رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 22 شوال 1421هـ الموافق 17 يناير 2001
العدد 1461

أبعد من ملوحة البحر ومن آبار الجوف
مياه الخليج الأزمة المنسية والأرقام الخفية

·     بينما وحداتها - القائمة الآن - في طريقها إلى انتهاء عمرها الاقتصادي ومع التوسع في خطط الخصخصة  والإنفاق العسكري·· دول المنطقة ترجئ إنشاء مشروعات جديدة لتحلية مياه البحر بسبب قيود الميزانية!

·   حكومات الخليج لم تخصص في ميزانياتها حصصا كافية من التمويل للكشف عن التسرب وبرامج الصيانة وتقييم شبكات توصيل المياه

·  افتقاد التعاون والتنسيق محليا وإقليميا وغياب القواعد التشريعية من شأنه أن يثير النزاعات

·     لا بد من إقامة وحدات معالجة مياه الصرف الصحي لمواجهة تزايد النفايات الناجمة عن التوسع

·  قد يؤدي استيراد المياه إلى تخفيف  حالة العجز في المنطقة لكن هناك قلقا إزاء النتائج السياسية

 

 

إعداد فوزية أبل:

تطرقنا في السابق إلى استعراض مشكلات المياه في العالم العربي، واليوم نتطرق الى الجانب المائي الخليجي فائق الأهمية بالنسبة لبلدان المنطقة، لأن هذه الدول خصصت قسما من إمكاناتها لمعالجة الجفاف من جهة وتحلية مياه البحر من جهة ثانية، لكنها ربما لم تأخذ بعين الاعتبار الكثير من العوامل الأخرى ومنها التكاليف المرتفعة وأيضا وجود صعوبات تقنية بالنسبة للتحلية·

فهذه المشكلة يعالجها كتاب "المياه في العالم العربي·· آفاق واحتمالات المستقبل" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، فعندما نتصفح فصول الكتاب خصوصاً الفصل السابع (المياه في شبه الجزيرة العربية·· المشكلات وآفاق المستقبل) فإننا نجد التركيز الخاص علي منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية وهو ما كان قد أهمل الى حد بعيد من جانب المؤسسات والمراكز المعنية بقضية المياه، لأن معظمها يركز فقط على الخلاف بين الدول العربية وبعض الدول المحيطة بها والتي تستأثر بالجانب الكبير من الموارد المائية (إسرائيل وتركيا وأثيوبيا)· وقد اخترنا بعض المقتطفات المهمة والمنتقاة من الكتاب الضخم، علها تحقق الغاية المرجوة والفائدة الجمة حول قضايا هامة قد تكون في المستقبل على رأس القضايا الشائكة·

 

* * *

 

نظرة شاملة

 

إذا نظرنا الى مشكلات موارد المياه في المنطقة، في ضوء قضية الجفاف الأساسية، فسنجد أنها كثيرة· منها صعوبة احتجاز المياه السطحية الجارية من الأمطار - وهي في الأصل قليلة جدا أو متقطعة - والإفراط في الاستهلاك، ونفاد المياه الجوفية الحبيسة، وتسلل المياه المالحة الى مصادر المياه العذبة، وتلوث مستودعات المياه الجوفية الضحلة، وقصور دور المؤسسات المعنية بشؤون المياه، ونقص العمالة المدربة، وسوء الإدارة· وقد تم استغلال الغالبية العظمى من موارد المياه القابلة للتجدد استغلالا كاملا، فمستودعات المياه الجوفية الحبيسة - الضحلة منها والعميقة - تستنزف بمعدل متسارع، بغية تلبية الطلب المتزايد على المياه لأغراض الري·

