· أكثر ما يغضب النساء هو ما يدعيه فرويد عن طبيعة المرأة، لذلك فإن السمة الأولى التي ظهرت من خلال تحليلاتهن أبرزت رفضهن آرائه حول المحددات البيولوجية
· خبرة النساء المرتبطة بالأسرة تركز على الأخلاقيات التي تدور حول احتياجات البشرية واهتماماتها بينما خبرة الرجال تركز على مفاهيم العدالة والمساواة
· الحكومات العربية بدأت تتعايش مع الحركات النسوية المستقلة منذ بداية الخمسينات وحتى الستينات، وتكبح جماحها لكن دون قضاء على استقلاليتها أو على أصوات عضواتها
· مقتطفات الشعر والقصص والروايات والمقالات الصحافية والخطب شكلت أول مجموعة الكتابات النسوية العربية
نورة فرج المساعد**
إن إلقاء الضوء على أهم اتجاهات الفكر النسوي وتياراته هو الهدف الأساسي لهذه الورقة، وذلك لأن النسوية - حتى برغم ما قد يحمله الكثير من تحفظ ورفض لتنظيرها ومبادئها - تستطيع أن تقدم رؤية وتحليلا أعمق لبعض من مظاهر الحياة الاجتماعية، وبالتحديد تلك التي تكون المرأة طرفا فيها· إن ما تخضع له النسوية من تعديل وإعادة صياغة قد يفوق ما تمر به المدارس الفكرية الأخرى، وذلك لأنه - وحتى الآن وربما لوقت طويل - سيظل بحث النسويات مستمرا للطريقة التي ستتحرر بها النساء من الأطر الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والقانونية، والقيمية التي قدمت لهن حقوقا وفرصا أقل من الرجال·
وتظل النسوية مثل الكثير من النظريات الفلسفية تدمج عناصر عدة· ولذلك من الصعب لأي قامئة محدودة أن تكون شاملة· ولكن على الرغم من ذلك، يمكن للكثير من المنظرات النسويات تحديد اتجاهاتهن بين الليبرالية، والماركسية المتطرفة، والاشتراكية، والتحليل النفسي، والوجودي، وما بعد الحداثة· وتناقش الورقة المقولة القائلة بأن جميع هذه التيارات - على الرغم من اختلافاتها الجوهرية - تطرح مسألة المرأة من خلال تفسير وتحليل لوضع المرأة بما يتوافق مع اتجاهات تلك التيارات المنهجية، سواء كان ذلك التحليل يربط اضطهاد المرأة بالبيئة والتنشئة الاجتماعية، أو النظام البطريكي، أو نظام العمل والإنتاج، أو الأوديبية، وما قبل الأوديبية، أو المرأة بوصفها آخر·
كذلك تعرض الورقة بعض الأفكار المرتبطة بالنسوية غير الغربية (النسوية في العالم الثالث والنسوية في العالم العربي)·· التي، وإن كانت تتفق مع النسوية العالمية في المفاهيم العامة، إلا أن تلك المفاهيم وحدها غير كافية لتفسير وضع المرأة وتحليله في تلك المجتمعات· وعلى الرغم من أن الاستعمار والإمبريالية هما جزء من طرح نسويات العالم الثالث، إلا أن نسويات العالم العربي يركزن على الثقافة الموروثة، ونظام القيم في طرحهن، محاولات بذلك إثبات هويتهن وخصوصيتهن من خلال تلك الثقافة·
وتشكل البطريكية لدى النسويات الراديكاليات النموذج لجميع أشكال الاضطهاد، وكذلك الحال أيضا بالنسبة للتفضيل الجنسي الذي سبق جميع أشكال التمييز بما في ذلك التمييز الطبقي والعرقي· وترى الراديكاليات أن سيطرة الرجل على المرأة فتحت المجال لنماذج وصور متتابعة من السيطرة، ولذلك إذا استطعنا أن نبرر خضوع المرأة للرجل فإننا بذلك نستطيع أن نبرر تلك النماذج الأخرى من التحكم والخضوع· ولأن السيطرة هي سمة البطريكية وخطيئتها بكل صورها ومستوياتها فقد ركزت النسويات الراديكاليات على تحليل أصولها وجذورها·
فقديما عاش الإنسان في سلام مع الطبيعة، ورأى نفسه جزءا من كل، لا بد من التكيف معه من أجل الاستمرار في الحياة· وتعتقد الراديكاليات بناء على ما هو متوافر من دلائل وبراهين أن المجتمعات القديمة ربما كانت أموية، وذلك لأن الأم لعبت الدور الأساسي في حياة الجماعة بما قامت به من ارتباط ومشاركة متآلفة ومتناغمة مع الطبيعة· كانت الطبيعة صديقة، وكانت المرأة بوصفها محافظة على الحياة ومسؤولة عن استمرارها (عن طريق الإنجاب) أيضا صديقة· وبتزايد البشرية لم تعد الطبيعة قادرة على توفير احتياجاتها من الغذاء· وأصبح ما هو متوافر لصيده أو لجمعه قليلا، ولم تعد النظرة للطبيعة على أنها ذلك الصديق الكريم بل غدت خصما لدودا· وأصبح من الضروري أن تحفر الطبيعة، وأن تحرث وأن تفجر لاستخراج ما تخفيه داخلها عن الإنسان· وعليه فقد أخذ الإنسان زمام الأمور بيديه، وعكف على تطوير التقنيات التي تساعده على تحرير نفسه من نزوات الطبيعة وسيطرتها· وكلما ازدادت السيطرة البشرية على الطبيعة زاد بعد الإنسان عنها وانفصاله جسديا ومعنويا· وترى فرنش أنه كلما زادت الهوة بين الإنسان والطبيعة بسبب سيطرة الإنسان عليها زاد اغتراب الإنسان عن الطبيعة والاغتراب هنا يعني إحساسا قويا بالاستقلالية لدرجة الخصومة ينتج عنها خوف ثم عداء· ولذلك ليس بغريب أن تؤدي هذه المشاعر السلبية الى تعميق رغبة الرجل في السيطرة لا على الطبيعة فقط ولكن أيضا على المرأة، والتي بسبب قدرتها الإنجابية ارتبطت بالطبيعة· وتولدت البطريكية بوصفها نظاما طبقيا يعطي قيمة للقوة على الآخرين بسبب رغبة الرجل في السيطرة على أطراف المشكلة المرأة والطبيعة· وأصبحت هذه القيمة تعني سلطة واضع القانون، السيد والمسؤول الأول· ولذلك ترى الراديكاليات أن النموذج الأفضل للمجتمعات هو المجتمع الخنثوي والذي يقيم السمات التاريخية الأنثوية كالحب والعاطفة بالشك نفسه الذي تقيم به السمات الذكورية كالتسلط وحب التملك·
