كتب محرر الشؤون السياسية:
عادت الأمور الى المربع رقم واحد، وربما لم تتجاوز نقطة الصفر إن لم تكن قد تدنت الى ما تحت الصفر، فبالرغم من مضي عشرة أيام على استقالة الحكومة لا تبدو في الأفق احتمالات الخروج من نفق الأزمة وولادة الحكومة الجديدة في الساعات أو حتى الأيام القليلة المقبلة، كما يأمل ويتمنى الكثيرون، وولادة الحكومة الجديدة فات عليها موعد الولادة الطبيعية، وربما حتى القيصيرية، وقد يستدعي الأمر ابتداع عملية مبتكرة لكي ترى الحكومة الجديدة النور·
حتى مساء الأمس ما زال التعثر يواجه ليس فقط إنجاز تشكيل الوزارة، بل حتى البدء بالخطوة الأولى لتشكيلها، حيث تسرب من المصادر أن القائمة الأولى من الأسماء التي رشحها النائب الأول الشيخ صباح، لم تجد قبولا من الرئيس المكلف سمو ولي العهد، وقد ضمت القائمة أسماء جابر مبارك الحمد للدفاع ونائباً لرئيس الوزراء، ومحمد صباح السالم للتجارة، وأحمد عبدالله الأحمد للتربية، وأحمد فهد الأحمد للإعلام، وسعود الناصر للشؤون الاجتماعية، ومحمد الخالد الحمد للداخلية، ففي الساعة الثانية عشرة ظهرا نقل السيد ضاري العثمان رسالة من سمو ولي العهد الى الشيخ صباح تفيد بتحفظ سموه على الأسماء أو باقتراح أو إضافة أسماء أخرى، على ضوئها انتقل الشيخ صباح الى قصر الشعب حيث اجتمع بسمو ولي العهد، وكان الشيخ سالم الصباح متواجدا في القصر خارج الاجتماع، وعُلم أن الاجتماع لم يؤد الى اتفاق، مما يعني أن صيغة التفويض التي جرى الحديث عنها بأن يقوم الشيخ صباح الأحمد باختيار أعضاء الحكومة، إما أنها لم تكن قد حظيت على الاتفاق بشكل واضح، أو إن كان هنالك اتفاق لم يتم العمل به·
وكان الشيخ صباح قد تحدث الى من قابلهم وخصوصا في اجتماعه برئيس مجلس الأمة ونائبه، وحضور الأعضاء محمد الصقر وعبدالوهاب الهارون ظهر الاثنين، بأنه لن يقبل بوزارة لا يرضى عن أعضائها، وأنه متفائل بتشكيل وزارة قادرة على الإنجاز، وناشد مستمعيه بتغليب روح التفاؤل على التشاؤم، وفهم من ذلك أن طريق التفويض الكامل أصبح ميسرا، كان هذا يوم الاثنين، إلا أن مسار الأمور يوم الثلاثاء أزال أي بوادر للتفاؤل، وبأن أجواء عدم الانسجام أو الصراع بتعبير آخر التي أدت الى استقالة الوزارة لم تتبدد وما زالت جاثمة·
قبل استقالة الوزارة ومنذ تعرض سمو ولي العهد للعارض الصحي وتولي النائب الأول عمليا مهام رئاسة الوزارة، كان الحديث متواترا، وخصوصا بعد عودة ولي العهد من سفرته الأخيرة، بأنه سيتخلى بسبب ظروفه الصحية عن رئاسة الوزارة ليتولى شؤونها الشيخ صباح، وبعد استقالة الوزارة وإعلان الشيخ سالم الصباح اعتذاره عن عدم قبول أي منصب وزاري، مفسحا المجال لإزاحة بؤرة من مواطن الصراع والاختلاف، اعتبر أن الطريق أصبح ممهدا لتشكيل حكومة برئاسة فاعلة وبفريق متناسق ومتماسك، وربما بمنهج جديد يحرك آلية الإنجاز، خصوصا وأن آراء رؤساء مجالس الأمة الذين استشيروا تحت هذا الاتجاه·
إلا أنه تبين فيما بعد أن الأزمة ازدادت سوءا والصراع اشتد حدة لا العكس·
