رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 ذوالقعدة 1421هـ الموافق 31 يناير 2001
العدد 1463

الأدب الكويتي في عيون عربية
بعضه يعاني من "فوبيا الآخر".. وبعضه مألوف وحميم

·     محمد الأسعد:  اعتدت منذ بداياتي التعامل مع المنجز الثقافي بأسلوب يعلو على المكان والزمان

·     محمد يوسف:  أسئلتي "الوافدة" تحتل حيزا كبيرا في أذهان بعض الأدباء المبدعين الكويتيين

·     عبدالرحمن حلاق:  لردم الفجوة بين إبداع الأمس واليوم وترميم جسر العلاقة بين المبدعين والعامة

·     وليد الزوكاني:  رغم مناخ الحرية السياسية في الكويت الأديب يفر من قضاياه خوفا من سلطات أخرى!

·     آدم يوسف:  غياب الحركة النقدية في الكويت.. غيَّب الإبداع عن فرص الانتشار والذيوع

 

كتب المحرر الثقافي:

لا نقصد بتحقيقنا هذا وقد عنون بـ "الأدب الكويتي في عيون عربية" وضع حدود جغرافية حادة على أرضية ثقافية لا تقبل بطبيعتها التجزئة، أو تقطيعها الى كينونات ثقافية مستقلة، كما في الوقت ذاته لا نرى أي تناقض أن ندعو لرؤية عربية لأدب هو في أساس أصوله وملامحه ومنابته عربي· إذ إننا نريد من هذا الحضن "الأمومي" أن يرسم لنا بكلمات صادقة مسيرة أحد أبنائه، كما يحق لنا أن نستوقف نهرا ثقافيا تباعدت ضفتاه أن يتأمل في مجرى أحد روافده، حتى وإن كانت المنابع مشتركة·

نبحث عن المنجز الثقافي في حركة الأدب محليا، دون تعصب له يمنعنا من رصد هفواته، أو تحامل عليه يعمينا عن إضاءاته، كل ما سعينا إليه كلمات صريحة تقال في حق مسيرة أدب، بأدب وود، دون تعصب له أو عليه، هي قد تكون "مشرطا" يستأصل ورما ما قد لا يعيه صاحب الجسد، أو أن تكون جرعات منصفة في حق مسيرة، تدفع بأوردتها حوافز لتأتي بالأكثر والجديد·

في تحقيقنا الأدبي هذا، استعصت علينا بعض المشاركات المشاكسة (مثل المحمدين الأسعد ويوسف)، لتحليقاتها في فضاءات تدنو حينا وتبعد أحيانا عن موضوع التحقيق، وطلب "الرؤية"، فالشاعر والصحافي محمد الأسعد الذي لا يجد "سببا يدعو الى تقطيع الحالات الثقافية الى جزر" كان الأجدر بمشاركته - وصاحبه محمد يوسف - أن تنشر في مقالات مستقلة، إلا أن رغبتنا في سماع صوت أدبي جماعي دفعتنا الى "سحبه" الى نافذة يطل منها مجموعة من الأسماء الأدبية لكتّاب وشعراء عرب، ليكتمل المشهد دون أي عزف منفرد·

 

نوافذ·· لا حواجز

 

عن تصنيف الأدب العربي الى أفرع عدة يقول الشاعر والصحافي محمد الأسعد:

لست متخارجا عن الوضعية الكويتية، ولا أي وضعية عربية أو عالمية· لا أشعر أنني منفصل عن الإنجاز الثقافي في أي مكان في العالم· الثقافة (والأدب أحد مكوناتها) بالنسبة لي مسألة تتخطى الحواجز الإقليمية والقومية والدينية والعرقية· كل منجز ثقافي في هذا العالم ملك للإنسان في أي مكان فيه وأي زمان· لهذا أجد أن أسئلة من نوع أسئلتكم تفردني وتبعدني، تطالبي بالتطلع من مكان آخر، أي أن أخرج على تجربتي بالمعنى الذي وصفته، وأنظر وكأنني كائن من المريخ هبط على الأرض"·

ويرى الكاتب عبدالرحمن حلاق أن هناك تشابه بين المشهد الثقافي في الكويت وبين الآخر العربي فيقول:

لم يكن الإبداع الكويتي بعيدا عن المشهد الثقافي العربي في بداياته، فقد شهدت الكويت ظهور بعض الحالات الإبداعية التي واكبت الى حد ما الحركة الثقافية العربية، وذلك في همومها ومشاكلها وتطلعاتها، وقد ابتدأت بكل من عبدالله الفرج وخالد العدساني مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ثم ابتدأ الجيل الثاني بصقر شبيب وخالد الفرج وعبداللطيف النصف وغيرهم ممن امتد تأثيره الى الجيل المعاصر (عبدالله سنان وفهد العسكر وغيرهم) وقد ورث عنهم هذه التركة الشاعر أحمد العدواني صاحب أطول وأغزر تجربة فنية في الكويت، وتوالى توارث الراية الى السقاف والوقيان وصولا الى من يعيش بيننا وما زال في ريعان الشعر·

ويعود الأسعد معترضا:

كيف تريدون أن ننظر إلى "الأدب الكويتي بعيون عربية"؟ هذا تعبير لا معنى له، لأن الأدب الكويتي هو أدب عربي، ولأن العيون العربية هي عيني وعينك وعين هذا أو ذاك· فكيف يكون الحال حين أميّز في حالة الأدب وكل منجز ثقافي، لا على أساس إقليمي ولا قومي، لا على أساس ديني أو عرقي؟ اسألني  إذن عن تجربتي مع الحالة الثقافية، مادمت لا تسأل إنساناً بلا تجربة بالطبع·

وعن التجانس والفروقات بين الحالات الثقافية في المنطقة العربية يضيف الأسعد:

الفروقات اللونية بين حالة ثقافية في الكويت، وحالة ثقافية في منطقة عربية أو عالمية أخرى فروقات قائمة بل وطبيعية تماماً، ولم يوجد حتى الآن، وعبر التاريخ كله، هذا التجانس بين الحالات، لا من حيث المستوى ولا من حيث المظهر العام، حتى في الإطارات الضيقة· أي حتى في إطار وطن واحد، أو مقاطعة واحدة، أو مدينة·

ويتحدث عن علامات التفاوت والاختلاف فيقول: إذا اقتربنا قليلاً من أهم علائم الحالة الثقافية العربية، أعني علامات التحديث والحداثة والحداثوية (وهي مصطلحات ثلاثة تشير إلى ظواهر حالة متكاملة: تغيير في البنى الاجتماعية والاقتصادية، وإحساس بهذا التغيير على صعيد نظرتنا إلى العالم وسلوكنا فيه، وتعبير هذا الإحساس في بنيات ثقافية دالة، نجد تفاوتاً بين منطقة وأخرى، أو تدرجاً لونياً بالأحرى· ذلك لأن انسياب تموجات واندياحات البحر الثقافي العربي عبر التخوم والمفاقع والتلال، يجعل التفاوت تلوناً لا اختلافاً نوعياً، بالطبع تحدث حالة الانسياب بسبب اللغة الواحدة والتراث الواحد، فالساحة واحدة وليست وهماً، ولكن البشر هم من يؤدون رقصاتهم الخاصة، بالعنف أحياناً وبالعويل في أحيان أخرى·

 

الوجه الشفاف للوقيان

 

آدم يوسف الشاعر والمحرر الثقافي في جريدة "القبس" يحدثنا عن تجربته الشخصية في الساحة الأدبية في الكويت، يقول:

قبل مجيئي إلى الكويت في شهر أغسطس من عام 1994م، لم أكن أعرف الكثير عن الأدب الكويتي، وإن كنتُ قد مررتُ بأسماء بعض المبدعين الذين تجاوزت سمعتهم حدود المحلية، ولكن بعد التحاقي بكلية الآداب في جامعة الكويت، وعملي بعد ذلك في الصحافة الأدبية، بدأ يتكشف لي الكثير من الأمور، ويضيف وأصبحتُ أعي تماماً أن السلسلة الابداعية في الكويت موصولة منذ كتابات الشيخين يوسف القناعي وعبدالعزيز الرشيد التي كانت تأريخية وتجمع بين الفكر الإسلامي والأدب، وهي خاصية كانت تميز جميع الكتابات في تلك المرحلة، مروراً بالشاعر فهد العسكر، الذي وصفه بعض النقاد بأنه يمثل مرحلة الرومانسية في الكويت إنتهاءً بالشعراء: أحمد مشاري العدواني، محمد الفايز، عبدالله العتيبي، وهؤلاء نماذج لشعراء آخرين كُثر تزخر بهم كل مرحلة·