جدير بالذكر أن المياه المخصصة للتنمية الزراعية معفاة من الرسوم، ومياه الاستعمال المنزلي تحظى بدعم مادي كبير، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد أساسا على تحلية مياه البحر، حيث يدفع المستهلك فقط حوالي عشر تكاليف الإنتاج الفعلية· وقد شجع انعدام الرسوم أحيانا، وانخفاضها الشديد أحيانا أخرى، على الإفراط في الاستهلاك· وأدى هذا الى الاستخراج المكثف لاحتياطي المياه الجوفية، ومن ثم الى زيادة هائلة في حجم الناتج من مياه الصرف، مسببا تلوث بعض مصادر المياه الجوفية· ورغم محدودية الموارد الطبيعية للمياه، والإفراط في الاستهلاك، لا توجد سياسات شاملة، سواء على المستوى القومي أو الإقليمي، كما لا توجد خطط لتقييم موارد المياه وتطويرها وإدارتها· ففي الماضي كانت السياسيات المفككة - الخاصة بكل دولة على حدة - ترتكز على تنمية قطاع اقتصادي معين، دون اعتبار للآثار المترتبة على قطاعات أخرى· ففي الزراعة حدث توسع كبير لتوفير الاكتفاء الذاتي من الغذاء، حتى بلغ إنتاج الحبوب الآن مستوى التصدير· وتم تطوير موارد المياه دون أن تواكبها برامج للحفاظ على المياه· أما البرامج الطموحة - لإعادة استعمال مياه الصرف الصحي - فقد وضعت دون اعتماد الإجراءات الضرورية لتنفيذ اللوائح المتعلقة بها· وتتركز برامج موارد المياه عادة على مجالات محددة، مثل توصيل المياه والتحكم في الفيضان وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، ولكن دون أن يتضمنها نهج شامل أو متكامل· وليست لدى الغالبية العظمى من دول شبه الجزيرة العربية خطط جاهزة للتنفيذ بخصوص موضوع توفير المياه· والخطط الموجودة حاليا بحاجة الى تحديث وإعادة تقييم· والضعف في الترتيبات المؤسساتية القائمة يشكل عقبة كأداء، فقد تضاعف عدد الجهات المسؤولة عن شؤون المياه، مما أسفر عن تداخل في المسؤوليات وازدواج في الجهود· ولا شك أن افتقاد التعاون والتنسيق بين مختلف الجهات - على المستويين المحلي والإقليمي - وكذلك عدم وجود قواعد تشريعية واضحة لتوجيه عملها الإداري، كل ذلك من شأنه أن يثير النزاعات بين الجهات، ويترك ثغرات في الأنشطة التي تقوم بها· ويكمن الحل لأزمات المياه الوشيكة في صياغة وتنفيذ خطة تنظيمية طويلة المدى، تركز أساسا على مسألة الحفاظ على المياه وإعادة استخدامها ومكافحة التلوث، وتهتم بالترتيبات المؤسساتية الملائمة، وتعزز طاقة إنتاج المياه· كذلك فإن التعاون والتنسيق على المستوى الإقليمي - بين دول شبه الجزيرة العربية - أمر مطلوب، خاصة لتنظيم موارد المياه الجوفية المشتركة بينها· وتتشابه دول شبه الجزيرة العربية من حيث الخصائص الطبيعية - الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك حالة المناخ شديد الجفاف، وندرة الغطاء النباتي الطبيعي وضعف خصائص التربة· وشبه الجزيرة العربية صحراء في الأساس، فيما عدا الأشرطة والسلاسل الجبلية الساحلية· ويتسم المناخ في المناطق الداخلية بصيف طويل حار جاف وشتاء قصير بارد، وفي المناطق الساحلية بصيف حار شديد الرطوبة وشتاء معتدل· وتكشف قياسات الأرصاد المائية والجوية في المنطقة عن تباين كبير، فدرجات الحرارة الفصلية قد تتراوح من 5ْ الى 46ْ في شمال شبه الجزيرة العربية ووسطها وشرقها· أما الأراضي الساحلية والمرتفعات الجبلية، فدرجات الحرارة فيها أقل تباينا وأكثر انخفاضا، إذ تتراوح ما بين 5ْ الى 35ْ· والرطوبة بوجه عام منخفضة في الداخل، وتتراوح من 10-%30، بينما ترتفع في المناطق الساحلية لتتراوح بين 60-95%· وتتسبب قلة الغيوم مع اشتداد أشعة الشمس في ارتفاع معدلات البخر، ولذلك فإن الإجمالي السنوي المحتمل من البخر يتراوح من 2500 ملم في المناطق الساحلية، الى أكثر من 4500 ملم في المناطق الداخلية·

