رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 ذوالقعدة 1421هـ الموافق 31 يناير 2001
العدد 1463

إحراج خاتمي.. لاحتوائه

كتب محرر الشؤون الخارجية:

لم يفرح الإصلاحيون في إيران بالأحكام القضائية القاسية بحق المدانين بقتل المثقفين المعارضين· بل إن جبهة المشاركة الإسلامية بزعامة محمد رضا خاتمي، شقيق الرئيس الإيراني، اعتبرت المداولات القضائية وراء أبواب مغلقة، ثم أحكام الإعدام والسجن، تستراً على العقول المدبرة لعمليات الإغتيال·

استناداً إلى رواية إحدى صحف طهران عن قرار الحكم في 17 صفحة، وضع اثنان من المحكومين قائمة من 40 شخصاً كان يفترض قتلهم باعتبارهم من معارضي الحكم· أما أحد القضاة فقد ظهر على التلفزيون ليقول إن المحاكمة لم تشمل الرئيس السابق للاستخبارات الإيرانية قربان علي دري نجف أبادي لأن هذا الأخير تمت تبرئته في تحقيق سابق·

هذا ما دفع جبهة المشاركة الإسلامية إلى أن تقول في بيان أصدرته الأحد إن المحاكمة، التي انتهت بحكم إعدام اثنين، وبسجن خمسة مدى الحياة والبقية من 15 متهماً بأحكام أقصاها عشر سنوات، لم تجب -أي المحاكمة- عن أسئلة مهمة تتصل بالجهة التي أصدرت أوامر القتل وعدد الأشخاص المقتولين والدوافع·

وقال البيان "كيف يتلقى عميل صغير مسكين لجهاز حكومي نفذ مهمة كلفه بها مسؤول كبير (···) عقوبة هي أقسى من عقوبة آمره"· واعتبر إصلاحيون آخرون أن المحاكمة لم تعرض غير جزء بسيط من مؤامرة ضخمة لنظام الحكم مسؤولة عن قتل 80 منشقاً في عشر سنوات·

القضية عرضت النزاع على السلطة بين الإصلاحيين الذين يساندون الرئيس خاتمي وبرنامجه للتغيير السياسي والاجتماعي من جهة، والمحافظين الذين يلتزمون تفسيراً متشدداً للشرع الإسلامي ويساندون (أو يساندهم) مرشد الثورة آية الله علي خامنئي· وقد ردت صحيفة "رسالت" المحافظة على انتقاد الإصلاحيين للقضاء بقولها: "انتقاد القاضي والحكم والجهاز القضائي ما كان يجب أن يحصل· فحكم القاضي هو الكلمة الفصل"· أما وزير الاستخبارات علي يونسي فقد وعد بعدم حصول أي اغتيالات أخرى· لو لم يكن هناك رئيس يدعى محمد خاتمي، وحركة إصلاحية تحتل غالبية مقاعد البرلمان، لربما اتخذت قضية الاغتيالات مساراً آخر· فالحكم يبقى في أي حال تسوية تفضي إلى لجم العناصر المتطرفة في معسكر المحافظين، وتمنع الإصلاحيين من التدفق إلى الشوارع·

في موازاة ذلك، لم يتوقف الجهاز القضائي في إيران عن النيل من الإصلاحيين، من أداتهم الأقوى: الصحافة· فقد أمر باعتقال رئىس تحرير مجلة إيران- إي- فاردا ويدعى هدى صابر بعد تحقيق قصير· وتعتبر مجلته واحدة من 32 نشرة أمر القضاء بوقف صدورها وليس بينها غير نشرة محافظة واحدة، في حين مازال مديرها السابق عزة الله صحابي يقبع في السجن منذ 17 ديسمبر· فما هو الجوهر المرجحّ لاستراتيجية المحافظين في المدى البعيد؟

المحافظون أحرجوا الرئيس خاتمي كثيراً، لكنهم لا يريدون إخراجه من الرئاسة· فقبل نحو خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسية، لم يظهر في معسكر المحافظين أي منافس للرئيس الحالي، بل إن جميع الإجراءات القاسية بحق أنصاره لم تؤد إلى انخفاض شعبيته·

منذ أن قرر المحافظون منع تطبيق الإصلاحات التي وعد بها خاتمي قبل انتصاره الساحق في مايو من عام 1997، فهم لم يترددوا عن اتخاذ أي إجراء ولو كان مفرطاً· ذلك أن المحكمة قضت بسجن الكاتب الشهير أكبر غانجي عشر سنوات وبنفيه خمس سنوات إلى عمق ايران في منطقة باشاغارد في مقاطعة هرمزغان الجنوبية المعروفة بفقرها المدقع· وإلى جانب غانجي، تلقت المحامية مرهانغيز كار والمحررة شهلا لاحيجي وخمسة من المثقفين الآخرين أحكاماً قاسية، أما التهمة فهي المشاركة في مؤتمر انعقد في برلين بعنوان "إيران بعد الانتخابات التشريعية" اعتبرته المحكمة معادياً للجمهورية الإسلامية·

لكن القصة أكبر من مؤتمر برلين· ذلك أن أكبر غانجي، وهو كاتب لاذع مشهور، كان أغضب معسكر المحافظين بكشفه أسراراً تتصل بقتل المثقفين المعارضين عام 1998 بأيدي عناصر تنتمي إلى وزارة الاستخبارات·

