ثوب العيد
مشاري حمود العميري
جلس الرجل المسكين على كرسي خشبي في أحد أقسام الوزارة التي يعمل بها، وهو يفكر بطلب ابنته التي أوصلها منذ قليل الى المدرسة، فقد كانت تلح عليه بأن يذهب بها وأمها للسوق لشراء ثوب العيد ولوازمه، وكانت الطفلة الصغيرة لا تعلم بأن والدها لا يملك في آخر الشهر إلا بعضا من الدنانير المتبقية من راتبه·
فهو رجل مستخدم ودرجة وظيفته هذه بسيطة، وإن كان قد شارف سنه على التقاعد، بل آخر درجة التقاعد، إلا أنه كان يؤثر البقاء حتى لا يتم خصم بعض الدنانير منه، فراتبه لا يتجاوز الثلاثمئة والعشرين دينارا، وهو يعول أسرته المكونة من ثلاثة، هو وزوجته وابنته الصغيرة التي في الصف الأول المتوسط، والتي رزق بها بعد صبر دام خمسة عشر عاما، تحمل الرجل تلك المدة الطويلة وهو يعالج زوجته، حتى رزقهما الله بهذه البنت التي ملأت عليهما الدنيا قبل دارهما، وإن كان الرجل قد نصحه الكثير من أهله وأصحابه بأن يتزوج بثانية حتى يرزق بولد يحمل اسمه ويخلده، ولكنه كان يصد جميع المحاولات التي تأتيه لتقنعه بين الحين والاخر، لحبه الشديد لزوجته المسكينة التي صبرت على فقره وتحملت قسوة الظروف التي مرت عليهما·
وكان يقول لهم: إن كنت لم أرزق بولد، فقد رزقني الله بهذه الزوجة التي تحملت كل شيء من أجل إسعادي، فأنا والله لأتحمل كل شيء لإسعادها وإن كان الله سيزرقني بولد، فأتمنى أن يرزقني منها·
بهذه البساطة كان يرد على أهله وأصحابه مقنعا نفسه بذلك قبل إقناعهم، الى أن ألفوا منه ذلك، فكفوا عن الحديث عن الزوجة الثانية·
وبينما هو غارق في التفكير، إذا به يسمع بأن الرواتب ستصرف بعد ثلاثة أيام·
هنا تنهد الرجل وقال يخاطب نفسه:
- لم يبق على العيد إلا أسبوع واحد، والصرف بعد ثلاثة أيام، يعني شراء ثوب العيد لابنتي بعد ثلاثة أيام·· ولكن يا لها من أيام طوال·· ويا صبر قلبي على إلحاح ابنتي علي··!
وفي المدرسة جلست ابنته الصغيرة، تسمع صديقاتها وهن يتحدثن عن ثياب العيد الجديدة، وكل واحدة تتحدث عن لباسها الجميل وعن حذائها الجديد والشرائط التي ستضعها على رأسها، والشنطة التي تناسب لون البدلة الجديدة، وكلاما قد أخذ كل تفكير تلك البنت الصغيرة، فكانت زميلاتها يسألنها عن لباسها الجديد للعيد، ما لونه وما شكله وما لون حذائها··!
فتقول لهن بكل ما أوتيت من براءة الأطفال:
- إن والدي أخبرني أنه قبل العيد سيذهب بنا الى السوق لنشتري الثياب الجديدة الجميلة·
إلا أن صديقاتها كن يمازحنها وبعضهن يسخرن منها ويقلن لها:
- الى الآن لم تشتر ملابس العيد، فالعيد قد قرب والملابس الجميلة قد تنفد فلا تستطيعين أن تشتري الجيد منها·
وقالت إحدى صديقاتها:
- إن والدتي هي التي تشتري لي ملابس العيد، فلماذا تنتظرين والدك الى ما قبل العيد ليشتري لك الملابس··؟!
وقالت أخرى:
- إنني قد اشتريت ملابس العيد منذ شهر وأخذنا من أفضل المجمعات التجارية وأجملها، وإن سعر البدلة بثمانين دينارا وإن حذائي بأربعين دينارا وإن·· وإن·· وإن··!
وقالت أخرى:
إن والدتي قد اشترت لي حزاما من الذهب عريضا وبه فصوص من الياقوت، واشترت لأختي كذلك حزاما دقة هندية·!