 

* * *

 

تحلية المياه

 

خلال السنوات العشرين الأخيرة تزايد اعتماد دول شبه الجزيرة العربية على عملية تحلية المياه لتلبية احتياجاتها، فأصبحت - بحكم الضرورة - رائدة على مستوى العالم في مجال تحلية مياه البحر، أو المياه الجوفية قليلة الملوحة، للاستهلاك المنزلي· وتبلغ الطاقة المستهدفة الآن - للدول السبع - في مجال تحلية المياه 2,02 ب م3، من إجمالي الطاقة العالمية البالغ 5,68 ب م3 وتعتمد المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة - بوجه خاص - على محطات ذات سعة ضخمة تستطيع إنتاج ما يصل الى 500 م م3 في السنة· وفي عام 1992 كان %80 من محطات تحلية المياه في المنطقة يستخدم تقنية التقطير السريع متعدد المراحل، بينما تعمل غالبية الوحدات الضخمة الباقية بطريقة الرشح أو التناضح العكسي·

ويتفاوت إنتاج محطات تحلية المياه بين 70-85% من طاقتها· ويقدر إجمالي الحجم المنتج من المياه المحلاة على مستوى المنطقة - عام 1992 - بما قيمته 1,56 ب م3· وفي عام 1992 أمكن تلبية أكثر من 51% من الطلب على المياه للأغراض الحضرية والصناعية بواسطة هذه المياه· وأكبر الدول المنتجة للمياه المحلاة هي المملكة العربية السعودية (51%) تليها الإمارات العربية المتحدة 22% فالكويت 15% ثم قطر 5% والبحرين 4% وعمان 2% وأخيرا اليمن 1%· وفي عام 1992 كان إجمالي عدد وحدات تحلية المياه العاملة هو 45 وحدة، موزعة كما يلي: 23 في المملكة العربية السعودية، و8 في الإمارات العربية المتحدة، و6 في الكويت، و3 في البحرين، و2 في كل من عمان وقطر، ووحدة واحدة في اليمن وتتمركز 17 وحدة من وحدات السعودية على البحر الأحمر، و6 وحدات على الخليج· ولدى المملكة العربية السعودية ثلاث وحدات ذات إنتاجية واسعة النطاق - في الجبيل وجدة والخبر - وهي تستخدم تقنية التقطير السريع متعدد المراحل، وطاقة إنتاجها السنوي 394 م م3 و217 م م3 و83م م3 على التوالي·

 

تحلية المياه في المستقبل

 

تبلغ طاقة محطات تحلية المياه الحكومية، القائمة الآن في شبه الجزيرة العربية، 1.9 ب م3· وقد زادت درجة الاعتماد على تحلية مياه البحر زيادة كبيرة في أغلب هذه الدول، خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة· وتملك الكويت وقطر - من المياه المحلاة - ما يفي بكل طلبهما الحالي للأغراض المنزلية والصناعية· أما في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وعمان، فإن عملية التحلية توفر 75.47% من الإمدادات للأغراض المنزلية والصناعية· ويعتبر اليمن البلد الوحيد الذي لديه معدل سقوط أمطار أكثر من سواه، ومن ثم فإنه أقلها اعتمادا - في الوقت الراهن - على تحلية مياه البحر %5·