ويعد مفهوم جنسية المرأة من المفاهيم الأساسية الحساسة في التنظير النسوي بصفة عامة· ولذلك ترى الراديكاليات أنه بالدرجة نفسها التي شكلت بها الأطر الاجتماعية والثقافية كلا من مفهومي الذكورة والأنوثة، شكلت قدرة المرأة الإنجابية هويتها وسلوكها، فأصبح من الصعب على المرأة تعرف رغباتها واحتياجاتها الجنسية في ظل التوقعات الاجتماعية المشكلة· وتنبع أهمية هذا المفهوم من اعتقاد الراديكاليات بأن العنف والحاجة الى السيطرة شكل نموذج جنسية الرجل والذي عد سلوكا مقبولا و"طبيعيا"· وبذلك أيضا أصبح العنف الجنسي ضد النساء طبيعيا و"قانونيا" في العلاقات الجنسية من خلال افتراض أن الرجل بطبيعته عدواني ومسيطر عندما يرتبط الموقف بالجنس، بينما طبيعة المرأة، في الموقف نفسه، سلبية ومستسلمة· ولأن سيطرة الرجل وخضوع المرأة هي القاعدة في المواقف الأساسية كالجنس، أصبحت أيضا القاعدة في المواقف الأخرى·
وعلى الرغم مما تحظى به النسويات الراديكاليات من تقدير من قبل المجتمع النسوي فإن للتيارات النسوية الأخرى مآخذها على تنظيرهن· ومن هذه الانتقادات تناولهن للاستعدادات البيولوجية للنساء بوصفها شيئا محددا وغير قابل للتغير - كما سبق واستعرض - وذلك لأن التكوين البيولوجي يتفاعل مع القوى البيئية التي يتعامل معها· من ثم فإن صغر جسد المرأة وضعفه إنما يرجعان الى دونية مكانة المرأة في المجتمع، والتي بسببها حظيت المرأة بنظام غذائي أفقر من ذلك الذي يحظى به الرجل· كما أن المرأة أصغر حجما من الرجل لا بسبب طبيعة جسدها البيولوجية، ولكن نتيجة الأطر الثقافية الاجتماعية التي عاشت بها المرأة تاريخيا، يضاف الى ذلك أن التكوين البيولوجي هو واحد فقط من ذلك الكل المحدد لهوية المرأة·
ولم يقتصر النقد النسوي للراديكاليات على المفهوم البيولوجي بل اتسع ليشمل ما قدمن من آراء وتحليلات حول ارتباط النظام البطريكي باضطهاد المرأة· ويقوم هذا النقد على أن الراديكاليات لم يتجاوزن في تنظيرهن الحياة في القرن التاسع عشر عندما احتفظ الرجال بالنساء في أبراج بعيدة عن عالم السياسة والاقتصاد· على الرغم من اعتراف هذا النقد بأن البطريكية أداة فعالة من أدوات التحليل لهؤلاء النساء اللاتي سيبدأن في إعادة بناء مفهومهن الشخصي والسياسي عن خبراتهن، تظل البطريكية مفهوما جامدا متبلدا لأي محاولات تحليلة أعمق وأشمل·
4 - الاتجاه النسوي السيكولوجي
على الرغم من انتقادات النسوية لآراء سيجموند فرويد، ولا سيما لتلك الدائرة حول إحساس البنت بالدونية لافتقارها العضو التناسلي الذكوري، والذي يعطي من ثم الفوقية للذكر، اعتبرت كتاباته المرتبطة بجنسية الأنثى، من قبل نسويات - التحليل النفسي - ، جديرة بالتركيز والتناول لما يمكن أن تحققه من تحرير للمرأة·
وفي تاريخ نسويات - التحليل النفسي تطورت أربعة تيارات أساسية داخل هذا الاتجاه· وكل تيار ظهر حاول تطوير الأساسيات الفرويدية لاتجاهات نسوية· التيار الأول حاول تطهير الفرويدية من جميع المحددات البيولوجية· والتيار الثاني لم يعر اهتماما الى عقدة أوديب، ووجه هذا الاهتمام الى ما قبل الأوديبية، وهي الفترة التي تضم علاقة الأم بوليدها· أما التيار الثالث فوجه اهتمامه الى نقاط القوى في سلوكيات المرأة الأخلاقية أكثر من نقاط الضعف المتناولة من قبل الفرويدية· وحاول التيار الرابع إعادة تفسير العقدة الأوديبية بإعطائها معاني بعيدة عن البطريكية· جميع هذه التيارات لنسويات - التحليل النفسي تظهر أن التنظير الفرويدي قد يحمل مفاهيم محررة للمرأة في الوقت نفسه الذي يحمل فيه مفاهيم مستبعدة لها·
إن أكثر ما يغضب النسويات هو ما يدعيه فرويد عن طبيعة المرأة· ولذلك فإن السمة الأولى للمجموعة الأولى التي ظهرت من تحليلات النسويات أبرزت رفضهن آراء فرويد حول المحددات البيولوجية، وأكدن في المقابل الدور الثقافي والواقعي في تشكيل هوية المرأة وسلوكها الأنثوي· تقول نسويات - التحليل النفسي بأن المقومات البيولوجية للفرد أو الخبرة لا تؤدي منطقيا - وبالشكل الذي لا يمكن تفاديه - الى سمات سيكولوجية محددة أو الى خبرات مستقبلية· ويذهب هذا التيار الى أن هناك "ذاتا مبدعة" لكل منا تتوسط المحددات البيولوجية، وتخرج منها بأهداف وأمنيات للمستقبل· ولذا، كما يتابع صاحبات هذا التيار، فإن ما يشكل حياتنا ويحددها هو نظرتنا للمستقبل وليس جذورنا في الماضي· يضاف الى ذلك الدور الكبير الذي تلعبه البيئة في النمو والنضوج لكل من الأنثى والذكر، ولذلك فإن دونية المرأة لا تنبع من "الجسد الذكوري" وإنما من إدراك المرأة حقيقة وضعها الخاضع للرجل· وبذلك تنبع رغبة النساء في أن يكن رجالا بسبب مكانة الرجل المسيطرة في المجتمع، وليس بسبب عشقهن للعضو الذكوري كما يقول التحليل الفرويدي·
وترى نسويات - التحليل النفسي بأن علاقة الوليد بأمه أو الوليدة بأمها غير تكافلية بشكل أساسي، وذلك لأن الوليد أو الوليدة غير قادرة على التمييز بين الذات والأم· ويؤخذ في الاعتبار هنا أن الجسد المادي هو أول اتصال مادي أو جسدي يشعر به ويتعايش معه الوليد· وهذه الخبرة تشكل للوليد رمزا لعالم لا يمكن الاعتماد عليه أو التنبؤ به، فالأم هي مصدر المتعة والألم بالنسبة للوليد الذي لن يتأكد أبدا من أن احتياجاته المادية والنفسية ستشبع، وذلك لأن الأم كما تكون كثيرة العطاء في بعض الأحيان تكون قليلة العطاء في أحيان أخرى ونتيجة لذلك يكبر الوليد ولديه شعور غامض يكبر معه تجاه شكل الأم (النساء) الذي يمثل له كلا من العالم المادي/ الجسدي الذي يرفض أن يعيشه مرة أخرى تحت اعتماد كلي على قوته الجبارة· لذا يتجه الرجال للسيطرة على النساء والطبيعة وامتلاك القوى عليهما· ما أن خوف الوليدة من قوة الأم التي تحملها تدفع المرأة لتكون تحت سيطرة الرجال· وبذلك يكون الرجال بحاجة الى السيطرة على النساء، وتكون النساء بحاجة الى سيطرة الرجال عليهن مما يؤدي الى ترتيبات جنسية مشوهة تعمل بوصفها نموذجا لعلاقات جنسية مدمرة·