أما الشاعر محمد يوسف فيتحدث عن تجربته في الكويت، داعيا الى احتواء الوافد الثقافي، فيقول:

منذ عام 1976 وهو العام الذي شممت فيه هواء الكويت للمرة الأولى وأنا أتابع الحركة الأدبية هنا·

وكان أول وجه التقيته هو وجه أخي وصديقي الشاعر "الشفاف" الدكتور خليفة الوقيان·

وعلى حسّه تشجعت لمتابعة فعاليات رابطة الأدباء على فترات متقطعة طوال قرابة ثلاثة عقود من الزمن·

كنت أذهب مستمعاً إلى الأمسيات الشعرية والندوات والمحاضرات· وفي أوقات نادرة كنت أشارك بمداخلة أو تعليق أو تعقيب·

وفي كل مرة كنت أطرح على نفسي هذا السؤال:

- لماذا لا يتم دعوة الأدباء العرب المقيمين على أرض الكويت إلى الرابطة للمشاركة في فعاليات برامجها؟!

إلى أن أيقنت أنني "مقطوع من شجرة"·· ومثلي بقية الأدباء العرب الموجودين هنا: كلهم مقطوعون من شجرة·

ويضيف عاتبا - ومركزا عتابه على رابطة الأدباء في الكويت: كنت أراسل مجلة "البيان" وأرسل اليها بـ/قصائدي·· وكنت أتصور أن وجودي بـ/ شحمي ولحمي·· وربما حلمي·· سيمكنني من المشاركة في فعاليات الرابطة··

لكن هذا "التصور" تبخر في الهواء الطلق··؟!

وإذا لم تخن ذاكرتي، وإنصافاً للحق فإنني شاركت في أمسيتين بالرابطة، الأولى كانت عام 1982 عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية بيروت، والثانية كانت عام 1988 بمناسبة "انتفاضة الحجارة" الفلسطينية··؟!

الأسعد ودون تحديد مؤسسات ثقافية أو أسماء، يتحدث عن علاقته التي أحسها مع العمل الفني خالصا ليقول:

أشعر منذ البداية بألفة حميمة بيني وبين جوانب ثقافية كويتية معينة، مثل المعمار والغناء والموسيقى (الأصوات بخاصة) والإيقاعات البحرية وأغانيها ورقصاتها والنقوش اليدوية (السدو)· استمع إلى هذه الأعمال وأشاهدها وأتمثلها، وأحولها إلى جزء من خبرتي الفنية، على نفس المستوى الذي أحول فيه كل عمل ثقافي مألوف بي (مهما كان مصدره) إلى خبرة فنية· ولكن الغريب أنني لا أجد هذه الألفة والحميمية مع أعمال أخرى، وبخاصة مع الأعمال الأدبية، مثل الشعر والرواية والدراسة والنقد·

ويضيف متحدثا عن المنجز الثقافي المجرد:

هنالك اقتراب وألفة مع تجارب قليلة في الفن التشكيلي ونمط الحياة الإنسانية، أما المشروعات الثقافية، مثل مشروعات المجلس الوطني، فأشعر أنها تعنيني تماماً· وفي كل هذا ليس لدي إحساس بأنني عين غريبة تنظر من الخارج، أو سائح يتلقط الطرائف، أو صحافي يفكر في المكاسب· أنا معني بالثقافة كأسلوب وجود بالنسبة لي، وقد اعتدت منذ بداياتي التعامل مع المنجز الثقافي بأسلوب يعلو على المكان والزمان، ويكون فيهما في وقت واحد معاً· أي أنني أعتبر كل منجز ثقافي عربي أو عالمي أمراً يعنيني ويخصني، وهو مكسب لي·

 

حرية "السياسي" وعجز "الأدبي"

 

الكاتب وليد الزوكاني تطرق الى مفارقة واضحة بين جرأة العمل "السياسي" في الكويت، وعجز "الأدبي" عن الوصول لمثل تلك الجرأة، فيقول:

مناخ الحرية السياسية هنا في الكويت، يتيح الى حد كبير للكاتب أن يقول رأيه، وأن يمارس نشاطه بمسؤولية حقيقية·

مطبوعات الكويت متميزة، تصل الى أرجاء الوطن العربي، وهي لم تستوعب جميع الأقلام الكويتية فحسب بل شطرا مهما من أقلام البلاد العربية الأخرى·

الأديب الكويتي على الأقل بمنأى عن أزمة النشر التي تعتبر في كثير من الأقاليم العربية أزمة حدية لا يمكن النفاذ منها، بل الأزمة الأهم في نظر المتطلعين الى الاشتغال بالشأن الأدبي· هذا على الأقل·

وعلى الأكثر، بمنأى عن المعتقلات والتلاعب بمعاشه ومعاش أطفاله كما يحدث وبشكل اعتيادي جدا في كثير من البلاد العربية، حيث هراوة القمع السياسي والاقتصادي لا تبعد عن جمجمة الأديب إلا بالمقدار الذي يسمح لشعر رأسه أن يقف كلما تلفت حواليه!

إذن ما الذي يمنع الأدب الكويتي أن يتسم بالجرأة ميزة كل أدب رفيع؟؟

بينما يستعرض حلاق بعض الألوان الأدبية في الكويت:

على صعيد الكتابة الروائية نجد أن التاريخ الإبداعي أقصر زمنيا من تاريخ الشعر يتربع على ريادتها الروائي المعاصر إسماعيل فهد إسماعيل ومن بعده ليلى العثمان، وما تزال الأعمال الإبداعية في هذا المجال تتوالى على استحياء، تتهيب عبور أسوار الكويت إذا استثنينا إسماعيل والى حد ما ليلى·

أما المسرح الكويتي فبعد انطلاقته (الرشودية) الجميلة فقد عاد الإبداع المسرحي وانكفأ على ذاته، ليحقق في التسعينيات قفزة نوعية للوراء ليتحفنا في كل عام بإعادة إنتاج مسلسل - درامي أو كرتوني - وبشكل هزيل خال من أية رؤيا، إلا أن ما يقوم به طلبة المعهد العالي للفنون المسرحية، يشكل بقعة الضوء الوحيدة في الكويت، يليها على استحياء ما يقدمه الفنان عبدالعزيز مسلم مع بعض التحفظات·

لن أطيل باستعراض الأعمال الإبداعية الأخرى، ذلك لأني أرى فجوة عميقة بين ما أبدع في السابق وما يبدع اليوم، وكذلك فجوة عميقة بين المبدعين وعامة الناس، على الرغم من وجود بعض الظواهر والفعاليات الثقافية الكبيرة التي تحاول دعم المشروع الإبداعي تحديدا·

لا ينكر الحلاق دور المؤسسات الثقافية في الكويت والأخرى الأهلية إلا أنه يرد أسباب الفجوة العميقة بين المبدعين وعامة الناس الى:

 الانكفاء الكثير من المبدعين على أنفسهم، وتقصيرهم الواضح في مشاركتهم في تنشيط الحياة الثقافية دورا مهما، كذلك تبني بعضهم لنظريات أدبية ونقدية حداثوية وما بعد الحداثوية وغير ذلك جعل من مرجعياتهم الرؤيوية تنأى بهم عن قضاياهم الإنسانية وبالتالي تنأى بهم عن الروح الإنسانية لأبناء جلدتهم، فعامت كتاباتهم بعيدا عن هموم ورغبات ومشاكل الناس، ولكن هل يتحمل المبدع وحده هذا الواقع، في الحقيقة ثمة عوامل أخرى لعبت دورها في تهميش الإنسان، منها على سبيل المثال لا الحصر بقاء كل من المجلس الوطني ورابطة الأدباء، داخل أسوار أبنيتهما·

ويرى الزوكاني أن أهم أوجه القصور التي تعرقل مسيرة الأدب الكويتي وتحد من دوره، ذلك لأن الكويت: من البلدان القلائل التي يخاف الأديب فيها من المحاكمات لا من السلطة السياسية، يبدو هاجس القضايا وكأنه محمول على الجلوس على حافة الورقة التي يجلس إليها الأديب·

يخشى أن يضطر الكاتب هنا للحصول على أنموذج أو كليشة من النيابة العامة مثلا ليكتب على هواها·!

