الملف العراقي فرض نفسه خلال الأسبوعين الماضيين واحتل الأولوية في اهتمام الأوساط الحكومية والبرلمانية والسياسية في الكويت، ليس فقط بسبب تصريحات عدي صدام حسين واقتراحه ضم الكويت إلى "خريطة العراق"، بل أيضاً بالنظر إلى الاهتمام الإقليمي بالتبدل الحاصل في الإدارة الأمريكية، وتأثير ذلك على الأزمة العراقية· ومع أن وزير الخارجية الأمريكي الجديد الجنرال كولن باول أكد استمرارية السياسة الخارجية للولايات المتحدة "مع بعض التعديلات"، إلا أن مصدراً دبلوماسياً مطلعاً أكد لـ "الطليعة" أن المرحلة المقبلة ستشهد خلطاً معيناً للأوراق ربما يستلزم استنفاراً دبلوماسياً أمريكياً لمنع العراق من الإفادة من "الوقت الضائع" لتحقيق بعض أهدافه القمعية والعدوانية قبل أن تترسخ أقدام الإدارة الجديدة في واشنطن·
إلا أن المشكلة التي برزت عندنا في الكويت سواء قبل تهديدات عدي أو بعدها، هي في الارتباك الإعلامي والدبلوماسي وعدم وجود سياسة متكاملة للرد على التحركات العراقية، وفي الوقت نفسه العجز عن استيعاب وتطويق النجاحات والاختراقات المهمة التي حققها النظام العراقي في المدة الأخيرة، سواء في زيارات أبرز أركان النظام إلى دول يزورونها للمرة الأولى، أو العقود والاتفاقات التجارية والسياحية والنقل الجوي ورحلات الطيران المدني·· أو بالنسبة للتحركات التضامنية العربية والخارجية مع الشعب العراقي والتي يحاول نظام بغداد توظيفها لمصلحته·
ولاحظت أوساط سياسية أن هناك قصوراً واضحاً ونوعاً من الحرج في كيفية الرد على طروحات النظام العراقي والعديد من القوى التي انفتحت عليه لسبب أو لآخر·
وأضافت أن العراق قد كسب إعلامياً وإلى حد بعيد، حتى في المساجلات التلفزيونية مع بعض الشخصيات الكويتية، من رسمية وغير رسمية·
واستغربت الأوساط عدم وجود تحضير مسبق للرد على الأسئلة المحرجة في المحطات التلفزيونية والإذاعية وفي الصحافة الدولية، على المواقف والتحركات العراقية وما يرتبط بها·
وطالبت بالخروج من "سياسة الشرنقة"، وبأن لا يصعد أحد إلى أي منبر "فضائي" أو "أرضي" إلا بعد التزود من المراجع المختصة من حكومية وإعلامية وغيرها، بالوثائق والوقائع والأدلة على هذه أو تلك من النقاط المثارة سابقاً، أو الممكن إثارتها في أي وقت·
إلا أن العلة في عدم وجود مركز أو جهاز خاص يتبع وزارة الخارجية أو الإعلام ومتمتع بالقدرة وبالفعالية والسرعة في التحرك، وقادر على تزويد الشخصيات السياسية أو الفكرية أو الديبلوماسية أو الإعلامية الكويتية (أو الصديقة للكويت) بما تحتاجه قبل أن تحصل هذه المواجهة الإعلامية أو تلك، وإعداد للأسئلة المتوقعة المحرجة وغير المحرجة، وتجهيز ردود مدعمة بالمعلومات والأرقام والحقائق·
فالحاصل أن بعض الشخصيات الكويتية عندما تستضاف في المحطات الفضائية غالباً ما تفاجأ بأسئلة (متوقعة) محرجة وتكون ردودها اجتهادات شخصية من دون سابق إعداد أو تحضير مما يوقعها في حرج شديد على شاشة فضائية يسمعها ويشاهدها الآلاف إن لم يكن الملايين من الجمهور، بل يجعل الكويت بأكملها في وضع لا تحسد عليه من حرج سياسي·