ومما يدعو للفضول كما تقول نسويات - التحليل النفسي أن النساء يتقبلن ملكية الرجال الجنسية بوصفها حقا لهم في الوقت الذي لا يقبلن بهذا الحق لأنفسهن· وذلك لأن المرأة تخاف من قوة الأم التي بداخلها مما يجعلها تبحث عن رجل بحاجة إليها، وذلك هو الرجل الذي سيقوم بالسيطرة عليها· وكلما زادت حاجة الرجل للمرأة زادت رغبتها في البقاء معه· ولكن لأن الرجل لا يمثل الأم للمرأة بالشكل الذي تمثله هي له، فهي تفتقد الى ذلك الجزء الذي يدفعه الى ملكية الأم· ومن ثم لا يهم عمق التعايش الذي تحققه المرأة مع الرجل فهو لن يتساوى مع ما يمكن للمرأة أن تحققه مع الأم· ومن ثم عندما يترك الرجل المرأة لن تشعر بذلك الحزن الذي شعرت به عندما تركتها أمها·
إن مرحلة ما قبل الأوديبية تنتهي بعقدة أو ديب، إذ يتخلى الولد عن أول شيء أحبه، ونتيجة لتنازله عن رغباته لصالح الشعور الاجتماعي يصبح الولد مندمجا تماما مع الثقافة المحيطة، وسويا مع الأب، يمارس السيطرة على المرأة والطبيعة التي تمثل بالنسبة له القوى غير العاقلة· وخلافا للولد تنفصل البنت عن أول شيء أحبته، ونتيجة لافتقارها للعضو الذكوري يكون اندماجها مع الثقافة ناقصا، وتأخذ ذلك المكان الهامشي بوصفها فردا لا يوجه الأوامر بل يتلقاها بسبب خوفها من القوة التي تحملها·
كذلك ترى نسويات - التحليل النفسي أن البطريكية أو سلطة الذكر تستمد جذورها من العقدة الأوديبية ولكن هذا لا يعني رفض هذه المرحلة تماما، خصوصا أنها تمثل ما يتعايش معه الفرد عند اندماجه مع المجتمع· إن تقبل نسويات - التحليل النفسي لجانب من الأوديبية لا يعني تقبلهن للتحليل الفرويدي الذي جعل من السلطة والاستقلالية والعالمية سمات ذكورية، ومن العاطفة والاتكالية والخصوصية سمات أنثوية والتي، كما ترى نسويات - التحليل النفسي، ليست أساسية في الأوديبية· ولكن هذه السمات ما هي ببساطة إلا نتائج طبيعية لخبرة الطفل المعيشية مع كل من الرجل والمرأة· ولذلك فإن تعاون الأب والأم في عملية التربية ومشاركتهما المزودجة في سوق العمل ستغير من التكافؤ الجنسي (رجل/ امرأة) الأوديبي· وبذلك لن تكون السلطة والاستقلالية والعالمية ملكا للرجل، ولن يكون الحب والعاطفة والخصوصية ملكا مقتصرا على المرأة·
كذلك ترفض نسويات - التحليل النفسي آراء فرويد القائلة بأن الرجال لديهم القدرة على الفهم الواضح للعدالة بوصفها مفهوما أخلاقيا، بينما تفتقر النساء لهذه القدرة، ويقدمن في مقابل ذلك رأيهن القائل بأن النساء والرجال لديهم مفاهيم أخلاقية مختلفة، جميعها مترابطة ومنطقية وشرعية· وذلك لأن اختلاف الخبرة بين الرجال والنساء تجعل أخلاقيات الرجل تدور حول مفاهيم العدالة والمساواة والقيادة والحقوق· في حين خبرة النساء المرتبطة بالأسرة تركز على تلك الأخلاقيات التي تدور حول احتياجات البشرية واهتماماتها· إلا أن تحيز النظريات الفلسفية والسيكولوجية هي التي جعلت من أخلاقيات الرجل شرعية، وأعطت أخلاقيات المرأة صفة النقص والضعف·
قد تجد النساء في كتابات نسويات - التحليل النفسي من تحليلات مقنعة لحاجة المرأة الى الحب ولرغبتها في التخلي عن مركز وظيفي من أجل التمتع بحياة عائلية حميمة، ولاستعدادها للصفح عن سوء استغلال الرجل لها ونسيانه أو إهماله· ولكن نسويات - التحليل النفسي لا يقدمن تفسيرا شاملا لدونية الأنثى القانونية والسياسية والاقتصادية· ورغم ذلك فإن تحرر المرأة من كل ما يبعدها ويعوقها عن التقدم لا بد أن يتطلب منها البحث عن كامل حقوقها وليست المدنية منها فقط·
ومن جملة الانتقادات الموجهة لهذا الاتجاه هو أن نسويات التحليل النفسي - تماما كالنسويات الراديكاليات - يقدمن تحليلات وتفسيرات ذات طابع تعميمي، لا سيما فيما يتعلق بمرحلة ما قبل الأوديبية والمرحلة الأوديبية، متناسيات بذلك أن هذه المراحل قد تقدم تحليلا جيدا ولكن ليس لكل زمان أو مكان· فهي أكثر مناسبة للوقت الحاضر وللمجتمع الغربي· يضاف الى ذلك - وخلافا للنسويات الراديكاليات - فشل تحليل نسويات - التحليل النفسي في تقديم قاعدة مادية أو تفسير مادي لاضطهاد المرأة، بل على العكس اعتمد على البناء النفسي الذي اعتبرته الناقدات لهذا الاتجاه خياليا·
5 - الاتجاه النسوي الاشتراكي
أما بالنسبة للاتجاه الاشتراكي لبعض النسويات فيمكن فهمه بشكل أفضل بوصفه اتجاها يجمع بين كل من الاتجاه الراديكالي والماركسي والتحليل النفسي· ظهر هذا الاتجاه نتيجة لاستياء بعض النسويات الماركسيات من تجاوز الفكر الماركسي للتقسيم الجنسي ووضع النساء الأدنى، ومن اتجاه الماركسية الى رفض اضطهاد النساء على أنه لا يتوازى من حيث الأهمية مع اضطهاد العمال مفترضا، بأن ما تعانيه النساء على أيدي الرجال لا يقارن بما تعانيه البرولتارية على أيدي البرجوازيين·
وبذلك أصبح الكثير من النسويات الاشتراكيات المعاصرات أكثر اقتناعا بأن العيش في مجتمع طبقي ليس السبب الوحيد أو الرئيسي لاضطهاد النساء، فعلى الرغم من دخول الكثير من النساء الى سوق العمل واعتمادهن على أنفسهن اقتصاديا في الكثير من الدول الشيوعية ككوبا والصين والاتحاد السوفييتي قبل انهياره، ظلت النساء في هذه المجتمعات تماما - كما ظلت النساء في المجتمعات الرأسمالية - تحت قبضة البطريكية· ولذلك ترى النسويات الاشتراكيات أن بإمكان النسويات الماركسيات التقليديات تفسير الكيفية التي سببت بها الرأسمالية الفصل بين مكان العمل والمنزل تماما كما تفسر الأسباب التي أصبح بها العمل المنزلي بدون قيمة· ولكن هؤلاء النسويات يعجزن عن تقديم تفسير منطقي للأسباب التي من أجلها حددت الرأسمالية النساء للعمل المنزلي والرجال للعمل الخارجي· لذلك ترى النسويات الاشتراكيات أن النسويات الماركسيات يعجزن عن تقديم أي تصور عن الكيفية التي يشغل بها الأفراد بعض الأماكن، كما يعجزن عن تقديم تصور واضح للأسباب التي من أجلها تخضع النساء للرجال داخل الأسرة وخارجها·