وقالت أخرى:
- إن ثياب العيد الجديدة اشتريناها من لندن وموديل بدلتي لا يوجد منه في السوق عندنا·
فسرحت الطفلة الصغيرة مع حديث صديقاتها وبدأت تحلم وكأنها مع والدتها في أحد المجمعات التجارية الكبيرة، وترى نفسها وهي سارحة، إنها في داخله وفي أحد المحلات الكبيرة تلبس فستانا، وتضع آخر، وتقيس على رجلها أجمل الأحذية ووالدتها تضع على رأسها ذلك التاج الجميل، ومن ثم رأت نفسها وكأنها في أحد محلات الذهب وهي تلبس على وسطها حزام الذهب·· وبينما هي في ذلك السرحان، إذا بجرس المدرسة يضرب فتفيق من حلمها وتصحو على ضحكات صديقاتها اللاتي رأينها قد سرحت وذهب بها التفكير الى أماكن بعيدة·
وفي البيت سألت أمها عن اليوم الذي ستأخذها فيه الى السوق لتشتري الملابس الجديدة مع والدها·
فقالت لها أمها:
- إن والدك قد أخبرني أنه الى الآن لم يتسلم راتبه الشهري بعد···
قالت الطفلة في ضيق شديد:
- لماذا ينتظر والدي الى أن يتسلم راتبه·؟ ألا يوجد عنده الآن شيء ليشتري لنا ملابس العيد؟
ردت الأم على ابنتها في حسرة وهي تحاول أن تغير الموضوع: يا ابنتي إن والدك أدرى بما يقول·· وإن كانت لديه أموال أخرى فهو يودعها للحاجة·· وأما راتبه فقد قرب ليتسلمه ومن ثم نذهب جميعا لنشتري الملابس·
- إن جميع صديقاتي قد اشترين ملابس العيد يا أمي إلا أنا··!
- لا تقلقي يا ابنتي··فقد قرب اليوم الذي سنذهب ونشتري لك أفضل مما اشترته صديقاتك·
- ولكن صديقاتي يقلن إن الملابس الجميلة قد تنفد من السوق إذا لم نشترها الآن·
- لا تخافي يا ابنتي·· فإن السوق مليء بالملابس الجميلة·
- ولكن الألوان "والموديلات" قد تباع يا أمي··!
استطاعت الأم أن تقنع ابنتها الصغيرة بأن الملابس لا يزال السوق يزخر بها وما هو إلا يوم أو يومان ويذهبون جميعا لشرائها·
ظلت الطفلة الصغيرة تحلم بذلك اليوم القريب الذي وعدتها أمها به، بل إنها وضعت في غرفتها ورقة لتعد الأيام الثلاثة المتبقية يوما بيوم·
وفي الصباح، وقبل أن تفيق الطفلة الصغيرة من نومها كانت الأم تحدث زوجها عن كلام ابنتها وأنها تطلب منها بإلحاح شراء الملابس، وكانت الزوجة المسكينة هي أدرى الناس بحال زوجها وعوزه وعدم قدرته على الإنفاق بالطريقة التي يتمتع بها أقرباؤهم وجيرانهم، ولكنها كانت صابرة وراضية بقضاء الله وقدره، وأن حياتها التي تعيشها مع هذا الزوج الطيب هي السعادة بعينها، فهو زوجها الذي لم تسمع منه في يوم من الأيام كلمة تعكر صفوها أو تضايقها في عيشها، بل إنه كان نعم الزوج لها· ولكن وضعه المتواضع وإدراكه البسيط قد حرمه من أشياء كثيرة، فهو لم يكمل تعليمه بل إنه حاصل على الشهادة الابتدائية فقط، ولم يستطع أن يكمل باقي تعليمه، للظروف التي مر بها في صغره، فهي ظروف دعته أن يترك دراسته ويعمل مع عمه في الدكان، وعندما كبر التحق بإحدى الوزارات مستخدما، ورضي بما قسم الله عليه من عيشة متواضعة بسيطة، وعندما تزوج كان يقتر على نفسه ويحرمها الكثير من الأشياء خشية أن لا يستطيع أن يصرف على زوجته ويوفر لها جميع مستلزماتها وباقي مستلزمات البيت، فراتبه الشهري ما أن يتسلمه في نهاية كل شهر، حتى يبدأ يقسمه عدة أجزاء، فجزء يذهب لأقساط كانت متبقية عليه، وجزء لأكل البيت وحوائجه وجزء لمصروفات ابنته وما تحتاجه طوال الشهر، والباقي يضعه بيد زوجته لمستلزمات البيت الضرورية، ويضع بعض الدنانير معه لشراء الاحتياجات اليومية والطارئة من حليب وخبز وبنزين للسيارة وخلافه·