الأدب الكويتي يفر من قضاياه الحقيقية، ولا يخوض المعارك التي تفرض عليه بفروسية كافية·

والأغرب أن ينظر الأديب أحيانا الى السلطة السياسية بعين التوسل وكأنه يأمل منها أن تحميه من العدالة، أو ينزلق ليحاول أن يثبت للجميع أنه معهم عليه، وأنه ليس أدبا الى هذه الدرجة التي يحاول البعض أن يصورها قاصدا تشويه سمعته لدى العامة!!·

ثم بعد كل هذا - حساسيته الشديدة تجاه الآراء المغايرة التي تصدر أحيانا عن بعض الأدباء من خارج الكويت، فإذا كانت حساسية السياسي الى حد ما مفهومة في عالمنا العربي، فحساسية الأديب حقا تثير الشفقة·

 

هاجس الوافد وبوصلة الآخرين

 

بينما يطرح محمد يوسف أسئلته، لتشخيص حالة الأدب الكويتي قائلا:

هل فوبيا الآخر (الخواف/ الرهاب من الآخر)·· هي التي تحكم حركة و"حراك" رابطة الأدباء مثلاً·· مثلاً··؟!

أم أن شروط قبول الآخر·· و··مزاحمة الآخر·· ليست واضحة في أذهان بعض الرموز في الرابطة؟!

وكان ظني أن هذه الأسئلة وغيرها تمثل هاجساً لديّ لأنني "وافد" و"مقيم"·· فاكتشفت أن نفس الأسئلة تحتل حيزاً كبيراً في أذهان بعض الأدباء والمبدعين الكويتيين الذين يوقنون أن الأدب والابداع الحقيقي لا جنسية له·· أو أن الأدب والابداع الذي يؤكد جدارته وجسارته هو الجنسية التي تدل على الأديب والمبدع·

ويرى يوسف في آخرين بوصلة مختلفة:

من هؤلاء الذين يتعاملون مع "البوصلة" الأصلية للإبداع ويحلقون مثلي في فضاءات تجريدية الرؤية الإبداعية الشفافة د· خليفة الوقيان/ اسماعيل فهد اسماعيل/ د· سليمان الشطي/ ليلى العثمان/ د· عالية شعيب·· ولذلك كان خروجهم على "النص الاستاتيكيّ الانغلاقي" تحفيزاً لي ولأمثالي على أن الرهان الأصلي هو رهان الابداع·· ولا غير رهان الإبداع·

بل إن "خروجهم على النص"·· فك حصاري لنفسي·

كما يجد في "ملتقى الثلاثاء" فكا لحصاره:

كان "خروجي" إلى·· "ملتقى الثلاثاء" الذي حرك المياه الآسنة في بحيرة الحركة الأدبية خلال السنوات الثلاث الماضية·

كنت قد أحكمت إغلاق "حركتي" الذاتية بالضبّة والمفتاح·· لكن "ملتقى الثلاثاء" الذي تألقت فيه ثلة من الأدباء العرب أيقظ كوامن الشجن القديم داخل "محارتي" الفردية التي كان يزيدها نزيف حرف الدال توغلاً في الفردانية··؟!

فجأة وجدتني أستعيد دينامية حيوتي القديمة مع المبدعين "الجميلين" بـ/ إبداعاتهم وسلوكياتهم الإبداعية خصوصاً جيل الشباب: صلاح دبشة/ كريم الهزاع/ دخيل الخليفة/ ناصر الظفيري/ ماجد سلطان (الكويت) مخلص ونوس/ عبدالرحمن حلاق (سورية) عباس منصور/ نادي حافظ/ مصطفى عطية/ حسني التهامي (مصر)·· وغيرهم·

وجه آخر من القصور يراه آدم يوسف:

الحركة النقدية لا تواكب الكتابة الإبداعية، وخصوصاً في مجال الشعر، الذي تطور في شكل كبير، وقطع مراحل طويلة، ومن المعروف أن أي نص ابداعي يحتاج إلى نص آخر، يعيد له الحياة ويدخله دورة القراءة والتواصل من جديد، ولذا فإنه من الصعب أن يأخذ الابداع حظه من الانتشار والذيوع اذا لم تسانده حركة نقدية قوية، وهو ما نفتقده في الكويت، حيث لم نلحظ أسماء نقدية بارزة، باستثناء بعض أساتذة الجامعة، وهم -كما يبدو لي- مشغولون بالتزامات المؤسسة الأكاديمية، أكثر من انشغالهم بالابداعات الجديدة·

ثم يختتم آدم مشاركته بتواضع:

ولستُ أستطيع أن أطلق- في بضعة أسطر- حكماً قيمياً للأدب الكويتي، ولكن في يقيني أنه أدب حي ينمو ويتوالد عبر أسماء قديمة وأخرى جديدة بدأت تطرح نفسها بقوة·

محمد الأسعد يرى غربته في مكان آخر:

ثقافتنا مازالت ثقافة إما/ أو· لا ثقافة الأمرين معاً وشيء آخر· إنها ثقافة غير متسامحة·

من هنا حين لا أشعر بألفة مع الكثير من الشعر الكويتي أو الروايات أو المسرحيات أو الأساليب النقدية، لا يعني هذا، أن السبب هو كون هذا إنتاجا "كويتياً"، لا بالطبع، بل لأنه لا يصلني بالمتِّحد الإنساني المشترك، لا يتوفر فيه هذا الشرط الإنساني الأعلى الذي يجعل البشر يلتقون حول أعمال ومنجزات على اختلاف مواطنهم ولغاتهم وقضاياهم· متّحدنا الإنساني لا تحدده الجنسية ولا أماكن الميلاد (الميلاد البيولوجي) بل يحدده الميلاد الثاني، أي الميلاد الثقافي· من هنا أيضاً لا أجد من الغرابة أن أقول مثلاً إنني أشعر بالغربة نفسها أمام نتاج ثقافي فلسطيني أو مغربي أو مصري أو فرنسي أو إيطالي· المعيار هنا ليس الثقافة الخاصة ولا الجنسية، ولا المكان· بل هذا المتّحد الذي أشرت إليه، وهو ما يجعل نتاج إنسان من هنا أو هناك أقرب إلي غيره·

يرى محمد يوسف في ختام مشاركته حلا لتفادي حافة المعاناة - وفق تعبيره -: الأصالة/ المعاصرة/ المثاقفة مع الآخر/

وهو أولاً وثانياً وثالثاً:

الكائن المبرأ من فوبيا الآخر··؟!

هذا هو محور الإبداع "الحيويّ"··؟!

بدون هذه الرؤية·· وهذه البوصلة·· تصبح الحركة الأدبية في الكويت على حافة المعاناة: الدوران حول نفسها·· والانكفاء على الذات·· وفقدان حيوية التواصل مع الآخر داخل دوائر وفضاءات الحيز الحيوي لـ/ الزمكان (تداخل وتناسج وتواشج الزمان والمكان)··

بينما يختتم عبدالرحمن الحلاق بقوله: ما الذي يمكن أن يتصوره المرء لمستقبل الإبداع والثقافة في الكويت، لا شك أنه إن لم تتضافر الجهود وينزل الكثير من المثقفين والمبدعين الى العمل دون تحسس من واقع أو من أحد، وإن لم يتصد المعنيون بالأمر، إن في المجلس الوطني أو في الرابطة وبالتعاون الفعال مع وزارة التربية فلن تكون هناك ثقافة وستبقى القضية مرهونة لبعض المواقف الفردية لأصحاب القلم ممن عرفت منهم الكويت الكثير·

في الختام تزاحمت الرؤى في عيون عربية تتأمل المشهد الأدبي في الكويت عن بُعد قريب، سألناها "الرأي" و"التقييم" من موقعها الذي يتيح لها تحديد مكونات الصورة الأدبية بمشاهدها وألوانها وزخارفها، فاستجابت·· وتبقى علينا تحريك "الصورة"، وإنعاش النبض فيها·

طباعة  

إضاءات
 
كتابة
 
"القرين" يشهد توزيع جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية للثقافة
 
معرض "المرئي والمسموع" في الشارقة
 
إصدارات
 
وتد
 
أجيال
 
البحث عن شاعر!