ولذلك فالتصنيف الماركسي لا يختلف عن الرأسمالي، لأن كليهما يفشل في رؤية التقسيم الجنسي·
ولقد قامت النسويات الاشتراكيات بتطوير اتجاهين تنظيريين مختلفين هما: اتجاه نحو نظرية الأنظمة الثنائية - واتجاه نحو نظرية الأنظمة الموحدة· كلا الاتجاهين يهدف الى تقديم تفسير كامل عن اضطهاد النساء ولكن بطرق مختلفة· وترى نظرية الأنظمة الثنائية أن كلا من البطريكية والرأسمالية تقدمان نموذجين متميزين للعلاقات الاجتماعية من خلال مجموعة متميزة من الاهتمامات، وأن هذين النموذجين يتسببان عند دمجهما في اضطهاد النساء بطرق تشتد صورها وأشكالها· ولذلك إذا أردنا أن نفهم حقيقة اضطهاد النساء بشكل متكامل لا بد من تحليل البطريكية والرأسمالية بوصفها ظواهر منفصلة أولا، ثم بوصفها ظواهر يرتبط بعضها ببعض ثانيا· إلا أن اتجاه نظرية الأنظمة الثنائية يوصف بكثير من التعقيد· إن منظري الأنظمة المزودجة يتعاملون مع الرأسمالية بوصفها بناء ماديا أو تاريخيا متأصلا في نمط الإنتاج· في حين أن القليل منهم فقط يصف البطريكية بوصفها بناء ماديا أو تاريخيا متأصلا في نمط الإنجاب أو النمط الجنسي· والبطريكية للكثير منهم هي بناء غير مادي (معنوي) مما يعني أن البطريكية بناء أيديولوجي أو تحليلي نفسي تجاوز حدود الزمان والمكان·
وترى ميتشل ممثلة الاتجاه القائل بأن البطريكية بناء غير مادي في مقابل الرأسمالية بوصفها بناء ماديا، أن بعض الجوانب المعيشية للنساء داخل الأسرة هي في حقيقتها اقتصادية، وذلك نتيجة للتغيرات التي طرأت على نمط الإنتاج· في حين أن البعض منها بيولوجي/ اجتماعي، وذلك لأنها نتيجة تفاعل السمات البيولوجية للأنثى مع البيئة الاجتماعية· أما البعض المتبقي فهو أيديولوجي وهو نتيجة لنظرة المجتمع للطريقة التي ترتبط بها النساء بالرجال، من ثم لا تؤثر التغيرات كثيرا في نمط الإنتاج وعلى الجانبين الأيديولوجي والبيولوجي/ الاجتماعي، فكلاهما يظل، كما هو، أساسيا· ولذلك حتى تحت ظل الشيوعية ستظل النساء بشكل ما مضطهدات ما لم تتغلب الشيوعية على البطريكية بالطريقة نفسها التي تتغلب بها على الرأسمالية· ولكن على الرغم من أن الجوانب الاقتصادية للبطريكية يمكن تعديلها بوسائل مادية من خلال تغيير نمط الإنتاج، تظل إمكانية التعديل من الجوانب الأيديولوجية والبيولوجية/ الاجتماعية بوسائل غير مادية فقط، وذلك من خلال إعادة كتابة المواقف النفسية/ الجنسية التي تقوم بتشكيل الرجال والنساء بالشكل الذي نعرفه ولوقت طويل جدا·
ولكن هارتمن، القائلة بأن البطريكية والرأسمالية بناء مادي، تعرف هذا الاتجاه أنه مجموعة من العلاقات الاجتماعية، بين الرجال والنساء ذات أساس مادي، خلقت من خلال التنظيم الطبقي تساندا واعتمادا متبادلا بين الرجال مكنهم من السيطرة على النساء· هذا الأساس المادي يكمن في سيطرة الرجال على القوى المهنية للنساء· وتشكل هذه السيطرة بواسطة تقييد إمكانية دخول النساء لمجالات اقتصادية مهمة، وأيضا بواسطة منع النساء من التصرف في إمكانياتهن الجنسية وخصوصا تلك المرتبطة بالقدرة الإنجابية، إلا أن هذه السيطرة للرجال على القوى المهنية للنساء تتفاوت من مجتمع لآخر كما تتفاوت عبر الزمان· ولذلك ترى أن البطريكية تنشط غالبا في الحقل المادي لا في الحقل السيكولوجي·
وعلى العكس من ذلك يرى أصحاب النظرية الموحدة - والتي تسعى لتفسير اضطهاد النساء من خلال استخدام مفهوم واحد لا يفصل بين الرأسمالية والبطريكية - أن تحليل تقسيم العمل له الأفضلية لكونه أكثر تحديدا وشمولا من التحليل الطبقي· إن التحليل الطبقي يهدف الى مسح نظام الإنتاج بوصفه كلا، مركزا بذلك على أدوات الإنتاج وعلاقاته بشكل عام جدا، في حين أن تحليل تقسيم العمل يركز اهتمامه على الفرد الذي يقوم بعملية الإنتاج في المجتمع· وإذ يدعو التحليل الطبقي الى نقاش سطحي للأدوار الشخصية لكل من البورجوازيين والبرولتاريين، يتطلب تحليل تقسيم العمل نقاشا تفصيليا محددا لأمور عدة مثل: من يعطي الأوامر؟ ومن يتلقاها؟ ومن يقوم بالأعمال المثيرة؟ ومن يقوم بالأعمال الكادحة؟ من يأخذ ساعات العمل المرغوبة؟ ومن يأخذ ساعات العمل غير المرغوبة؟ من يدفع له أكثر؟ ومن يدفع له أقل؟ وبوضوح يستطيع تحليل تقسيم العمل أن يفسر بشكل أفضل لماذا تقوم النساء عادة بتلقي الأوامر، والقيام بالعمل الكادح، وبأخذ ساعات العمل غير المرغوبة وبنيل الأجر الأقل· ويصر ممثلو هذا الاتجاه على تحليل تقسيم العمل على أنه بديل لا مكمل للتحليل الطبقي· وذلك لأن تهميش النساء وتمثيلهن لقوى ثانوية في سوق العمل إنما هو سمة جوهرية وأساسية للرأسمالية·
ويقوم الاتجاه نحو نظرية الأنظمة الموحدة بتقديم مفهوم الاغتراب بوصفه مفهوما واحدا أيضا· وترى الماركسية أن العمل تحت ظل الرأسمالية يصبح نشاطا غير إنساني، لأنه منظم بطريقة تضعنا على مسافة تفصلنا من كل شيء وكل فرد بما في ذلك أنفسنا· وترى أيضا أن الرأسمالية تتطلب مشاركة مباشرة حتى يتولد لدينا الشعور بالاغتراب، وهذا يعني أن النساء اللواتي يقمن بعمل غير مدفوع الأجر لا يعرفن الاغتراب، في حين أن النساء اللواتي يقمن بعمل مدفوع الأجر يتعايشن مع الاغتراب بالطريقة نفسها التي يشعر بها الرجل· لذلك لا يرى هذا الاتجاه أن بالتعامل مع روح هذه الأفكار لا معناها المباشر يمكننا أن نقدم معنى وتفسيرا للاغتراب تبعا لكل النساء وكل امرأة·