هكذا كانت حياة ذلك الموظف البسيط الذي لم يكن له طموح أو نظرة مستقبلية رغما عنه، أما أمنيته التي يترقبها وينتظرها، فهي أن يرى ابنته في صحة جيدة وتعيش في سعادة، وأن يراها وقد أكملت تعليمها حتى تحقق لنفسها الكثير مما حرم منه في حياته وتعذب به في صغره·
ولكنه يعلم جيدا أن متطلبات ابنته تزيد يوما بعد يوم، وأن أي طارئ يأتي عليهم يستلزم منه أموالا كثيرة، وأي مناسبة تأتي تتطلب معها مبالغ إضافية، فمثلا في بداية السنة الجديدة للمدارس، كانت تشغله، فمن ملابس جديدة للمدرسة وأحذية الى شنطة مدرسية خاصة كبيرة جديدة وسعرها مرتفع متمشيا مع نوعها الحديث، أضف الى ذلك الأقلام والدفاتر والكشاكيل وأدوات متعددة وملونة، وكل سنة تأتي أشياء بها من "الموديلات" والحركات التي تأخذ عقل الأطفال الصغار، وبعد ذلك انظر الى قيمتها، فالشنطة المدرسية التي تحملها ابنته للمدرسة لا يقل ثمنها عن خمسة دنانير وإن كانت هناك شنطة تفوق هذا السعر ولكن زوجته بالحيلة تستطيع أن تقنع ابنته بشراء الشنطة ذات الخمسة دنانير، وإن جاءت مناسبة سعيدة مثل العيد هذا، فهو فرحة للأطفال الأبرياء الذين لا يفقهون معاني الضيق التي يبتلي بها بعض الآباء، وهذا الرجل المسكين منهم، فهي فرحة ينتظرها الأبناء الصغار بقدوم العيد عليهم، كي يلبسوا فيه أجمل الملابس ويضعوا فيه الطيب، والبنات يضعن الحمرة والكحل وبعضا من المكياج ويذهب بعض منهم الى صالون السيدات كي يسرحن شعرهن، فهو يوم لا يأتي في العام إلا مرتين عيد الأضحى وعيد الفطر·
أما من أين يأتي آباؤهم بالمال فهذا ليس من اختصاصهم، المهم أنهم يذهبون الى السوق ويشترون جميع حوائجهم ويضعونها عند رؤوسهم ليلة العيد حتى إذا ما أفاقوا من نومهم وجدوا ملابسهم جميعها والحذاء والشنطة أمام أنظارهم·
هكذا فرحة العيد، وهكذا يحلم الأطفال بذلك اليوم السعيد·
وفي الصباح·· همست الزوجة بكل هدوء لزوجها بأن يسأل الوزارة متى سيصرفون راتبه الشهري؟ وإن ابنتهما الصغيرة تلح كل يوم لشراء الملابس الجديدة، وأنها استطاعت بكل ما أوتيت من إقناع أن تخفف من طلبها اليومي لذلك·
فهز الرجل رأسه لزوجته وهو يقرها على مطلبها، وبأنه سوف يذهب الى المسؤول في الوزارة اليوم ليسأل عن استعجال صرف راتبه·
وقبل أن ينهي الرجل إفطاره، لاحت في ذهن زوجته فكرة فقالت وهي مستبشرة بتلك الفكرة التي خطرت على بالها:
- لماذا لا نذهب اليوم في المساء الى السوق ونأخذ ابنتنا معنا، ونختار لها الملابس والحذاء والشنطة التي تناسبها؟! ومن ثم نتفق مع أصحاب المحلات أن يضعوها عندهم لتأتي أنت بعد أن تتسلم راتبك وتدفع لهم المبلغ وتأخذ منهم الملابس والحذاء والشنطة·· ما رأيك·· أليست هذه فكرة حسنة·؟!