يجري كل ذلك، بينما الناس تتساءل بقلق شديد ماذا يجري بالضبط؟ ولماذا كانت الاستقالة إذا كانت الحكومة ستعود بالتكليف نفسه والتشكيل نفسه؟ ولماذا هذا التنافس الضار والصراع المدمر على المناصب والمراكز والحصص والأنصبة؟ وأين موقع مصلحة الكويت وأبنائها من ذلك؟ وهل يجوز أن تضيع البلد بسبب تلك الصراعات؟ ثم أين الاعتبار لرأي الناس بكل فئاتهم، وقد عبر عنها رؤساء مجالس الأمة، وتقارير الصحافة المحلية ومقالات كتابها ومناقشات دواوين أهل الكويت ومنتدياتها وجمعياتها؟
الرأي العام الكويتي لم يجمع على أمر مثلما هو مجمع على مواصفات الوزارة المطلوبة تكليفا وتشكيلا! فهل يجوز إهمال الإجماع الشعبي لدى أصحاب القرار وإعطاء الاعتبار فقط لرغبات ومصالح المتنافسين والمتصارعين داخل بيت الحكم حول الحصص والأنصبة؟ كيف ستكون نظرة العالم لنا وكيف ستكون نظرة الدول التي تعتمد عليها الكويت في حماية أمنها، وكيف ستقنع مواطنيها ومؤسساتها باستمرار ما تتحمله من مسؤوليات تجاه بلد تصنع قراراتها بطريقة صعبة على الاقتناع·
إزاء هذا المشهد المشحون بالقلق والتوتر يطرح التساؤل: ما هو موقف مجلس الأمة وأعضائه من كل ذلك؟
ألا توجد مبادرة يتحمل فيها أعضاء مجلس الأمة مسؤولياتهم؟
يقال إن الكل متفق على ما يجب أن يكون، ولكن المشكلة تكمن في التعبير عن ذلك بطريقة صريحة وفاعلة، للخوف من إثارة الحساسيات، أو أن يفسر أي تحرك بأنه مساس بالأشخاص أو أنه قد يحسب لصالح جهة وضد جهة أخرى أو تدخل في شؤون "الأسرة"·
ولكن يخشى أن صمت أعضاء مجلس الأمة، وعدم تحركهم بأي مبادرة وموقف جريء وصريح لإطفاء الأزمة الحالية قد يؤدي الى بروز أزمات أكبر وأعنف· أو قد يؤدي الى اضطرار المجلس لاتخاذ مواقف تعبيرا عن عدم رضائه تزيد الأمر تأزما، كمنع الحكومة القادمة إذا لم يكن مرضيا عن تشكيلها من أداء اليمين الدستورية لاستكمال شكلها الدستوري، أو تقديم استجواب وطرح عدم التعاون مع رئيس الوزراء، أي أنه ما لم يتم تدارك الأمور فإن أزمة تشكيل الحكومة قد تؤدي الى ولادة سلسلة من الأزمات والمصادمات بين المجلس والحكومة، بالإضافة الى استمرار الصراع داخل الحكومة وحول الحكومة من خارجها، ولن ينفع في معالجة ذلك إذا حدث التلويح بحل مجلس الأمة دستوريا أو لا دستوريا بتعليق الدستور، فذلك سيعني أن يتحول الوضع من أزمة الى كارثة، وسوف يتسع الصراع من الأسرة الصغيرة الى أسرة المجتمع الكويتي الكبيرة بصورة قد تتجاوز ما حدث في الماضي، وكل المعطيات تشير الى ذلك·
أمام هذا المشهد المؤلم يكون من واجب كل الأطراف وكل المؤسسات على مستوى القمة والقاعدة، أن تعيد الحسابات، وأن يقوم كل طرف بما يمليه عليه واجبه وضميره الوطني، فحرام أن نسترخص الكويت وشعبها، ونترك مصيرهم ومصالحهم للضياع بتغليب مصالح الأطراف المتصارعة على الحصص والأنصبة ومراعاة مشاعر ورغبات الأشخاص·
في النهاية علينا أن نتذكر أن الكويت وطن وليست ضيعة وأهلها مواطنون لا رعايا، وآراؤهم ومواقفهم ومصالحهم يجب أن يكون لها الثقل الأكبر في صنع القرار- أي قرار- وخصوصا صنع الحكومة تكليفا وتشكيلا·