وتنظيم جاكار نقاشها للاغتراب حول ثلاثة موضوعات: جنسية المرأة والأمومة وعقلانية المرأة· فبالطريقة نفسها التي يشعر بها العامل بالاغتراب عما ينتجه من عمل تشعر المرأة بالاغتراب عما تمارس على جسدها من عمل· فقد تقول المرأة إنها تمارس الرياضة للياقة، أو تتجمل لنفسها ولكن في الحقيقة هي تحسن شكلها وتزخرفه من أجل الرجل· والأمومة تماما كجنسية المرأة تتعايش المرأة من خلالها مع تجربة اغتراب· فالمرأة - كما تقول تتعامل مع قدرتها الإنجابية باغتراب عندما يقوم غيرها بتقرير عدد الأطفال التي يمكن أن تنجبهن· ففي بعض المجتمعات حيث تقدر عمالة الأطفال كعمالة الكبار تماما، يتوقع من النساء الإنجاب ما دامت لديهن القدرة الجسدية على ذلك· في حين أن المجتمعات التي تنظر للأطفال بوصفهم عبئا اقتصاديا تهبط عزيمة النساء من تكرار الإنجاب بالشكل الذي قد يرغبن به· ولذلك تتعرض الكثيرات من النساء لعمليات إجهاض أو تعقيم غير راغبات فيها·
وترى أن النساء يتعايشن مع الاغتراب لا من خلال جنسيتهن أو أمومتهن فقط، فهن أيضا مغتربات عن قدراتهن العقلية· فلقد جعلت المرأة تفقد الثقة في نفسها للدرجة التي تتردد بها في التعبير عن آرائها العامة، وذلك خوفا من أن تكون تلك الأفكار غير جديرة بالذكر، ومن أن ينظر إليها باستخفاف· وهذا مكن الرجل وحده من تحديد مصطلحات الفكر والمنطق·
وقد انتقدت نظرية الأنظمة الثنائية لافتراضها أن خضوع المرأة للرجل سمة تتصف بالعمومية والشمول· فهي السمة الظاهرة في كل المجتمعات بغض النظر عن التغيرات التاريخية· ويرى ممثلو هذا النقد أولا: أن هذا الافتراض يولد إحساسا باليأس بين النساء الى جانب تسببه في محاباة ثقافية عرقية عنصرية وطبقية جدية بناء على ما يدعيه من تصور عام للبطريكية· فزوجة رجل الأعمال لا تعاني من البطريكية بالطريقة نفسها التي تعيشها زوجة العامل· ثانيا: يرى هذا النقد أن هذا الافتراض يولد انطباعا كاذبا وبسبب وجود البطريكية في فكر الجميع وعقولهم بأنها من ثم لا تحمل ظلما مشابها لظلم الرأسمالية للنساء·
كما انتقدت نظرية الأنظمة الموحدة انطلاقا من موقفين· الأول يقوم على أن الجميع بين قضية المرأة والأوضاع الاقتصادية في اتجاه نظري واحد يؤدي أولا: الى دمج القضايا الأساسية للنسوية كالإنجاب، والتربية والقضايا الجنسية للمرأة مع تحليل ماركسي ثابت لا يتغير· وثانيا: يؤدي هذا الجمع الى اختزال قضية المرأة الى قضية عمل وعامل·
6 - الاتجاه النسوي الوجودي
من الواضح أن كتاب الجنس الثاني لسيمون دي بوفوار، حقق - وعلى مدى ثلاثين عاما - تلك المكانة البارزة في الفكر النسوي الكلاسيكي والتي تجعل أي مقدمة للفكر النسوي لا تقترب من الشمولية بدون مناقشته وعرضه· لقد ساعد هذا الكتاب الكثير من النسويات على فهم الأهمية الكاملة للنساء بوصفهن "آخر"·
ترى بوصفها ممثلة للتيار النسوي الوجودي بأن الرجل ومنذ القدم سمى نفسه "بالذات" والمرأة "بالآخر"، ومن ثم إذا كان في "الآخر" تهديد "للذات" فالمرأة تهديد للرجل· وإذا أراد الرجل أن يظل حرا يجب عليه إخضاع المرأة له· هذا لا يعني بالتأكيد أن المرأة هي "الآخر" الوحيد الذي يعيش الاضطهاد· فالسود يعرفون معنى الاضطهاد من قبل البيض، والفقراء يعرفون أيضا معنى الاضطهاد من قبل الأغنياء· ولكن يظل اضطهاد المرأة فريدا ومميزا لسببين· الأول: أنه، بخلاف اضطهاد العرق والطبقة، ليس حقيقة "تاريخية" متوقعة· ثانيا: أن النساء أدمجن في أنفسهن موقف الاغتراب القائل بأن الرجل هو "الأصل" والمرأة هي "الفرع"·
وينتقد الاتجاه الوجودي عدم قدرة الاتجاهات النظرية والفلسفية سواء منها البيولوجية أو السيكولوجية (الفرويدية) أو الماركسية على تفسير: لماذا المرأة وليس الرجل هو الآخر، على الرغم من أهمية التحليلات والمبررات المقدمة حول اضطهاد المرأة·
كما ترى أن الفروق البيولوجية تقدم حقائق يقوم المجتمع بتأويلها بطريقة تخدم بها غايته، فبالإمكانيات البيولوجية تعرف فروقا أساسية قائمة بين المرأة والرجل تتمثل في الدور الإنجابي لكل من الذكر والأنثى·
ففي اللحظة نفسها التي يقوم بها الحيوان المنوي بالتسبب في الحياة لمخلوق آخر يصبح غريبا عن الرجل الذي خرج منه أو من جسده، ومن ثم يستعيد الرجل فرديته· ولكن وعلى العكس من ذلك لا تنفصل عن جسد المرأة إلا عندما يكتمل نموها· ولذلك ترى أن هذه الحقائق البيولوجية تفسر لنا لماذا يصعب على المرأة أن تصبح "ذاتها" "خاصة" عندما يكون لها طفل، على الرغم من أن إحساسها بذاتها لا يقل عن إحساس الرجل بذاته· ولذلك فإنه - وعلى الرغم من السمات البيولوجية والسيكولوجية الخاصة بالمرأة - كدورها الأساسي في الإنجاب في مقابل الدور الثانوي للرجل، وضعفها الجسدي في مقابل قوة الرجل الجسدية، تظل الفكرة العامة لدى de Beauvouir قائمة على أساس أن القيمة المرتبطة بهذه الحقائق تعود لنا بوصفنا مخلوقات اجتماعية·
وترى تحديدا أن كتابات فرويد الخاصة بالمرأة "كآخر" ضعيفة وناقصة· فنظرية فرويد حول إحساس البنت بالدونية لافتقارها العضو التناسلي الذكوري، وهو الذي يجعل من مكانة المرأة الاجتماعية الدنيا شيئا لا يمكن تجنبه، في تقدير de Beauvouir، ما هو إلا تحليل نفسي ضعيف· فمعاناة المرأة القائمة على غياب هذا العضو كما تدعي الفرويدية ما هو إلا نتيجة رغبة النساء في الحصول على المميزات المادية والسيكولوجية التي يتمتع بها الرجل وليس رغبة في عضو تناسلي ذكوري· إن مميزات الرجال - كما تلاحظ - لا يمكن إرجاعها الى ملامح جسدية ذكورية· على العكس، إن مكانة العضو الذكري يمكن تفسيرها بإرجاعها الى سيادة الأب· ولذلك تشكل النساء الجنس الآخر بسبب افتقارهن للسلطة وليس للعضو الذكري·