انشرح صدر الرجل المسكين لفكرة زوجته ووافقها على ذلك بأنهم سيذهبون اليوم في المساء الى السوق لاختيار ما يلزمهم فقال:
- إذن موعدنا اليوم مساء·
قامت الزوجة مسرعة لتوقظ ابنتها وتخبرها بذلك الخبر السار·
فما أن سمعت ابنتهما بذلك الخبر حتى قفزت من سريرها تقبل أمها فرحة لذلك الخبر السعيد·
فذهبت الى المدرسة وهي مسرورة جدا وتريد فقط أن ترى صديقاتها لتخبرهن بذلك الخبر الذي تلقته صباحا، تريد أن تقول: أنا اليوم سوف أذهب الى السوق لشراء ملابس العيد وشراء الحذاء الجميل والشنطة التي تتناسب مع البدلة والحذاء·
وفي طابور الصباح وقبل أن تدخل الى الفصل لم يكن بها أي صبر، بل إن خبر ذهابها الى السوق يكاد يقفز من رأسها فلا تستطيع أن تكتمه حتى انتهاء تمارين الصباح في الطابور ووصولها الى الفصل·
فقالت وهي تهمس بأذن صديقتها:
- اليوم في المساء سأذهب مع أمي وأبي الى السوق·· لشراء·· وقبل أن تكمل باقي حديثها هتفت بها مدرسة الألعاب التي تلقي عليهن تمارين الصباح، بأن تخرج من الصف وتقف عند سارية العلم عقابا لها على عدم التزامها بتعليمات المدرسة، بعدم التكلم في طابور الصباح والتقيد بالحركات الرياضية·
وقفت الطفلة عند تلك السارية، فذهب بها الفكر الى ما هو أكبر من ذلك، إنها لم تشعر بذلك العقاب بمثل ما تشعر بتلك السعادة الغامرة التي كانت بها، وإن كان هذا العقاب هو مهانة لها أمام صديقاتها، إلا أن الفرحة التي تعتريها قد خففت عنها ذلك العقاب·
وفي الفصل وبعد العقاب·· استطاعت أن تخبر زميلاتها المقربات عن ذلك الخبر السار التي نقلته من والدتها، وأنها في الغد سوف تحدثهن عما اشترته كما هن حدثنها في السابق عن الذي اشترينه·
ما أن وصل الزوج الى مكان عمله حتى توجه الى مسؤوله المباشر ليسأله عن إمكانية استعجال صرف راتبه الشهري، ولكنه بدأ يفكر جاهدا بإيجاد الكلمات التي تسعفه عندما يحدث المسؤول، ولكنه خجل من نفسه، فكيف يقول للمسؤول استعجلوا في إعطائي الراتب ومنذ يومين قد سمع أن الراتب سيصرف بعد ثلاثة أيام، ثم أنه قد اتفق مع زوجته في الصباح على أنهم سوف يذهبون في المساء الى السوق لأخذ قياس الملابس ونوعها وحجزها الى أن يتسلم راتبه ثم يأتي لشرائها، ولكنه مع هذا أراد أن يستعجل أخذ الراتب كي يسعد ابنته ولا يؤلمها بأخذها الى السوق وارجاعها دون أن يشتري لها ثوب العيد·
وقف عند باب المسؤول لحظات وهو متردد، وبأي كلمة سيبدأ حديثه معه·· ثم بدأ يقرأ بعض الآيات القرآنية وقبل أن يضع يده على يد الباب·· إذا بالباب ينفتح في وجهه وإذا بالمسؤول وهو خارج من مكتبه، فارتبك الرجل لذلك الموقف المحرج، ولكن المسؤول بادره قائلا في استغراب:
- لماذا أنت واقف عند بابي هكذا··؟
فازداد الرجل ارتباكا وأراد أن يتكلم فلم يستطع أن يهمس أو يتفوه ببنت شفة، إن الإحراج وإراقة ماء الوجه أمام الرجال له وقع قاس على النفس الكريمة، وهو الأمر الذي لم يعتد عليه قط·· فهو مسالم بطبعه عفيف في عيشه وحياته، لا يريد أن يعلم أي أحد عن حاله ووضعه ولكنه الآن ماذا يفعل وماذا يقول للمسؤول الذي أصبح أمامه ويسأله عن سبب وقوفه بالباب·
فكرر المسؤول عليه السؤال مرة أخرى وبطريقة لم تخل من القسوة·
فقال الرجل المسكين وهو ينتزع الكلمات من جوفه:
- ألا يمكن أن تستعجلوا في إعطائي الراتب·· لأن·· وذلك لأن·· ثم صمت دون أن يكمل باقي ما يريد أن يقوله·
هنا نظر إليه المسؤول بازدراء شديد·· وبسخرية كذلك، ثم قال له:
- وأنت يا رجل الى الآن لم تستوعب ما أخبروك منذ يومين بأن الرواتب ستصرف قبل العيد بثلاثة أيام أو أربعة؟ أم أنك أفضل من غيرك من الموظفين والمستخدمين؟ أم تعتقد أن الرواتب في جيبي أو في درجي أعطيها لمن أشاء··؟!
