أثارت التفاصيل التي أحاطت جريمة قتل المولود سفاحاً التي كشفها النائب سيد حسين القلاف الذعر والهلع بين صفوف المواطنين والمقيمين، فهذه الجريمة لم تكن جديدة على الإطلاق، فمثيلاتها كثر، وستحدث جرائم أخرى مماثلة أكثر، إلا أن الجديد في هذه القضية أنها أول جريمة قتل واضحة الأركان والمعالم عمدت الأجهزة الرسمية على دفنها ومن ثم تقييدها "ضد مجهول"·
وإذا كان من المؤسف أن التعاطي الرسمي مع قضايا الاتجار بالمخدرات وقضايا الاعتداء على المال العام أصبحت سمته الظاهرة دفن الأدلة وتضييع حقوق الدولة وتسهيل هروب المتهمين وعدم الجدية في ملاحقة من ظل صامداً منهم يتحدى البلاد والعباد، إذا كان من المؤسف أن يحدث هذا، فإن الذي روع المواطنين في متابعة تفاصيل جريمة قتل المولود أن الأدلة المحيطة بالجريمة متوافرة في شكل مذهل لمن أراد أن يسير بها نحو الحقيقة، ولكن ما الذي حدث؟ وما التفاصيل قبل ذلك؟
بالدخول في صلب القضية، توافرت لدى الأجهزة الرسمية، لدى كل من وزارة الداخلية والنيابة العامة الأدلة التالية:
· تقارير الطب الشرعي أفادت أن الطفل ولد حياً وقُتل عن طريق ضربات في الرأس استخدمت فيها أجسام صلبة·
· أن أحد المشتبه بهم هو مالك البناية التي حدثت بها الجريمة وهو أيضاً صاحب الشقة التي شهدت وقوع الجريمة، وأنه غادر البلاد بعيد وقوع الحادث بساعات قليلة، وتبين لضابط التحقيق الذي دقق في موضوع السفر أن المغادرة كانت على متن طائرة متجهة إلى الهند حيث كانت هي الرحلة الوحيدة المتاحة في تلك الفترة·
· أن تقارير الطب الشرعي كشفت كذب الفتاتين المشتبه بهما في الجريمة، ففي حين ادعت الفتاتان أنهما عذراوتان فإن التقارير الطبية أثبتت عكس ذلك، وزادت بأن إحداهما أجرت عملية غسيل للرحم·
· أن هناك علاقة وثيقة تربط صاحب العمارة (وصاحب الشقة في الوقت ذاته) بالفتاتين، فإحداهما سكرتيرته الخاصة والأخرى الصديقة الحميمة للأولى·
أمام كل الأدلة والمعطيات التي تقدمت كان المتوقع أن يجرى التحقيق وفق الأصول المتعارف عليها، ولكن ما حدث كان مغايراً تماماً لما يفترض أن يكون·
فالنيابة العامة رفضت الاستجابة لطلب الداخلية بإجراء فحوصات الحمض النووي (D.N.A) للكشف عن هوية والد ووالدة الطفل المغدور، والداخلية لم تكن بأفضل حال من قرينتها (···) حيث نقل الضابط الذي قام بإجراء التحريات الأولية في القضية واستخرج إذنا من النيابة العامة بمداهمة الشقة التي وقعت فيها الجريمة، نقل إلى مخفر الجهراء واستبدل بآخر ساعد على تضييع الأدلة و"قمتها" فماتت القضية "بقرار"·
بعد كل هذا، هل يُستغرب حينما يشعر الناس بالذعر؟
لقد عاث المجرمون في أرض الوطن إفساداً وتخريباً دون رادع، فالقوانين يتجاوزها أصحاب النفوذ متى أرادوا، ولكن الأمر الذي يثير الرعب أكثر هو أن تموت هذه الجريمة الواضحة المعالم والمتوافرة الأدلة "بقرار" بعد أن كشفها نائب يمثل الأمة بأسرها وبمساعدة الصحافة، والناس المذعورة تراقب بصمت مآل القضية ومصيرها، فمازال هناك مجال لتحديد المجرمين، ولتحديد والدي الطفل الخطيئة، أما إذا ماتت القضية مجدداً "بقرار" فإن الموت يجب أن يلصق بالمجتمع الذي ارتضت مؤسساته الرسمية والأهلية أن يشهد الانهيار دون أن يتحرك أبناؤه·