وتخطط معظم دول شبه الجزيرة من أجل زيادة طاقاتها في مجال تحلية المياه، باعتبارها أيسر وسيلة لتلبية الطلب المتزايد، لا سيما في المستقبل، وتعمل السعودية - وهي أكبر منتج للمياه المحلاة في المنطقة - على إقامة وحدات إضافية طاقتها 126 م م 3 للمدن الكبرى، وهي المدينة المنورة وينبع وجدة والجبيل، الى جانب خطط مستقبلية لإضافة طاقة قدرها 213 م م3 في جدة والخبر· ومن المتوقع أن توسع دولة الإمارات العربية المتحدة طاقتها - في مجال تحلية مياه البحر - بما قدره 270م م3، لتلبية الاحتياجات المستقبلية لمدينتيها الكبيرتين، أبو ظبي ودبي· وتخطط الكويت لزيادة طاقة تحلية المياه بما يساوي 110 م م3 في عام 1997· وتبلغ الطاقة الحالية لتحلية المياه في قطر 112 م 3 في رأس أبو فنطاس، وسوف ترتفع بمقدار 16 م م3 في المستقبل القريب، علاوة على طاقة إضافية قدرها 88 م م 3 ستضاف الى الشبكة مع نهاية هذا القرن· وقد بلغت طاقة تحلية المياه في البحرين 75 م م 3 عام 1993· ومن المخطط إضافة 25 م م 3 الى مدينة المحرق· وفي إطار خطة خصخصة الطاقة والمياه سيتم إضافة 40 م م3· وفي عمان بلغت طاقة تحلية المياه - عند إعداد هذا البحث - 55 م م3 ثم زادت بمقدار 13 م م3 مع بناء عدد من الوحدات الصغيرة في عام 1995·

وتسهم الآن عملية تحلية مياه البحر بنسبة 51% من المياه المستخدمة للأغراض المنزلية والصناعية في المنطقة· بيد أن أكثر وحدات تحلية مياه البحر - القائمة الآن - في طريقها الى انتهاء عمرها الاقتصادي· وكما ذكرنا، فإن تكاليف إنشاء محطات جديدة لا تقل عن 30 مليار دولار· ومن البديهي أن التكلفة الرأسمالية للوحدات الجديدة سوف ترتفع، فضلا عن الارتفاع الحاد في تكاليف التشغيل والصيانة· والمعروف أن متوسط تكلفة المياه - منذ بدء عملية التحلية وحتى وصولها الى المستهلك النهائي - يتراوح ما بين 0.5 دولار و3.5 دولار للمتر المكعب ومن المتوقع أن تزيد هذه التكاليف بالنسبة للمواقع المعتمدة على محطات تحلية المياه ذات الإنتاجية الصغيرة· ولقد تأثرت مخصصات ميزانية تحلية مياه البحر نتيجة هبوط عوائد النفط، وزيادة الإنفاق العسكري في المنطقة· ومن ثم فقد أرجئ الكثير من المشروعات الجديدة المقترحة لتحلية مياه البحر بسبب قيود الميزانية، بينما تحظى التوجهات الجديدة - مثل خطط الخصخصة - باهتمام جاد من دول كثيرة في شبه الجزيرة العربية·

 

* * *

 

اختلال التوازن بين العرض والطلب

 