ثم ترك الرجل المسكين وذهب عنه·
لم يعقب الرجل على كلام المسؤول، بل أحس بالعرق يأكل وجهه من شدة ذلك الموقف وقسوة رد المسؤول عليه غير المتوقع، ثم أنه جرجر رجليه حتى استطاع أن يصل الى مكان عمله ليرتمي على أقرب كرسي يصادفه، وظل لحظات حتى هدأت نفسه من شدة الصدمة التي مر بها، إلا أنه عاود التفكير بابنته وبإلحاحها المستمر، ثم تذكر قول زوجته له في الصباح وفكرتها التي ستعينه على الاستعداد للشراء قبل صرف الرواتب·
وفي المساء وبعد صلاة المغرب، كانت سيارته القديمة تشق طريقها الى السوق، وكانت ابنتهما سعيدة جدا فهي تريد أن تشتري ثياب العيد الجديدة، وكم طال انتظار هذا اليوم عندها، وإن زميلاتها جميعا اشترين ملابس العيد وحوائجه·· إلا هي·· وها هو الآن قد جاء اليوم الذي ستشتري فيه مثل زميلاتها، وكانت تنظر الى المحلات والى الناس وهم خارجون منها·· الكل يحمل بيده أكياسا بها ثياب العيد الجديدة·
وما هي إلا لحظات حتى كانت الأسرة في أحد المحلات التجارية وبين زحام الناس كانت الأم تلبس ابنتها ذلك الثوب الجميل وابنتها في غاية السعادة بعد أن وجدته أفضل الموجود فاختارت اللون الذي يناسبها وكذلك الحذاء الجميل والشنطة وعندها سعد الأب بسعادة ابنته الصغيرة وهي تحمل ثوبها وشنطتها وحذاءها الى صاحب المحل ولكن الفرحة لم تدم عندما قال الأب لصاحب المحل:
- نريد أن نترك هذه الأشياء التي اختارتها ابنتي الى الغد أو بعد غد·· وسوف آتي إليك لأعطيك المبلغ المتفق عليه وعندها تسلمني هذه الملابس·
تردد صاحب المحل في القبول أو الموافقة·· ولكنه عندما شاهد البنت الصغيرة وبعينيها الدموع تكاد أن تسقط وفي وجهها الحزن، وافق على قول الرجل، ولكن ابنتهما الصغيرة أبت في بادئ الأمر الخروج من المحل، ولكن أمها همست بها قائلة:
- لا تخافي يا بنتي، سيأتي والدك غدا أو بعد غد ليأخذ منه جميع ما اخترتيه·
ولكن ابنتها قاطعت والدتها والحسرة بادية عليها والعبارات تخنقها··
- أريد الان ثوبي الذي اخترته وكذلك الشنطة والحذاء·· أرجوك يا أمي·· فأخشى أن يبيعها صاحب المحل·
- تعالي أنت الآن الى خارج المحل·· ووالدك قد أخذ عهدا من صاحب المحل أنه سيتركها الى أن يأتيه في الغد أو بعد الغد ليعطيه المال ويأخذ ثوبك الجميل وحذاءك وشنطتك·
خرج الجميع من المحل ولم يدر أي حديث بينهم، الكل صامت ولا ينظر أحد للآخر، فالبنت الصغيرة رجعت مكسورة الخاطر·· فرمت بنفسها على المقعد الخلفي وهي تبكي بصوت خافت، والأم يعصرها الألم، والرجل المسكين يسير بسيارته ببطء شديد وهو يهيم فأفكار في كل جانب وصوب، وينتظر الغد الذي سيصرفون له راتبه لينهي هذه الأزمة التي حلت في أسرته·
إن العيد عبارة عن سعادة وفرح وبهجة للأبناء ولكن بالنسبة لهؤلاء البسطاء الذين لا يستطيعون أن يسعدوا أولادهم بالشيء اليسير من متطلبات الحياة يصبح العيد عندهم تعاسة وشقاء، فسعادتهم تكمن بإسعاد أبنائهم لا بشقائهم أو بضيقهم الذي يتجرعه الآباء والأمهات كلما حلت مناسبة سعيدة، لأنهم لا يملكون ضروريات السعادة الكاملة للأبناء الصغار الذين هم كذلك لا يعانون ما يعانيه الأب والأم من قلة المال في أيديهما·· فعقولهم أصغر من ذلك ولا تستوعب ذلك أساسا·· المهم أن يلبسوا وأن يكونوا مثل غيرهم، أما من أين يأتي الأب بالمال فهذا ليس من شأنهم التفكير فيه أو السؤال عنه·