وكنموذج للاتجاه الوجودي نظرت للمرأة وميزت "ذاتا" عرفها الرجل "كآخر"· ومن أجل تحديد المبررات لهذا التعريف لاحظت أنه في الوقت الذي تؤكد فيه النساء أنفسهن فاعلات ومخلوقات حرة تظهر فكرة "الآخر"· ومنذ تلك اللحظة تصبح العلاقة مع "الأخر" دراماتيكية، ويصبح في وجود "الآخر" تهديد وخطورة، ولأسباب عدة، معظمها يرتبط بالتحرر من العبء الإنجابي· فربما توافر للرجل الوقت والطاقة لاستخدام الهواء والريح والنار والماء من أجل اختراع واكتشاف أدوات ساعدته على تشكيل المستقبل· ورأى في نفسه الفاعل القادر على المغامرة بحياته في قتال أو خلاف· يرى الرجل في النساء ذلك الكائن الخاضع القادر فقط على الإنجاب، ومن ثم فليست القدرة على إعطاء الحياة بل المغامرة بها ما جعل الرجل يتفوق على المرأة· وبذلك أعطيت السيادة والفوقية ليس للجنس الذي يجلب الحياة ولكن لذلك الذي يسلبها· وبسبب تلك الفروق المدعاة أبعدت النساء من قبل الرجال الى حيز الآخر، ذلك الحيز شديد الارتباط بالجسد·
أما النقد الموجه لكتاب الجنس الثاني لـ de Beauvoir فيمكن تلخيصه في ثلاث نقاط رئيسة، الأولى: أن الكتاب لا يمكن الوصول إليه من قبل معظم النساء، فالمفاهيم التي يقوم عليها مثل الوجود، الوجود للذات والوجود في الذات جميعها مفاهيم لم تنبع مباشرة من خبرة النساء المعيشية ولكن من تنظير تجريدي فلسفي· ثانيا: تعترض إيلشتين على الكيفية التي تعاملت بها دي بوفوار مع جسد المرأة والتي ترى أنها تعاملت معه بوصفه شيئا سلبيا، غير محظوظ وغير مهم أي بوصفه قذرا ومخزيا· وترجع ذلك الى نظرة الوجود لجسد المرأة بوصفه عبئا كميا ونوعيا عليها بخلاف جسد الرجل· فخوف de Beauvouir كما يرى هذا النقد جعلها تهاجم مؤسسات الزواج والأمومة بوصفها مؤسسات جائرة لا بد للمرأة من رفضها· وأخيرا انتقدت de Beauvouir لتقبلها وربما احتفالها بمفاهيم وقيم ذكورية، فكل انتقاد تقدمه لجسد المرأة ينبع من سمات لجسد الرجل·
7 - نسويات ما بعد الحداثة
غير أن كتاب The second sex قد قدم لنسويات ما بعد - الحداثة جزءا من تنظيرهن· كان يطلق على كل نسويات - ما بعد الحداثة وحتى وقت قريب النسويات الفرنسيات، وذلك لأن معظم النساء اللواتي حملن هذا التنظير كن إما فرنسيات أو مقيمات في فرنسا، وخصوصا باريس· وجذب مصطلح نسوية - ما بعد الحداثة الانتباه عندما أدرك القارئ أن ما يجمع كاتبات مثل إيرجاري وسيسو وكريستيفا هي وجهة النظر الفلسفية التي يعرضنها وليست فرنسيتهن· وهن يشتركن في وجهة النظر تلك مع منظري ما بعد الحداثة من أمثال لاكان وديريدا، ويقوم هذا الاتجاه على تسليط الضوء على التناقضات الداخلية التي يحملها نظام الأفكار الموجه لهدم تلك المفاهيم المرتبطة بالسلطة والهوية والذات· فجميع نسويات هذا الاتجاه شديدات الاهتمام والحرص على إعادة تفسير تقاليد التحليل النفسي الفرويدي النظري والتطبيقي· كما أن معظم جذور نسويات - ما بعد الحداثة توجد في أعمال الكاتبة Simone de Beauvior والتي أثارت السؤال الأساسي للنظرية النسوية القائل (لماذا المرأة جنس ثان؟) أو كما تصوره نسويات - ما بعد الحداثة (لماذا المرأة هي "الآخر"؟)·
وتأخذ نسويات - ما بعد الحداثة مفهوم للآخر ولكن بعد أن يقلبنه· فالمرأة ما تزال "الآخر"، ولكن بدلا من تفسير هذا الوضع علي أنه أمر يجب الترفع عنه والسمو فوقه، فإن نسويات - ما بعد الحداثة يصرحن بمزاياه· فوضع "الآخر" يمكن النساء من التواري، ومن ثم انتقاد القيم والمعايير والممارسات التي تنشد الثقافة البطريكية المسيطرة لفرضها على الجميع بمن فيهم أولئك الذين يعيشون على هامشها - وفي هذه الحالة هن النساء -، ولذلك فمفهوم "الآخر" وبكل ارتباطه بالاضطهاد والدونية هو أكثر من مجرد مضطهد ودوني· كما أن التفكير والنقاش سيفتحان الطريق للتعددية والاختلاف والتنوع·
وبذلك يتمثل خط نسويات - ما بعد الحداثة الأساسي في تأكيد الجانب الإيجابي في "الآخر" إذ يبقى مبعدا ومتجنبا ومجمدا وخاسرا ومرفوضا وغير مرغوب به وغير مميز وهامشيا· ويقوم الاتجاه بأخذ نظرة نقدية تجاه كل شيء بما في ذلك الأفكار المحددة والممارسات الاجتماعية غير العادلة، بالإضافة الى التشكيلة البنائية التي يوجدن بها، واللغة التي يفكرن بها، والنظام الذي يحتمين به· إن هذه الحركة هي حركة ضد الأصول والمثالية، وذلك لا يظهر فقط في اعتبارها البحث عن تعريفات ومسميات شاملة بوصفها شيئا غير أساسي، ولكن أيضا في تحديها الفعال للحدود التقليدية بين التعارض والتضاد في مفاهيم مثل العقلانية/ العاطفية، والجمال/ القبح، والذات/ الآخر· وتلك الحدود الفاصلة بين العلوم مثل الفنون وعلم النفس والأحياء·
ويستمر جدل نسويات - ما بعد الحداثة ليشمل بعضا من الافتراضات المهمة التي تشترك فيها الأغلبية· تلك الافتراضات تقول بوجود وحدة أساسية عبر الزمان والمكان معروفة بالهوية الذاتية، وبوحدة أساسية أخرى قائلة بوجود ارتباط أساسي واحد بين اللغة والواقع والمعروفة بالحقيقة، فالرأي القائل بوجود ذات متحدة ومكيفة طعن فيه من خلال الرأي القائم على أن الذات في أساسها مقسمة بين بعدين، بعد الشعور وبعد اللاشعور، كذلك الرأي القائل بوجود حقيقة طعن فيه من خلال الفكرة القائمة على أن العلاقة بين اللغة والواقع متنوعة ومتنقلة، من ثم فالكلمات لا تعبر عن الأشياء أو عن أجزاء من الحقيقة بل إن الحقيقة تراوغ اللغة في الوقت الذي ترفض فيه اللغة تقييدها بالحقيقة·