تفيد التقديرات أن إجمالي الطلب على المياه عام 1990، في جميع دول شبه الجزيرة العربية، وصل الى 22.5 ب م3· وجرى تقسيم استهلاك المياه حسب القطاعات على النحو التالي: الاستخدامات الزراعية 86%، الاستخدامات المحلية 12%، الاستخدامات الصناعية 2%· وفي عام 1990 استهلكت القطاعات الزراعية 19.5 ب م3، استأثرت السعودية بالنصيب الأكبر منها، وهو مستخرج أساسا من المستودعات العميقة· ومن المتوقع أن يصل الطلب على المياه لأغراض الزراعة الى 26.57 ب م3 عام 2000، والى 29.11 ب م3 عام 2010، مع افتراض معدل نمو سنوي لا يزيد على 1%· ويمكن النظر الى هذا في ضوء إجمالي الطلب المتوقع على المياه في شبه الجزيرة العربية، والمقدر بـ 31.6 ب م3 عام 2000 و35.4 ب م3 عام 2010، وواضح أن المستهلك الرئيسي سوف يظل هو القطاع الزراعي· وتأسيسا على الاتجاهات الراهنة والبرامج المستقبلية، السطحية الجارية والمياه المحلاة، والمستودعات الغرينية القابلة للتجدد، ومياه الصرف الصحي المعالجة، تصبح جميعها غير كافية لتلبية الطلب السنوي المتوقع· ومن المقدر أن تصل الإمدادات المتاحة من مصادر المياه القابلة للتجدد الى 6.71 ب م3 عام 2000، و28.23 ب م3 لعام 2010· وسوف يتم تعويض هذا العجز عن طريق استخدام احتياطيات المياه الجوفية - خاصة مياه المستودعات العميقة ومن ثم فإنه بحلول عام 2010· وسوف يتم تعويض هذا العجز عن طريق استخدام احتياطيات المياه الجوفية - خاصة مياه المستودعات العميقة· ومن ثم فإنه بحلول عام 2010 سيكون قد تم سحب 550 ب م3 لاستخدامها أساسا في الري، مما سيقلل إجمالي احتياطي المياه الجوفية، وقدره 2175 ب م3، بما يساوي 25% تقريبا·

وخلال السنوات العشرين القادمة، فإنه الزيادات المتوقعة في الطلب على المياه - للأغراض المنزلية والصناعية - سوف تستلزم إقامة المزيد من الوحدات الضخمة ذات القدرات العالية لتحلية المياه، ما لم تطبق إجراءات صارمة للحفاظ على المياه، مع قصر استخدام المياه الجوفية الجيدة على الاستعمال المنزلي فقط· وبحلول عام 2000، من المتوقع أن تواجه دول شرق شبه الجزيرة العربية عجزا في المياه اللازمة للإمدادات المنزلية، وهي الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وبعض أجزاء من المملكة العربية السعودية· ففي هذا التاريخ ستكون وحدات تحلية المياه - القائمة الآن - قد وصلت الى نهاية عمرها الافتراضي للتشغيل· والمعروف أن المياه الجوفية في المستودعات العميقة - تحت سطح هذه المنطقة - شديدة الملوحة عادة، وغير ملائمة للاستهلاك المنزلي· وإذا ما استمرت أنماط الاستهلاك المنزلي الحالية على ما هي عليه دون تغيير، فسوف يكون لزاما على دول هذه المنطقة أن تستثمر ما لا يقل عن 30 مليار دولار لبناء وحدات جديدة لتحلية المياه، وبناء المنشآت اللازمة لمواكبة احتياجات المستقبل· وسوف يتطلب الأمر إقامة عدد كبير من وحدات معالجة مياه الصرف الصحي، لمواجهة تزايد النفايات الناجمة عن التوسع· ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الاستثمار الضخم الى إجهاد اقتصادي هائل، خاصة في الدول ذات الدخل النفطي المحدود·

 

* * *

 

خيارات تنظيم المياه

 

تبذل كل دول شبه الجزيرة العربية جهودا حثيثة لاستحداث موارد مياه إضافية، من أجل تلبية احتياجاتها المتصاعدة· ومن الخيارات المطروحة في هذا الصدد تحلية مياه البحر والمياه الجوفية شبه الملحية، وإعادة استخدام مياه الصرف، وإعادة تغذية مستودعات المياه الجوفية، واستيراد المياه، والتواؤم مع المناخ·

واستطاعت معظم دول شبه الجزيرة أن توفر إمدادات جديدة عن طريق عمليات تحلية مياه البحر والمياه الجوفية شبه الملحية· وتكلفت في ذلك مبالغ طائلة بسبب انخفاض أسعار المياه التي يتحملها المستهلك· والمعروف أن عملية تحلية المياه الجوفية قليلة الملوحة (التي تحتوي على 10.000-3.000 من الأجزاء الصلبة في كل مليون) يمكنها أن توفر بديلا مستديما عن تحلية مياه البحر في كثير من المواقع الداخلية، نظرا لقلة تكاليف التحلية والنقل، وانخفاض نسبة تعرضها لخطر التلوث وأعمال التخريب· ولكن تكلفة التخلص من الثفالة - أو النفاية الملحية المركزة - قد تكون عائقا يحول دون تنفيذها، مما يقتضي إنشاء مراكز بحوث إقليمية متخصصة، تباشر تقييم الوسائل البديلة لاختيار أفضل التقنيات، وخفض تكاليف الإنتاج والصيانة·