وعند وصولهم الى البيت، دخلت ابنتهما الصغيرة وهي تبكي وذهبت مسرعة الى حجرتها ورمت بجسدها على السرير وهي تجهش بالبكاء الحار المسموع، فدخلت عليها أمها وهي تربت على ظهرها وتحلف لها أن والدها في الغد سيأتي بالملابس الجديدة، وحاولت الأم جاهدة أن تقنع ابنتها إلا أن بكاء الصغيرة جعل الأم تشاركها في بكاء حار هي كذلك·
لم يستطع الأب المسكين أن يتحمل منظر ابنته وزوجته وهما تبكيان، بل إنه آثر أن ينسحب بهدوء من حجرته لينام، والحقيقة أنه حاول أن يهرب من ذلك الموقف بالنوم، ولكنه لم يستطع أن ينام أو يغفو له جفن طوال الليل وكان ينتظر الصبح متى يحل عليه حتى يذهب الى مكان عمله لعلهم يصرفون راتبه كي ينفك من هذه الأزمة التي حلت به·
وفي الصباح الباكر، انسل الأب دون أن يشعر به أحد بسبب الشعور الذي تملكه فجعله يذهب قبل أن يفيق أهله من منامهم، فليس أمامه اليوم إلا أن يتسلم راتبه ويتجه على الفور الى المحل الذي اتفق معه بالأمس·
وصل الرجل الى مكان عمله حتى قبل أن تفتح الدائرة أبوابها وظل جالسا عند حارس المبنى الى أن حان وقت العمل وبدأ الموظفون بالتوافد الواحد تلو الآخر، الى أن دبت الروح في جسد العمل، فسمع من يقول بأن الرواتب سيتم صرفها بعد ساعة أو ساعتين·
اتجه الرجل الى قسم الصندوق وجلس بجواره ينتظر بدء التوزيع، وما هي إلا لحظات حتى تم توزيع الرواتب علي كبار المسؤولين، ثم جاء دوره لتسلم راتبه، وبعد أن وقع عند اسمه وتسلم راتبه، دسه في محفظته واستأذن من مسؤوله وانطلق على الفور الى محل الأمس·
وفي الطريق كانت سعادته لا توصف، بل إنه في نشوة يعتقد أن الناس لو علموا ما به في هذه اللحظة لحسدوه، كان ينظر الى الناس بانشراح وكأنه يريد أن يخبر كل من في الطريق إنه ذاهب لشراء ثياب العيد التي حجزها بالأمس لابنته الغالية التي لا يملك في الدنيا أغلى منها وبدأ يخاطب نفسه في نشوة وسرور:
- الآن ها هو راتبي في جيبي وسوف أشتري حوائج ابنتي التي ستستقبلني عند الباب وهي ضاحكة وستقبلني على خدي وعلى جبهتي ورأسي من فوق، هكذا اعتادت حبيبتي وابنتي أن تستقبلني دوما، الآن ها أنا قادم، فقط لحظات وأصل الى المحل دقائق بعدها سأكون في البيت·· ثم أنت يا زوجتي الغالية·· سوف آخذك في المساء لأشتري لك ما تحتاجينه من ثياب·· إني أعلم أنها بأمس الحاجة للثياب الجديدة، ولكنها تؤثر ابنتها على نفسها، ولكن اليوم تسلمت الراتب - والحمد لله - وأظنه سيكفينا لشراء ما نحتاجه جميعا ورب البيت الكريم·
أوقف الرجل سيارته في موقف السيارات ثم اتجه مسرعا الى المحل وإذا به مكتظ بالناس، فالعيد قد أقبل والأهالي يتسارعون الى السوق، حاول جاهدا أن يدخل المحل وبين زحام المشترين استطاع أن يصل الى صاحب المحل وبدأ يعرفه بنفسه وبأنه صاحب الأمانة التي اختارها بالأمس وأنه جاء ليدفع المبلغ المتفق عليه، فأومأ له صاحب المحل بالانتظار لحظة حتى ينهي ما بيده من تسلم مبالغ المشترين·
