رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 ذوالقعدة 1421هـ الموافق 31 يناير 2001
العدد 1463

كتابة

مانيفستو الجراح

 

بقلم: عباس منصور

 

(1)

السلام المفقود في شرق الأرض

 

وكأن الأبناء انحرفوا عن تعاليم الرب فضربهم بالغربة وقلة البركة، ينظرون حولهم فلا شيء يملأ عيونهم فتقر وترتاح ضمائرهم، ينظرون داخلهم فيأخذهم الفزع من حجم العراء والفراغ، فأصبحت مواكبهم وأعيادهم يتصدرها الشيطانيون والتائهون عن مواريثهم في حين ينزوي العاشقون والحكماء في عزلة مضروبة يعيشون ويموتون طي الإهمال والنسيان·

وقد يجتهد المروجون للأسباب في حشد التحليلات لفهم هذه الحالة فنسمع عن القدم الأمريكية التي داست أرض مصر فخطفت من أهلها الحكمة والسلام الداخلي، لكن المؤكد أن شيئاً ما ضد مشيئة المكان والتاريخ تدخل ليحول بين المصريين وميراثهم، بين المصريين وقدرهم في الحكمة وعبقرية البساطة والتآخي مع البشر والكائنات فأصبحوا ينفرون حتى من أنفسهم ويخاصمون حتى ظلالهم، وكأن ديارهم تسكنها روح غريبة، وكأن لعنة أصابتهم·

منذ تقلصت سلطة السماء على الأرض مع تمدد الثورة العلمية في القرون الأخيرة من عمر البشرية أخذت بلاد المشرق وحضارته في الانسحاب إلى الظل حيث خفّتْ سلطة الدين والتعاليم الروحية والأخلاقية وانكشف نفادها في العلاقات بين بني البشر وأخلت الطريق لنفوذ المادة والآلة مما أعطى لأصحاب الدين الجديد - دين المادة والآلة - مبرراً لاستباحة بلاد الشرق وحضارتها- التي انبثقت منها تعاليم السماء- والنظر اليها باعتبارها هامشاً متحفياً أكثر منه فاعلاً في حركة البشر على الأرض·

وما ضاع أو فقد لا سبيل إلى استعادته بأية حال، وفي أحسن الحالات سوف يترك ندبة تذكر دائماً بالعجز والمرارة، ومن عظمة الخلق أن يظل للإنسان نفوذ لا سبيل إلى استباحته أو اقتناصه وأعني به الضمير، ذلك الميزان القادر على الإحساس بالظلم·· بالطمأنينة·· بالعدل·· بالسلام·· بالسكينة·· بالفزع·· بالغضب·· بالاحتقار·· لأنه وإن كان بالمقدور السيطرة على حركة الأجير ومسار جسده في الحياة إلا أنه من المستحيل النفاذ إلى روحه·· إلى أخلاقه·· إلى مكنون ضميره·

ومرة أخرى· هل يمكنني تفسير احتفال الغرب - موطن الدين الجديد - بكاتب مثل نجيب محفوظ في اطار سيادة الدين الجديد؟! فنجيب محفوظ- ولا سيما في روايته أولاد حارتنا- وضع تصوراً جديداً لمسار البشرية منذ قيامها على الأرض وحتى بداية الثورة العلمية·· تصوراً مخالفاً لسيادة التصور الكهنوتي الذي صاغه اليهود لنشأة العالم وتطوره·· تصوراً وضع حداً لسيادة سلطة السماء واستبداد تعاليمها بمصائر البشر مع ظهور "عرفة" في "أولاد حارتنا" والذي يمثل عصر العلم وتثوير المادة، ولذا أشاد به الغرب في ديباجة منحه وسام الأدب العالمي "نوبل" مع التنويه بـ "أولاد حارتنا" كعمل إبداعي متميز·

نعود إلى الشرق·· نعود إلى مصر·· تلك البقعة التي تبدو حركتها الآن داخل التاريخ اللحظي المعاش وكأنها بلا هوية·· بلا هدف·· تلك البقعة التي أنصت إلى روحها أحد أبنائها المخلصين "جمال حمدان" والتي وصفها بالعبقرية التي تصهر كل من أتى إليها- غازياً كان أم باحثاً عن العيش- وفق مزاجها وسلطة مكانها، الآن يبدو هذا المكان وكأنه بلا حيلة فاقد للتأثير فيمن يعيشون فيه، ضربة المادة الغشوم أفقدته سلطته، قبضة المادة تحاول زحزحته فيبدو وكأنه ماض زاخر وثري لقدرة الإنسان على الإبداع، وفي المقابل يبدو وكأنه حاضر فوضوي لا رابط ولا منطق يحكم حركته·

 

إضاءة

 

الإنسان جسد وروح·· مادة ومعنى·· تشيؤ وتجريد·· الإنسان شطران: شرق وغرب، والغرب والشرق معاً حركة كونية تجسدها علاقة الإنسان بالأرض والشمس، ومن العجيب أن الشرق آت والغرب غارب·· الشرق أمل والغرب زوال، وبالأمل والزوال يكتمل اليقين وتتشكل العقيدة·

 

(2)

عاصمة للثقافة العربية كل عام·· كيف؟!!