فالفكرة القائلة بانعدام وجود كل من الهوية الذاتية والحقيقة، وأن النظام الموجود في حياتنا وفي لغتنا ما هو إلا بناء وشكل مفروض وغير أساسي· تلك الفكرة استرعت انتباه كتاب ومنظرين أمثال هيلين سيسو ولوس اريجاري وجوليا ريستيفا بيد أن تلك لم تكن الفكرة الوحيدة التي شدت اهتمامهن· فلقد تداولت نسويات هذا الاتجاه أيضا فكرة النظرية التفكيكية القائمة على أن اللغة وبطرق عدة تقوم على إبعاد الأنوثة عنها· ولذلك وعلى الرغم من الملاحظات المزعجة التي قدمها Lacan and Derrida حول جنسية المرأة، فقد تناولت نسويات - ما بعد الحداثة آراءهما عن الأنوثة المبعدة بشكل كبير جدا·
ولهذا ترى نسويات - ما بعد الحداثة صعوبة تحدي القيم الرمزية القائمة، لا سيما عندما تكون المصطلحات الوحيدة التي يمكن استخدامها في تحقيق ذلك هي المصطلحات التي قدمتها هذه القيم· وذلك لأن الخطورة في القيام بهذا الأمر تتمثل في أن الإصرار على وجود الازدواجية والتعددية والاختلاف سيؤدون بنسويات - ما بعد الحداثة الى التأكيد، إما على غيبيات تقليدية أو معايير حقيقية مدعاة· هذه الخطورة هي التي دفعت نسويات - ما بعد الحداثة لرفض أي مسميات أو تصنيفات تنتهي بأي نظرية أومذهب مميز، فتلك المسميات تمثل قلقا لنسويات - ما بعد الحداثة، لحملها الرغبة لتنظيم مفاهيمنا البشرية وتأطيرها بأطر عقلانية· بالرغم من ذلك يظل من الصعب عدم إطلاق تسمية نسويات على كل من Cixous, Lrigaray and Kristeva، وخصوصا أنهن يقدمن للنساء أكثر الآراء الراديكالية دعوة للتحرر من الجذور، وهي الدعوة للتحرر من الأفكار المضطهدة·
ويقوم معظم النقد لنسويات - ما بعد الحداثة على الصورة النمطية التي يحملها الكثيرون من الأكاديميين بوصفهم أفرادا يعيشون في أبراج عاجية بعيدين عن العالم الحقيقي، أي أنها عقول تعيش في عالم من الأفكار لا أجسادا تنزف أو تكافح أو تتعب· وبعض من النقاد يتمثل الرفض عندهم لنسويات - ما بعد الحداثة برفض الانشغال بمناقشة أفكار أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها أفكار الصفوة، تلك الطبقة التي انسحبت من الجهاد والاعتراض الى جنة فلسفية محاطة بأصدقاء يشتركون معهم في حمل أفكار واحدة· فنسويات - ما بعد الحداثة يستخدمن لغة و"أفكارا" بشكل يمنع الآخرين من فهم الكيفية التي يعملن بها· ومن ثم ومع الوقت يصبح ما ينادين به بعيدا عن وضع معظم النساء·
كما انتقدت نسويات - ما بعد الحداثة لمحاولتهن وضع المرأة في مكانة أعلى من الرجل، والأنوثة في مكانة أعلى من الذكورة· وانتقدت بالتحديد كتابات كل من Cixous and Lrigaray لمحاولتهن خلق لغة أنثوية ومجتمع أنثوي خارج عن لغة ذكورية ومجتمع ذكوري، مما سيؤدي الى اتجاهين لا أكثر وهما اتجاه نحو فاشية بطريكية أو آخر نحو فاشية أمومية· ويقوم النقد الأخير على إمكانية وجود حالة كاملة من التشويش قد تسببها الافتراضات الفلسفية لنسويات - ما بعد الحداثة، وذلك لخوف النساء والنسويات من عدم تمكنهن من الارتباط بوصفهن جماعة ذات مصالح مشتركة لما تطرحه نسويات - ما بعد الحداثة من آراء مؤكدة للتعددية والتنوع والاختلاف·
الخاتمة: النسوية والمجتمع العربي
إن النسوية في المجتمع العربي تدخل ضمنيا بوصفها جزءا فيما يطلق عليه في الغرب "النسوية في العالم الثالث"· ولما كانت الاختلافات بين نساء العالم الثالث والنساء في أوروبا وأمريكا أحد القضايا الأساسية المرتبطة بالنسوية، برزت الكثير من الكتابات لنسويات تربط اضطهاد النساء في أوروبا وتهميشهن بمفهومي التقسيم الجنسي والعلاقات الطبقية· وكلا المفهومين بالإضافة الى العرقية والإمبريالية يرتبط باضطهاد النساء في العالم الثالث· هذه الأبعاد الإضافية لقضية وضع المرأة في العالم الثالث تشكل ثلاثة محاور مختلفة لا بد من استيعاب كفاح المرأة في هذه المجتمعات وفهمه من خلالها·
وترى شيريل - جونسون - اوديم أنه بينما كان عقد السبعينيات قد شهد بدايات تشكيل حركة نسوية عالمية، كانت الكثير من نساء العالم الثالث قد بدأن يخرجن لتوهن من كنف الاستعمار، كما أن الكثير منهن - اللاتي يعشن في الغرب - كن أيضا يبرزن من خلال أهم حركات حقوق الإنسان في القرن العشرين· ولذلك لم يجلب الاستقلال أو القوانين التي أقرت بوصفها نتيجة لحركة الحقوق المدنية تحسنا فوريا في الوضع والمعيشة بالنسبة للغالبية من نساء العالم الثالث· ومما لا شك فيه، شكلت هذه العوامل الأساس في مفهوم النسوية بوصفها فلسفة وحركة للعدالة الاجتماعية في هذه المجتمعات· ولذلك فإن أي تحليل قائم على التقسيم الجنسي وحده دون إبراز قضايا الاختلاف العرقي والطبقي لن يصف معاناة نساء العالم الثالث بشكل دقيق·
وترى إ· ليكوك أنه ليس مهما في المجتمعات النامية مجرد توزيع المصادر داخليا، ولكن توليدها والتحكم فيه هو الأهم· وليس الأمر فقط إيجاد فرص متساوية بين الرجال والنساء ولكن خلق الفرص نفسها· وليس الأمر كذلك في وضع المرأة في المجتمع ولكن وضع المجتمعات التي وجدت نساء العالم الثالث نفسها فيها·
وهكذا فإن نساء العالم الثالث لا يستطعن تبني فكرة المعاملة المتساوية بين الجنسين، وكذلك مبدأ تكافؤ الفرص بينهما فقط، تلك التي تنشدها النسوية، ولكن تستطيع نساء العالم الثالث تبني مفهوم الهوية الجنسية ورفض أية أيديولوجية قائمة فقط على التقسيم الجنسي· ولذلك فإن النسوية في هذه المجتمعات يجب أن تكون أيديولوجية كاملة وشاملة·