وفي تلك الفترة التي وقف ينتظر فيها صاحب المحل، أخرج حافظة نقوده ليخرج منها المبلغ المطلوب ليدفعه لصاحب المحل، فبدأ يعد المبلغ ولكن زحام الناس جعله يتراجع ويضع ماله في حافظة نقوده ويرجعها الى جيبه مسرعا· وبعد لحظات هتف به صاحب المحل وهو حامل عدة أكياس بها حوائج ابنته المتفق عليها، فذهب الرجل إليه مسرعا وأخذها من يده ووضعها على الأرض بين رجليه ليخرج له المبلغ المتفق عليه، ولكن الرجل عندما وضع يده في جيبه لم يجد حافظة نقودة، فخفق قلبه حتى كاد يسقط الرجل من طوله، ثم بحركة سريعة بحث عنها في جيبه الآخر ولكن دون جدوى، وفي جيبه الأعلى، ولكن حافظة نقوده قد اختفت!·· فاهتز الرجل ودارت به الدنيا وأظلمت في وجهه·· فبدأ يبحث في المحل هنا وهناك وبين زحام المشترين ظل يحاول جاهدا أن يجدها، ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل، وفي تلك اللحظة انشغل عنه صاحب المحل الذي حمل الملابس من على الأرض وعن طريق المشترين وانشغل معهن في البيع والشراء·
خرج الرجل من المحل منهوك القوى هائما علي وجهه لا يدري الى أين يذهب؟ وأين يروح؟!·· الدنيا كلها ظلام دامس في عينيه، لا يعرف كيف يتصرف، أحشاؤه تتمزق من الداخل وعيناه تدمعان··!·
وبدأ يسأل نفسه: أين أذهب·؟ وماذا أقول لابنتي الآن عندما أقدم عليها··؟ وإن كل ما أملكه اليوم قد ضاع من بين يدي·· كيف أتصرف··؟
إني لا أحسن أن أخبر أحدا عما جرى لي هذه الساعة·· أأذهب الى الشرطة؟
وماذا ستفعل الشرطة إذا كان أحد سرق حافظة نقودي وبها راتبي وجميع أوراقي وثبوتياتي وما أملك·· ثم ماذا سيقولون لي··؟
إنني أخشى حتى من نظرات الشفقة علي من رجال الشرطة·· يا ربي أعني· يا ربي ابنتي التي لا تعلم ولا تستوعب مثل هذا الموقف الصعب الذي وقعت به، وكذلك زوجتي التي لم أشتر لها أي شيء وأنا أنظر في عينيها الحاجة ولكنها لا تستطيع أن تتكلم لعلمها ما أنا فيه من الضيق والعوز·
إني لا أستطيع أن أرجع الى البيت هذه الساعة، لا أستطيع أن أخذل ابنتي البريئة وهي تنتظرني على أشد من الجمر·· فإن رأتني الآن قد اقبلت عليها فإنها تكاد تطير من الفرحة وكأني أراها وهي تجري تفتح أبواب السيارة كلها تبحث عن ثيابها الجديدة، وإن لم تجد شيئا، اعتقدت أني أمازحها وأني وضعت ثيابها في صندوق السيارة الخلفي، وهكذا براءة الأطفال، لا يعرفون الخديعة ولا المكر ولا هذه السرقة التي حرمتني من إسعادها في أسعد يوم كانت تنتظره، بل إن ثيابها الجديدة هذه تفوق أي شيء عندها في هذه الساعة وإن العيد لديها بل لدينا جميعا لن يكتمل ما لم تلبس فيه ثيابها الجديدة·
آه يا ربي·· ماذا أفعل هذه الساعة؟·· والى أي طريق أتجه الآن؟·· إني لا أكاد أفهم ماذا يجري على هذه الأرض؟ ولا أعلم ماذا سيكون حال ذلك الإنسان السارق الذي حرم ابنتي الصغيرة سعادتها المنتظرة؟·· ماذا أفعل··؟ هل أذهب الى البيت لأخبرهم بالحقيقة المرة التي وقعت فيها··؟!
