاع مثلاً بتركة وكان المورث فيها يتمتع بجنسيتين ففي هذه الحالة حتى يتيسر للقاضي أن يسند النزاع على التركة إلى القانون الواجب التطبيق عليها، يتعين عليه أولاً أن ينسب المورث إلى دولة واحدة حتى يتوصل إلى تطبيق قانون تلك الدولة في مسائل التركات·

ولعل أصدق معيار يمكن الأخذ به في هذا الصدد، هو ترجيح الجنسية الواقعية أو الفعلية من خلال "الحالة التي يظهر بها الشخص والتي تعبر عن توثق صلته بإحدى الدول التي ينتمي إليها أكثر من غيرها"·

وهي مسألة تتعلق بالوقائع والتي يترك تقديرها للقاضي دون أن يخضع بشأنها لرقابة محكمة التمييز، وتستفاد هذه الجنسية من مسلك الشخص وتصرفاته كمباشرته لحق الانتخاب أو الترشيح للمجالس التشريعية، أو اتخاذه إقليم إحدى الدول محلاً لإقامته الدائمة أو مقراً لأعماله الرئيسية·

وبالتالي على الدولة الثالثة المطروح أمامها النزاع أن تتوخى أن تكون هذه الجنسية فعلية معبرة عن حقيقة انتساب الفرد فعلاً لدولة معينة من بين الدول التي يحمل جنسيتها·

ولقد وردت هذه القاعدة في اتفاقية لاهاي في المادة الخامسة منها حيث قرر النص بأنه: "في دولة ثالثة، يجب أن يعامل الفرد ذو الجنسيات المتعددة كأنه ليس له إلا جنسية واحدة· ومع مراعاة المعاهدات السارية، يمكن لتلك الدولة أن تعترف وفقط على إقليمها من بين الجنسيات التي يتمتع بها ذلك الفرد إما بجنسية البلد التي يكون له فيها إقامته العادية والرئيسية، أو بجنسية ذلك البلد الذي يظهر من الظروف أنه أكثر اتصالاً به من حيث الواقع·

أما المشرع الكويتي فقد خول للقاضي الكويتي في المادة 70 من القانون رقم 5 لسنة 1961 حق تعيين القانون الذي يجب تطبيقه في حالة الأشخاص الذين تثبت لهم جنسيات الكويتية من بينهما· حيث نصت على ما يلي:

"يعين القاضي القانون الذي يجب تطبيقه في حالة الأشخاص الذين تثبت لهم جنسيات متعددة في وقت واحد"·

وبالتالي يتعين على القاضي الكويتي لتعيين القانون الواجب التطبيق أن يحدد أولاً انتماء مزدوج الجنسية إلى إحدى هذه الجنسيات ليتوصل إلى تطبيق قانون هذه الدولة، ولا بد له أن يستعين في تحديد جنسية الشخص بفكرة الجنسية الفعلية·

ويعزز هذا الرأي ما يستخلص من الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، والذي يعد في الواقع المصدر الأساسي لقواعد تنظيم العلاقات ذات العنصر الأجنبي في الكويت، وقد جاء المشرع المصري بصياغة مرنة تترك لقاضي الموضوع حرية التقدير في تعيين الجنسية التي يتخيرها لشخص تراكمت عليه الجنسيات·

ومماهو جدير بالذكر فإنه لا بد لقيام التنازع بين أكثر من جنسيتين وتطبيق مبدأ الجنسية الفعلية، من أن تكون الجنسيات المتنازعة مكتسبة بشكل صحيح وقانوني· فلا تستطيع دولة ثالثة أن تعتبر شخصاً ما من جنسية إحدى الدول خلافاً لما يقضي به تشريع تلك الدولة·

ومثال هذا ما قضت به المحاكم البلجيكية في قضية الأميرة دوبوفرمون De Bauffremont التي تزوجت من فرنسي ثم أرادت الطلاق منه لتتزوج من أمير روماني فتجنست من أجل ذلك بجنسية إحدى الولايات الألمانية· ولما عرض التنازع بين الجنسيتين أمام المحاكم البلجيكية رفضت اعتبار التنازع قائماً لعدم اكتساب الجنسية الألمانية بشكل صحيح، إذ إن الزوجة كانت ناقصة الأهلية وكان من الواجب عليها أن تحصل على إذن زوجها لكسب الجنسية الجديدة·

وبالتالي فالقاضي الكويتي مثلاً لا يملك اعتبار فرد المانيا (مهما كانت روابطه بألمانيا قوية) إذا لم يعتبره القانون الالماني كذلك·

ويرى الدكتور الشيشكلي بأننا إذا أخذنا بغير هذا المذهب نكون قد خالفنا القاعدة الأولى في تشريع الجنسية ألا وهي "أن الدولة سيدة تشريعها في أحكام الجنسية تعطيها وتزيلها وفق ما تراه في حدود القانون الدولي"، ولهذا فالاتفاق بين دولتين يلزم محاكم الدولة الثالثة، ومعنى هذا أنه إذا تنازلت دولة عن جنسية شخص (أو مجموعة أشخاص) بموجب اتفاق دولي إلى دولة أخرى، فعلى الدول غير الاحترام هذا الاتفاق لأنه يعبر عن ارادة الدول صاحبة العلاقة·

ويؤخذ بمعيار الجنسية الفعلية إذا لم يكن هناك اتفاق دولي قد التزمت به الدولة الثالثة ويوجب الأخذ بمعايير أخرى·

وتبقى ملاحظة أخيرة لا يتعين إغفالها على اعتبار أن الأخذ بفكرة الجنسية الواقعية يثير صعوبة فيما إذا كان الشخص المزدوج الجنسية يحمل بين الجنسيات المتعددة "جنسية دولة معادية"···

فهل يلزم في مثل هذه الحالة التمسك بمبدأ الجنسية الواقعية على إطلاقه، أم ينبغي اعتبار مثل هذا الشخص من رعايا الدولة المعادية وإهمال معيار الجنسية الواقعية؟

لا شك أن إعمال المبدأ على إطلاقه قد تنجم عنه مخاطر سياسية ولغرض تجنب تلك المخاطر يرجح اعتبار للشخص المتعدد الجنسية من جنسية الدولة المعادية، وذلك بإخضاعه للرقابة والحراسة وجميع الإجراءات الوقائية·

وبالنظر لأهمية الموضوع وجسامة نتائجه فيلزمنا بإعمال ضابط موحد للترجيح بين الجنسيات المتعددة هو "معيار الجنسية الفعلية" إذ هو يكشف عن حقيقة انتماء الفرد الفعلي إلى دولة معادية من عدمه·

 

* مجلة الفتوى والتشريع - العدد التاسع - مايو 2000·

** محامية في إدارة الفتوى والتشريع·

_________________________________

للعودة

طباعة  

ظاهرة ازدواج الجنسية في القانون الكويتي*