يمكن استغلال مياه الأمطار الجارية على السطح في عملية إعادة التغذية لمستودعات المياه الجوفية، خاصة في المملكة العربية السعودية واليمن وعمان، بما يوفر كميات إضافية من المياه لاستخدامها وقت الحاجة، نظرا لأن الجزء الأكبر من المياه السطحية الجارية يضيع ويتبدد الآن في البحر عبر الأحواض الساحلية· كما يمكن خفض البخر في الأحواض الداخلية، مما يوفر مياها لإعادة تغذية المستودعات الجوفية· وهناك سدود مقامة في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة، لتحويل المياه الجارية كي تغذي المستودعات الجوفية، وهذه السدود ينبغي زيادة كفاءتها، وتحسين تشغيلها بإزالة الترسبات الطينية عنها· وطبيعي أن زيادة مياه التغذية للمستودعات الجوفية من المياه السطحية الجارية، علاوة على فائض المياه المحلاة، والمياه المستوردة من الدول المجاورة، كل هذا يمكن أن يوفر احتياطيا استراتيجيا من المياه الجوفية الصالحة للشرب، لاستعمالها في وقت الطوارئ· وتشير مثل هذه المخططات - في الولايات المتحدة وفي دول أخرى - الى أنه مع التصميم والتنفيذ الجيدين، يمكن وقت الحاجة توفير قدر من المياه يعادل حجم المياه المختزنة أصلا· وإذا ما توفرت سلسلة من سدود إعادة التغذية أو حقول آبار الحقن، فسوف يمكن استغلال المياه الجارية الزائدة عن الحاجة بعد تجميعها· خاصة في الجنوب والجنوب الغربي من شبه الجزيرة، بينما يمكن استخدام المياه المستوردة لبناء سلسلة من خزانات المياه الاحتياطية في أماكن أخرى، بمساعدة سدود إعادة التغذية أو أحواض الانتشار أو آبار الحقن·

وهناك عدد من المقترحات لزيادة إمدادات المياه في شبه الجزيرة العربية، عن طريق استيراد المياه العذبة من خارج المنطقة· وأفضل هذه المقترحات مشروع "خط أنابيب السلام التركي"، الذي يستهدف بناء خطين للأنابيب، ينقلان المياه الى دول الخليج العربي من أنهار تركيا التي تتدفق في اتجاه البحر المتوسط· ومن المقدر أن ينقل هذا المشروع 2.2 ب م3 من المياه سنويا، بحيث تخصص نصف الكمية تقريبا لسوريا والأردن، والنصف الآخر لشبه الجزيرة العربية· وقدرت تكاليف المشروع بحوالي 20 مليار دولار، ويستغرق إنشاؤه ما بين 8 الى 10 سنوات· وسوف يمر خط الأنابيب الغربي الكبير عبر سوريا والأردن وينتهي عند مكة في غرب المملكة العربية السعودية· أما الخط الشرقي الأصغر فسوف يعبر سوريا والعراق ثم يتجه الى الجانب الغربي من الخليج، ليزود بالمياه كلا من الكويت والمنطقة الشرقية من السعودية، الى جانب البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعمان· وسوف يكون نصيب السعودية 840 م م 3 والكويت 220 م م 3· وقد يؤدي استيراد المياه على هذا النحو الى تخفيف حالة العجز في المنطقة، لكن دول شبه الجزيرة العربية ساورها قلق إزاء النتائج السياسية، حين تصبح معتمدة على دول أعالي الحوض لتأمين مورد المياه، فضلا عن احتمالات تعرض خط الأنابيب لخطر التخريب أو الهجوم· ولهذه الأسباب فإن هذا الاقتراح مستبعد في الوقت الحاضر·