وما ذنب ابنتي الصغيرة بذلك··؟
وتزاحمت الهموم على رأس الرجل المسكين·· الأمر الذي جعله يسير ببطء شديد فحتى سيارته شاركته نفس الشعور بسيرها البطيء المتثاقل·· الى أن وصل الى ساحل البحر، فأوقف سيارته وبدأ ينظر الى البحر وهو غارق في التفكير لا يدري ماذا يفعل·· ولا أين يروح، ومن الذي سيشاركه همه هذا الذي وقع فيه·· فيفرج عنه هذا الهم والغم، وظل على تلك الحالة الى أن بدأت الشمس في المغيب، هنا أفاق من تفكيره وأحس أنه تأخر ما فيه الكفاية وأن عليه الآن أن يذهب الى بيته ليصارح زوجته بالأمر الذي حدث ويضعها أمام الأمر الواقع، وثم الآن بتأخره قد يربك أهله ويجعلهم يبحثون عنه في كل مكان، فلم يعتد على أن يتأخر عن البيت مطلقا، أما اليوم فمن المؤكد أن زوجته وابنته الآن في حالة لا يعلم بها إلا الله·
بدأت السيارة مثقلة بهمومه تسير ببطء شديد متجهة الى بيته والرجل خائر القوى متعب ومنهك الأعصاب، عيناه غائرتان لا يدري ماذا سيقول لزوجته وابنته التي تنتظره الآن عند باب البيت؟
ولكنه بدأ يدعو الله بضراعة وخشوع ويقول بصوت خافت: "اللهم يا ربي هون علي بلوتي وآمن روعتي وروعة ابنتي وزوجتي، فإنك بي رحيم وعلي كفيل، وأنك علي كل شيء قدير يا أرحم الراحمين، أنا عبدك الضعيف المتعب المنهك، لا حول ولا قوة لي ولا بيدي شيء ولا أستطيع عمل شيء إلا برحمتك يا أرحم الراحمين، يا ربي إن كان من سرق مالي ورزقي وقوت أهلي هو أحوج مني إليه فاللهم بارك له فيه وأخلفني خيرا منه واجعل سرقته هذه آخر ذنب يرتكبه وتب عليه يا رب العالمين، اللهم إني أسألك باسمك العظيم يا ذا الجلال والإكرام أن تفرج كربي وأن تسعد ابنتي وأن تخلف علي، إنك على كل شيء قدير"·
ثم إنه بعد هذا الدعاء هدأت نفسه وارتاح قلبه وعقله، ووقفت سيارته أمام بيته ولم يجد ابنته كما كان يتوقع أنها تنتظره عند الباب·
فنزل من سيارته واتجه الى داخل البيت وإذا بزوجته تأتيه وهي تبكي بكاء حارا وتقبل رأسه، فكاد الرجل أن يهوى على الأرض من ذلك المنظر، إلا أن زوجته بدأت تنادي على ابنتها الصغيرة والزوج في صدمة لا يدري ماذا يفعل وماذا يقول لهما·· وزوجته تقبل رأسه وهي تبكي·
سمع صوت ابنته من الداخل وهي تهتف بوالدها فرحة سعيدة·· ودخلت الى الصالة وإذا به يراها قد ارتدت ثياب العيد جميعا··! نعم الثياب التي حجزها بالأمس، الثوب والحذاء والشنطة والتاج·· يا إلهي·· ما هذا الذي أنظر إليه··؟ إنها بركة الله نزلت علي··!
هل أنا بحلم أم بعلم·· فرمت ابنته الصغيرة بنفسها على صدر والدها وراحت تقبله على وجنتيه ورأسه·· فاحتض الرجل صغيرته وهو يقبلها ويتلمس ثيابها وعيناه تدمعان وهو يردد في استغراب·· كيف حصل ذلك··؟!
إني لا أفهم ماذا يحدث في البيت الآن··!
فقطعت زوجته عليه تساؤلاته المتكررة وقالت:
- لقد تأخرت علينا ولم تأت في موعدك، وبينما نحن كذلك إذا بأحد على الباب يسأل عن اسمك فأخبرته إنك لم تأت الى الآن·· فقال الرجل أنه وجد حافظة نقودك في إحدى المحلات التجارية، وعندما فتحها استطاع أن يصل الى بيتنا من العنوان الموجود على بطاقتك المدنية، وأحضر المحفظة وبها معاشك لم ينقص منه شيء، فشكرته على أمانته ثم ذهب وهو يردد إنه مال حلال ودعا الله سبحانه أن يبارك لنا فيه·
فلما رأيتك قد غبت عنا هذه الساعات، علمت أنك تبحث عن حافظة نقودك، وفي العصر شق علينا وابنتك الانتظار، وخشيت أن يبيع صاحب المحل ثياب ابنتنا فذهبت وأحضرت الثوب والشنطة والحذاء والتاج، وجئنا الى البيت، وتمنيت من الله سبحانه وتعالى أن يأتي بك إلينا وترى بعينك ثياب ابنتك الجميلة وهي ترتديها فرحة بها أمامك الآن·