فهل يعقل أن بلداً مثل الكويت يملك الإمكانات والطاقات يتعرض إلى كل هذا الاستخفاف السياسي والإعلامي على مرأى ومسمع الرأي العام العربي والدولي دون أدنى مسؤولية أو اهتمام من السلطات العليا؟
واستنكرت الأوساط عجز الدبلوماسية والمكاتب الإعلامية في الخارج من جهة وفشل الإعلام الكويتي من جهة ثانية على مواجهة الادعاءات العراقية· واستغربت كيف أننا وبعد مرور عشر سنوات من الغزو العراقي مازلنا عاجزين حتى على محاورة الآخرين والرد على أسئلتهم حتى أصبحت الكويت (المجني عليها) في نظر الآخرين الجاني والنظام العراقي هو الضحية·
وفي الواقع، ففي البلدان التي تحترم مقومات العمل الديبلوماسي والإعلامي الصحيح يكون هناك خطة متكاملة منسقة، ويتم الاحتياط لكل مسألة ستطرح، ويجري تزويد الشخصيات والجهات المعنية بالحوادث والمساجلات مع الخصوم بملفات كاملة عن القضايا المطروحة، ومع استحداث التقنيات الحديثة كافة ووسائل الاتصال العصرية في هذا المجال·
ففي فرنسا مثلاً، هناك ورشة عمل يومية في وزارة الخارجية تقوم بتحضير الإجابات على أية قضية قد يطرحها أي صحافي أو مراسل·· أو متصل بقسم الإعلام أو بالناطق الرسمي باسم الخارجية·
ورشة العمل هذه تبدأ منذ الثامنة صباحاً·· والناطق (أو الناطقة) باسم وزارة الخارجية ينهمك في استشارة المعنيين، بدءاً بوزير الخارجية ووصولاً إلى مدراء الأجهزة المختصة، حول جميع النقاط المتعلقة بهذا أو ذاك حتى الملفات التي "تنفتح" في ضوء المؤتمر الصحافي اليومي أو بيان هذا الناطق·
ولا تكتفي دوائر الخارجية بتزويد الناطق الرسمي ومدير الوزارة بكل ما تحتاجه، وإنما تلح عليهما لكي يضعا برنامجاً أسبوعياً وبرنامجاً شهرياً للتحرك الإعلامي المنتظم، يضاف إليه كيفية التعامل مع المستجدات والمفاجات في هذه الأزمة الخارجية أو تلك·
أجل·· هذا ما يجري في بلد كفرنسا لديه تجربة في العمل الدبلوماسي والإعلامي منذ مئات السنين ولا يزال قادته خائفين من الوقوع في الزلل أو الشطط أو الحرج أمام حملات معينة للخصوم أو المنافسين، داخل الاتحاد الأوروبي أو في أمريكا وغيرها!
أما عندنا في الكويت فيلاحظ أن هناك إغفالاً مفجعاً لهذه الوسائل البديهية في التنسيق، وفي التخطيط لمقارعة الخصم وفضحه من الداخل ودون الاكتفاء بالردود الروتينية و"الدفاعية" على هجومه الإعلامي·
ويزيد من الطين بلة، هذه الفوضى في تحديد المسؤوليات -إذا كانت هناك مسؤوليات أصلاً- وهذا الإصرار على وضع الإنسان غير المناسب في كل مكان وإبعاد الكفاءات! وبالتالي فإن البلاد تدفع ثمن هذا الضعف وهذه الهشاشة مع انها تملك أقوى حجة وأقوى قضية من نوعها في مواجهة محتل غاصب حاول محو البلاد من على خريطة العالم ويقوم بتجويع شعبه وباستغلال معاناته ثم "يتبرع" بالأموال الطائلة هنا وهناك·