وترى مارينا لزرق أن في قلب النسوية في الشرق والغرب رغبة أكيدة في تفكيك النظام القائم في المجتمع وإعادة تركيبه ليواكب حاجاتهن· إلا أن النسوية في الشرق والغرب تختلفان حول المفهوم والأدوات الواجب استخدامها لتفكيك النظام، كما تختلفان حول مدى إمكانية تغير الأشياء في المقام الأول· فالنسويات الغربيات فعليا يستطعن إعادة اكتشاف أنفسهن كنساء، وكذلك يستطعن إعادة تعريف أنفسهن وإعادة اكتشاف المعرفة الخاصة بهن، ولا يعوقهن سوى ما يعيه الجميع بسيطرة الذكر، وعلى الأغلب تعمل النسويات الغربيات على أرضيتهن الاجتماعية والفكرية وتحت الافتراض المسلم به ضمنيا بأن مجتمعاتهن "كاملة"·
وعلى العكس من ذلك، فإن مشروع نسويات الشرق الأوسط يبرز ضمن إطار خارجي من المصادر وتحت ما يساويه من المعايير الخارجية· تحت هذه الظروف، يتواكب وعي المرأة بنفسها، مع الإدراك بأن ذلك الوعي قد تم تشكيله بشكل أو بآخر بواسطة آخرين من الخارج، نساء ورجالا على السواء· ومن هذا المنطلق، فإن مشروع النسوية في الشرق قد تم تشويهه، وعليه فإنه نادرا ما سيتأتى بأية قابلية للتحرر الشخصي كالذي يمكن حدوثه في أمريكا وأوروبا·
وقد شكلت مقتطفات الشعر والقصص والروايات والمقالات الصحفية والخطب أول مجموعة الكتابات النسوية العربية· في حين ظهر مصطلح النسوية ضمنيا في العالم العربي في عام 1909 عندما أصدرت ملك حفني ناصف، تحت اسم مستعار "باحثة البادية"، مجموعة مقالات وخطب في كتاب بعنوان "نسائيات" نادى بتحسين وضع المرأة المعيشي، وبفرص تعليم جديدة، واسترداد للحقوق المعطاة للمرأة في الإسلام· وتدعي بعض النسويات العربيات - كما تناقش م· بدران وم· كوك - أن النسوية العربية نمت حال ظهورها بذرة طبيعية في العالم العربي كما هي جزء من الظاهرة العالمية· في حين يرى آخرون أنها مفهوم غربي ودخيل على العالم العربي· أما نظرة الغرب للنسوية العربية فهي تنقسم ما بين ثلاثة آراء: الرأي القائل باستحالة بروز فكر نسوي نظرا لثقافة المجتمع العربي المضطهدة للنساء، ورأي قائل بأنها ظاهرة عربية متفردة، وأخيرا الرأي القائل بأنها مظهر محلي للنسوية العالمية·
وقد شهدت الفترة من 1860 الى بداية 1920 في المجتمع العربي انبثاق ما يسمى النسوية المتوارية· وقد ظهرت دلائل وتعبيرات تشير لذلك في كتابات نساء من الطبقة الوسطى والعليا والتي تم تداولها بين النساء وفي المجلات المهتمة بشؤون المرأة مثل الفتح وأنيس الجليس وفتاة الشرق·
أما الفترة الثانية فقد شهدت منذ أواخر العشرينيات حتى نهاية الستينيات بروز حركة نسوية أهلية منظمة· فقد ظهرت حركة نسوية نشطة في مصر منذ العشرينيات حتى منتصف الخمسينيات، وفي لبنان وسوريا والعراق منذ الثلاثينيات حتى الأربعينيات، وكذلك في السودان في الخمسينيات· وقد بدأت حكومات الدول العربية، منذ بداية عام 1950 وحتى الستينيات، تتعايش مع الحركات النسوية المستقلة، وتكبح جماحها لكن دون قضاء على استقلاليتها أو على أصوات عضواتها· ولأغراضها الخاصة، قامت الحكومات العربية بصياغة برامجها الخاصة للمرأة وكيفية تقدمها·
أما الفترة الثالثة، منذ بداية السبعينيات حتى الآن، فقد شهدت إعادة انبعاث التعابير النسوية في كل من مصر ولبنان وسوريا والعراق، كما شهدت بعض الدول العربية الأخرى الموجة الأولى من النسوية في أثناء هذه الفترة·
وتكاد النسوية العربية المعاصرة أن تنطلق وتنتهي عند الفكرة العامة للمساواة ولذلك من الصعب تحديد اتجاهات واضحة للنسويات العربيات تعادل الاتجاهات الفكرية والتحليلية للأكاديمية النسوية في الغرب· وعلى الرغم من ذلك يمكن القول بأن الطرح العربي النسوي يأخذ الملامح العامة لكل من الاتجاهات الليبرالية والراديكالية والاشتراكية والماركسية· فالنسويات العربيات تناولن قضايا مثل الطبقية والبطريكية وتساوي الحقوق والفرص· كما ناقش الكثير منهن القيم الثقافية/ الدينية المرتبطة بالمرأة مثل مفاهيم العورة والفتنة والحجاب وتعدد الزوجات والقوامة·
وترى أن خطا النسويات العربيات تناول موضوعات عالمية مشتركة، مثل التعليم، والعمل، والحقوق فيما يتعلق بالزواج، والتصويت، وفي الوقت نفسه تناول موضوعات أخرى مثل الخروج من دائرة الفصل الجنسي· وعلى خطا المرأة في العالم الثالث، وعلى النقيض من المرأة الأوروبية، فإن المرأة العربية كان لزاما عليها تقليديا أن تشق طريق تعبيرها النسوي وسط مجتمعات زراعية وبدوية تطورت نحو المدنية حديثا، وفي مجتمعات ما تزال الثقافة الموروثة هي المنظم الأهم للحياة اليومية والمصدر الأول للهوية·
وتكمن معضلة النسويات العربيات على المستوى الفكري في الارتباط القوي، الذي تؤكد عليه نسويات الغرب، بين الإسلام ووضع المرأة في المجتمعات الإسلامية· هذا الارتباط الذي غالبا ما يرفض من قبل النسويات العربيات على اعتبار أن المجتمعات الإسلامية هي نتاج تاريخ وأيضا على اعتبار أن الكثير من الممارسات المضطهدة للمرأة لا تستند على أية نصوص دينية·
أما معضلة النسويات العربيات على المستوى المنهجي، فتكمن في موضوعات تدخل ضمن الطرح النسوي، هي موضوعات ذات خصوصية، كما تصنف ثقافيا·
فموضوعات مثل العنف، والاعتداء الجنسي، والعلاقات الأسرية، ومفاهيم كالعفة والشرف لا تستطيع النسوية العربية مناقشتها دون الخضوع لتحفظ مجتمع البحث العربي واللغة العربية·
ويظل النشاط النسوي العربي غير مقيد فقط بعمل جماعي واع ومنظم، بل من الممكن أن يظهر بوصفه عملا يوميا مؤطرا بقليل من الوعي النسوي، أو حتى من دونه·
* المجلة العربية للعلوم الإنسانية - العدد 71 السنة الثامنة عشرة
** دكتوراه في علم الاجتماع - جامعة مانشستر في بريطانيا 1994
· أستاذ مساعد - قسم الاجتماع - جامعة الملك عبدالعزيز - جدة