 

وعي الحكام والمسؤولين العرب في هذه الحقبة من تاريخهم مسكون بالهاجس الأمني أكثر من أي شيء آخر، ربما لأن الوصول إلى مقاعد السلطة والبقاء فيها في هذه المرحلة لا يراعي المقدمات الموضوعية ولا يلتزم بالقيم الحضارية في الوعي الشعبي وفق المسوغات التي ألفتها الشعوب في تصدر الحاكم لقيادة أمته، ولذا أصبح الأمن هو الوجه الآخر دائماً في أية معادلة في برامج دولنا وأنشطتها، وأصبح من المألوف أن نسمع عن ارتباط التعليم بالأمن، والثقافة بالأمن، والإعلام··· وهلم جرا، والأمن هنا ليس أبعد من الحفاظ على ضمانات بقاء الحكام ودوائر المسؤولين المحيطة بهم في كل نشاط·

وفي مناخ كهذا لا يؤمل الإنسان كثيراً في محصلة أية وليمة ثقافية تتصدرها مؤسسات السلطة ودوائرها على امتداد المجتمعات العربية، ولا يمكن الابتهاج في ركب احتفالية ترسو فعالياتها في إحدى العواصم العربية لأن الأمر مرهون بأوجاع كثيرة في الحقل الثقافي عنوانها المصادرة ونفي الرأي الآخر وربما ازهاقه لو أمكن!!

وإن كان من المجدي تنظيم مؤتمر أو حلقة لمناقشة واستعراض الأوضاع السياسية أو التجارية أو التعليمية أو ما شابه في الأنشطة فهل من المجدي احتذاء نفس الآلية في الحقل الثقافي؟ هذه الجدوى تتلاشى تلقائياً بمجرد استعراض أوضاع الحريات وحقوق المعارضين بامتداد الرقعة العربية·

إن إقامة مثل هذه الاحتفاليات في أجواء كهذه لا يرجى من ورائها أكثر من تدشين وترسيخ مقولات السلطة وممارساتها بشأن رؤيتها للحياة والتاريخ، تلك الرؤية التي تجعل من أمتنا مجرد متفرج ساذج على أحسن تقدير لما تشهده جموع البشرية من نهوض وابداع وتطور·

نعم ستكون هناك وليمة أقطابها الوجوه المعروفة والمؤبدة على كل الموائد المعنية بالثقافة العربية والتي تسعى للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الكعكة لرصيدها الشخصي بغض النظر عن طبيعة القضايا المثارة ومدى تأهل تلك الوجوه للمساهمة فيها·· كيف ونحن نراها هي·· هي نفسها إن كان الأمر متعلقاً بقضايا المسرح أو الرواية والشعر وحتى الفن الشعبي وإشكاليات العولمة ومقومات الهوية·· هي·· هي نفس الوجوه تجوب العواصم العربية وحتى الأقاليم البعيدة عن العواصم لتدشين صورتها بمعية الحكام·!!

احتفال بالثقافة العربية·· نعم وهناك عشرات المئات من الكتب المصادرة والأفكار الممنوعة في عصر الانترنت!! نعم وهناك عشرات المئات من سجناء الرأي في أغلب العواصم يتوسل ذووهم وأصدقاؤهم ويقبلون نعال الحكام كي يسمح لهم برؤية الشوارع وقراءة الصحف وركوب الباصات بين جموع مواطنيهم!! احتفال بالثقافة وأكثر من ثمانين في المئة من مطبوعات الدول العربية، كتباً وبرامج، في تدشين فكر الحكام وعبقريتهم الفذة في قيادة أممهم وإحراز انتصارات غير مسبوقة في التاريخ!!

ما الذي ستسفر عنه مثل هذه الاحتفالات الكرنفالية؟ هل هناك خطة لانتخاب مجموعة من الأفكار والكتب- التراثي منها والمعاصر- لاعتمادها كمطبوعات للعاصمة الثقافية؟! وهل أسفرت العواصم الثقافية السابقة في بيروت والقاهرة والرياض عن شيء مؤثر في جذر الثقافة؟! هل أتاحت فرصة للإطلاع على كتب أو برامج ثقافية بنفس السهولة في الإطلاع على صور الحكام ومقولاتهم الخالدة في المطبوع والمسموع والمرئي؟!

العاصمة الثقافية لا يمكن قبولها بعيداً عن تصور لحصاد يغني وعي الأمة ويربطها بقضاياها ومصيرها·· حصاد يقوم على الكلمة والصورة·· برامج حقيقية في المعرفة·· إصدار كتب وإتاحتها للجميع·· أفكار لجميع مفكري الأمة وكتابها قديماً وحديثاً دونما نفي أو إقصاء·

فكرة العاصمة الثقافية التي تتنقل شعلتها من عام لآخر في عواصم العرب لا يمكن قبولها والترويج لها بمعزل عن خلق حالة من النقاش والحوار حول وجود الأمة ومصيرها بين شعوب الأرض في أتون عصر جديد أهم ما يميزه سقوط الحواجز واستحالة التقوقع والانعزال، وكيف يمكن تحقيق ذلك وكل فرسان الوليمة ليس من بينهم شباب الأمة، وكأننا أمة بلا شباب، أو أن شبابها ليس من شأنهم قضايا أمتهم الثقافية·

إن الهم ثقيل والخيبة مترامية الأطراف والمعلن نقطة في بحر المسكوت عنه، ومسألة العاصمة الثقافية تبدو احتفالية سخيفة مثل معظم احتفاليات الأمة ليس لها حصاد، مجرد ميزانية كبرت أم صغرت تستنزف مزيداً من ثروات الأمة تذهب أدراج الرياح، في الوقت الذي تبدو فيه الأمة أحوج ما تكون لتدعيم مؤسساتها في التعليم والصحة وتوفير مياه الشرب النقية!!

طباعة  

إضاءات
 
"القرين" يشهد توزيع جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية للثقافة
 
معرض "المرئي والمسموع" في الشارقة
 
إصدارات
 
الأدب الكويتي في عيون عربية
بعضه يعاني من "فوبيا الآخر".. وبعضه مألوف وحميم

 
وتد
 
أجيال
 
البحث عن شاعر!