وهناك مقترحان آخران لاستيراد المياه يتضمنان مد خطي أنابيب عبر الخليج العربي، أحدهما من نهر قارون في إيران الى قطر، والآخر من باكستان الى الإمارات العربية المتحدة· ويتضمن مشروع خط "إيران - قطر" إنشاء خط أنابيب قطره 105 أمتار، وتتدفق فيه المياه بفعل الجاذبية على امتداد 770 كم، منها 560 كم داخل الأراضي الإيرانية· وهذا الخط سيزود دولة قطر بكمية من المياه يقدر حجمها السنوي بـ 135 م م 3م· وتبلغ تكاليفه 1.5 مليار دولار، ويستغرق إنجازه ثلاث سنوات· ومن الاقتراحات الأخرى لاستيراد المياه الى المنطقة سحب عدد من الجبال الجليدية من المنطقة القطبية الشمالية واستخدام الخزانات الفارغة في ناقلات النفط القادمة للمنطقة· وقد أجريت بهذا الخصوص دراسات جدوى، ولكن هذه الخطط ليست موضع تفكير الآن· ويقال إن الحل الذي يحمل الأمل في زيادة حجم المياه السطحية - بحيث يتيح استخدامها للري بالغمر، وتغذية مستودعات المياه الجوفية بشكل أكبر - هو التحكم في الطقس· وسوف يكون هذا البديل قابلا للتطبيق، لا سيما في المنطقة الجنوبية من السعودية، وفي اليمن وجبال ظفار في عمان· وتوضح البحوث الأولية في جنوب غرب السعودية إمكانية استغلال هذه الفكرة، ومن ثم يجري التخطيط لعمل دراسة تفصيلية لها·

 

* * *

 

تنظيم الطلب على المياه

 

إن إيجاد حل طويل الأمد لمشكلة العجز في المياه يستلزم الحفاظ على مواردها· وهذا يتطلب من كل دولة على حدة أن تضع خطة لتنظيم موارد المياه، بحيث يكون أحد العناصر الرئيسية للخطة وجود برامج لخفض الفاقد·

ومن البديهي أن العبء الأساسي للحفاظ على المياه سيقع على عاتق قطاع الزراعة، إذ يبلغ استهلاكه الحالي ستة أمثال المياه المستخدمة للأغراض المنزلية والصناعية· ويمكن الإفادة بحوافز ودعم الحكومات في مجال الزراعة للحث على الالتزام بوسائل الحفاظ على المياه، مثل تحسين كفاءة الري باستخدام وسائل الري بالرش أو بالتنقيط، وتسوية الأرض بالليزر، وتبطين القنوات، وتدريب الفلاحين· ومن المتوقع - مع تنفيذ هذه الإجراءات - أن تزداد كفاءة الري عن مستواها المنخفض، الذي يبلغ الآن 30-45%، ليصل الى 60-70%· ونظرا لأن تصدير فائض الإنتاج الغذائي يعادل تصدير المياه، فإنه يتعين إجراء دراسة دقيقة للموازنة بين الإنتاج الزراعي واستهلاك المياه، يتلوها تعديل السياسات الرسمية في ضوء ما تسفر عنه هذه الدراسة· وتنعكس إعادة تقييم السياسات الزراعية، في صورة تشريعات شاملة بشأن استخدام المياه الجوفية· ويجب أن توفر القوانين الجديدة أساسا جيدا للمراقبة ولتحسين خدمات التوسع الزراعي·

والمعروف أن المياه المحلاة تكاد تستخدم بالكامل للأغراض المنزلية فقط، ومن ثم فإن الاحتياج في المستقبل الى مشروعات تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف، سوف تتأثر بلا ريب بخفض الاستهلاك في هذا القطاع· ويفرض المعدل المرتفع لاستهلاك الفرد حاليا من المياه ضرورة الحفاظ على المياه المستخدمة في المناطق الحضرية· ويمكن أحيانا خفض الاستهلاك المنزلي عن طريق زيادة التوعية الجماهيرية بقيمة المياه كمورد نادر، وإن كان الامتثال الطوعي في مثل هذه الأمور لا يمكن أن يعول عليه·