وهناك أيضاً حساب قديم· ذلك أن الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي يرأس الآن "مجلس تشخيص مصلحة النظام" يضمر منذ وقت طويل "حقداً قاتلاً" بحق غانجي· فقد نالت افتتاحيات غانجي وأعماله السياسية التي يشتريها الناس مثل الخبز اليومي كثيراً من سمعة رفسنجاني لما أشارت إليه وإلى وزير الاستخبارات السابق علي فلاحيان بصورة غير مباشرة بالمسؤولية عن اغتيال عشرات المعارضين السياسيين·

والقصة أكبر أيضاً من قضية أكبر غانجي وزملائه المحكومين· بعض المراقبين رأى في هذه الأحكام القاسية (بحق الاصلاحيين) ضربة موجهة إلى الرئىس نفسه هي أعظم بكثير من الجرم، هذا لو كان هناك جرم· فالقضية (مؤتمر برلين) هي قضية رأي في النهاية، وهكذا استنتج هؤلاء أن النظام الإسلامي الذي آثر المهادنة بعيد انتصار خاتمي صار يخاف من أن يرد الأخير عندما يفوز بولاية ثانية من أربع سنوات· أما  مؤتمر برلين فلم يكن، حسب فرهارد خسرو خافار مدير البحوث لدى كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس، غير ذريعة استعملها المحافظون حتى يوجهوا ضربة قاسية إلى الإصلاحيين· فالنائب محمد رضا خاتمي، شقيق الرئيس، اعتبر أن الأحكام القضائية هي "إجراء غير مسبوق ذو مضمون سياسي"·

خاتمي لم يعلن حتى الآن أي قرار حاسم في شأن الترشيح، لكن أنصاره، لا سيما  رئىس البرلمان مهدي كروبي، يضغطون عليه لإعلان ترشيحه لولاية ثانية في انتخابات الثامن من يونيو·

حسب المحلل السياسي الإيراني داريوش عبد علي، "يأمل المحافظون في أن يكون خاتمي مرشحاً للرئاسة، فليس لديهم بديل· لكنهم يأملون في الوقت نفسه في إضعافه"· ويضيف هذا المحلل: "ذلك أن مشكلة الرئيس هي أنه أبقى نفسه بمعزل عن دوامة الأحداث"·

ليس صحيحاً أن الرئيس الإيراني بقي محايداً حين كان معسكره يتعرض لهجوم لا يلين، إنما ربما لم يتصد بالقدر الذي يلزم· فقبل فترة وجيزة، اعترف علانية بأنه شبه عاجز وأن صلاحياته شبه مشلولة، وهذا صحيح في نظام يتمتع فيه مرشد الثورة بسلطات شبه مطلقة، في حين يسيطر المحافظون على الجهاز القضائي وأجهزة الأمن والاستخبارات وعلى الجزء الأعظم من الآليات الاقتصادية·

إن كان خاتمي يتكتم بشأن نوايا الترشيح، فهو لا يتراجع عن خطه السياسي المعلن منذ ما قبل انتخابات 1997· في شيراز، توجه إلى الناس قائلاً قبل فترة وجيزة: "حق تقرير المصير يعود إلى الشعب، وإليكم يعود اختيار الديمقراطية وحكم الشعب" ثم دعا خاتمي "قادة البلاد إلى اتباع طريق الديمقراطية وإلى احترام تطلعات الشعب والدفاع عن الحريات الديمقراطية باعتبار ذلك شرطاً لبقاء الجمهورية الإسلامية"·

ويقول العالم السياسي الإيراني رشتي: "منذ سنة ضاعف المحافظون نصب الكمائن له، فقد أقفلوا الصحف ثم أجبروا وزير الثقافة على الاستقالة· ثم أخذوا الآن يشنون غارات على الشبيبة، أما الإدانات القضائية فتطوله (الرئيس) شخصياً"·

وعلى نحو ما يرى داريوش عبد علي، يعتبر رشتي أن هذا لا يعني أن المحافظين لا يريدون خاتمي رئيساً إنما العكس· ويضيف أنه "حانت الآن أمام خاتمي ساعة اتخاذ القرار، وأنها أكثر درامية من المتوقع لأنه لا يريد في النهاية أن يخدع نفسه" وهذا يعني أن المحافظين لا يعارضون إعادة انتخاب خاتمي إنما بشرط احتوائه· لكن إلى متى؟

بغض النظر عن الموقف من الثورة الإسلامية، وعن إنجازات هذه الثورة، يمكن القول إن ثمة حقيقة لا يستطيع أحد تفاديها وهي أن هذه الثورة أعادت للشعب الإيراني ثقته في نفسه· وهذه الثقة هي التي أفضت إلى انتخاب خاتمي بأكثرية 70 في المئة من أصوات الشعب ضد الرئيس السابق للبرلمان محمد ناطق نوري·

وبانتظار انتخابات يونيو الرئاسية، يبقى كثير من التطورات الإيرانية الداخلية في الأشهر القليلة المقبلة متوقفاً على مدى اقتناع المحافظين بأنهم استطاعوا احتواء خاتمي·

طباعة  

استقالة الوزارة بعد مخاض طويل
هل هو التغيير المنتظر أم مزيد من الإحباط؟

 
"الكويت ليست غابة…"
 
د. النجار مرشحا لمنصب المحقق الدولي لشؤون الصومال
 
الهارون: حضور الحكومة الجلسة المقبلة شرعي ودستوري
 
بعد إحالة قضيتهما إلى المحكمة الدستورية
الملا: تحرك جديد مقبل ينبثق عن آلية عمل مرسومة
الشلفان: الرغبة الأميرية تعزز سعينا لنيل حقوقنا

 
وجدوا أن ممتلكات مكي المقتول تساوي 17 مليون دولار
نظام عرفات "على حافة الانهيار"

 
بوش: أي استراتيجية بشأن صدام؟