لقد أصبح قياس حجم استهلاك المياه، وفرض رسوم عليها، سياسة مطبقة على نطاق واسع في كل أنحاء شبه الجزيرة العربية· بيد أن هذا لم ينجم عنه خفض استهلاك المياه، وذلك لأن تعريفة الاستهلاك منخفضة جدا، بحيث لا تمنع المستهلكين من الإسراف في استخدام المياه أو تبديدها· وتتباين الرسوم المفروضة على استهلاك مياه الشرب من 0.04 دولار/م3 في السعودية الى 1.21 دولار/م3 في قطر (رغم حصول المواطنين القطريين على المياه مجانا)· وأعلى معدل للرسوم في كل هذه الدول هو 1.71 دولار/م3 للاستخدام الصناعي في عمان· وتفرض بعض الدول نظاما مستقلا للرسوم على المياه الجوفية قليلة الملوحة، وتتراوح تكلفتها الشهرية من 0.01 دولار/م3 الى 0.23 دولار/م3· ومع وجود التكلفة الراهنة لإنتاج المياه المحلاة، والتي تتفاوت ما بين 0.5 دولار/م3 و3.5 دولار/م3، فإن عددا محدودا جدا من المستهلكين في المنطقة يسددون سعرا تجاريا معقولا، في ظل زيادة الدعم عن 90%· ولذلك يتطلب الحفاظ على المياه الالتزام بحوافز سعرية، تفرضها وتنفذها لوائح وقواعد تنظيمية محددة· كما أن فرض أسعار غير مدعومة على الاستهلاك الشهري للمياه - حين يزيد عن 50 م3 لكل منزل - من شأنه أن يؤدي الى خفض الطلب على المياه· ويتعين أن يتم تحرير فواتير أسعار المياه وتحصيلها شهريا·

وهناك أيضا إمكانية لتقليص الطلب على المياه، عن طريق تقييم أداء شبكة توصيل المياه، مع مراقبة التسرب وتجديد أنابيب التوصيل· جدير بالذكر أن مستوى التسرب في البحرين بلغ 24% عام 1985، بينما انخفض استهلاك المياه بنسبة 19% في المناطق التي أجريت فيها الإصلاحات اللازمة· وبلغت نسبة التسرب الحالي في شبكة المياه بقطر حوالي 15%، وهو ما يعادل 13م م 3 من المياه المحلاة· والملاحظ أن حكومات دول شبه الجزيرة العربية لم تخصص في ميزانياتها حصصا كافية من التمويل للبرامج الشاملة للكشف عن التسرب، مع أن برامج الصيانة ينبغي أن تكون جزءا مكملا لأي جهد تخطيطي بعيد المدى·

 

طباعة  

في ندوة جمعية الخريجين حول "اختلاسات المال العام"
الصقر والعصيمي يتوعدان الحكومة بكشف الحقائق في حال استمرار تسترها على حرامية المال العام.. ويطالبان القضاء الكويتي بإعادة أموال الشعب

 
وزير التربية: حوسبة التعليم تجربة رائدة في الكويت
 
الجارالله يصدر كتابين عن مرض السرطان وأعراضه
 
توقيع اتفاق بين الجمعية الكويتية لحماية البيئة ونادي حماية البيئة في لبنان
 
مخاطباً مؤتمر وزراء الصحة في دول التعاون الخليجي
الأمير طلال يطالب باتخاذ تدابير شفافة للتيقن مما يتردد عن استخدام اليورانيوم المنضب في حرب تحرير الكويت

 
العاصمة حققت أعلى المخالفات
العتيبي: 856 مخالفة حررتها إدارة الأغذية في البلدية خلال ديسمبر الماضي