رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 22 شوال 1421هـ الموافق 17 يناير 2001
العدد 1461

د. البازعي: إشكالية الانتقالات المعرفية عبر حواجز الجغرافيا والتاريخ ومتغيرات الرؤى والمواقف العقائدية

جلسة "ترجمة العلوم بين إمكانات الحاضر وضرورات المستقبل" قدم ورقة البحث فيها د· محمد مراياتي وعقب عليها د· عبدالحافظ حلمي محمد وأدار الجلسة د· عبدالهادي العتيبي·

وقال د· مراياتي من الأهمية بمكان النظر إلى مسألة ترجمة العلوم بين إمكانات الحاضر وضرورات المستقبل من وجهة جديدة تفرضها التغيرات العالمية والإقليمية مع قدوم القرن الحادي والعشرين وألا نعالجها المعالجة التقليدية التي تطرقنا إليها مراراً في الكثير من المؤتمرات واللقاءات العلمية على المستوى العربي والتي تتطرق للضرورات السياسية والقومية والأمنية·

وأضاف: تأخذ مسألة التعريب الآن بعداً أكبر من السابق إذ أصبحت مرتبطة بالاقتصاد والتنمية أكثر من أي وقت مضى والتعريب في تكنولوجيا المعلومات يقدم فرصاً اقتصادية واجتماعية وثقافية مهمة للوطن العربي، كما أن الاخفاق فيه محفوف بالمخاطر·

إن الإجراءات اللازمة لنجاح عملية التعريب هي الآن أسهل مما سبق وفي متناول اليد وقابلة للتنفيذ وذلك بفضل التكنولوجيا الحديثة، إذن سنتطرق إلى فكرتين تدور الأولى حول الأهمية الجديدة للتعريف وللترجمة وللمصطلح في ظل ما يسمى بالاقتصاد المعرفي، وتتعلق الثانية بإمكانات استخدام التكنولوجيا (التقانات) الحديثة في توليد المصطلح وتوحيده ونشره·

وقال: مع توجه العالم نحو اقتصاد المعرفة، يغدو المصطلح العلمي ضرورة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية· يتوجه الاقتصاد العالمي (أكثر من السابق) من ذلك الاقتصاد الذي أساسه المادة إلى الاقتصاد المبني على المعرفة - Knowl  Edge Based Economy· وهناك  ظواهر عدة لهذا التوجه ودلائل على تعاظم دور المعرفة في التنمية، كما يمكن قياس ذلك باستخدام مؤشرات عددية تدل على تسارع هذا التوجه، ونشهد أخيراً الكثير من الأمثلة على هذا الاقتصاد وعلى دور المعرفة فيه·

إن اللغة هي وعاء المعرفة والمصطلح مادتها، لذلك فإن نجاح تجاوب الأمة عامة مع اقتصاد المعرفة ومع المعرفة يحتاج إلى التعامل معها بلغة الأم، إذ كيف للاقتصاد أن ينمو إذا كان العنصر البشري وهو العامل الأهم في هذا النمو لايتكلم لغة المعرفة ولا يعرف مصطلحاتها؟

تقدم تكنولوجيات العصر وخصوصاً تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام وتكنولوجيا اللغة فرصة جديدة وهائلة لاستعمالها كوسائل وأدوات فعالة للتعريب وللترجمة ولوضع المصطلح وتوحيده ونشره·

وتطرق د· مراياتي من خلال بحثه إلى عدة نقاط أخرى مهمة، منها: المعرفة وفرص العمل، التعريب والمعرفة، تكنولوجيا المعلومات ومسألة المصطلح العلمي العربي، تكنولوجيا اللغة وتوليد وتوحيد المصطلح العلمي العربي، وجود اللغة العربية على الإنترنت، حركة الترجمة والتأليف في الوطن العربي·

في تعقيبه على بحث د· مراياتي أشار د· عبدالحافظ حلمي محمد إلى أن العرض الذي قدمه الدكتور مراياتي شامل ليس في حاجة إلى زيادة من مستزيد، وإنما قد يكون دوري القاء الضوء على بعض عناصر الموضوع من زوايا أقرب إلى المعالجة التقليدية التي تؤهلنا لها السن - ولا فخر - وطول الممارسة· والعناصر البارزة ثلاثة: التعريب، والترجمة والمصطلح العلمي العربي - بهذا الترتيب من الأعم إلى الأخص، ولو أنني رأيت أن أبدأ بالحديث عن الترجمة لأنها المحور الأساسي في ندوتنا· أما التوصيات التي اقترحها الأستاذ المحاضر فأنا أزكيها، وقد ترى لجنة الصياغة اجمالها في نقاط أقل عدداً·

 

العلوم الإنسانية ومشكلة المصطلح

 

الجلسة الثانية تناولت موضوع العلوم الإنسانية ومشكلات ترجمة المصطلح، قدم ورقة البحث د· سعد البازعي وعقب عليها د· عبدالمنعم تليمة·· أدار الجلسة د· عبدالله الجسمي·

استهل د· البازعي محاضرته متحدثاً عن العلوم الإنسانية وقال: منذ تشكلت في عصر النهضة الأوروبية، وانتقلت فيما بعد إلى الثقافات غير الأوروبية، وانتقلت فيما بعد إلى الثقافات الأوروبية ظلت العلوم التي أطلق عليها ألأوروبيون صفة "الإنسانية" تمييزاً لها عن العلوم اللاهوتية، تحيا حياة بعيدة عن الصفاء والإخلاص لمتطلبات المعرفة كما يفترض في مثاليات العلم وأمنيات بعض متخصصيها، فالانشغال بالإنسان جعل تلك العلوم انعكاساً لمشكلات الوضع الإنساني بما يعج به من غموض واختلاف وصراع· وإذا كان هذا الوضع يمس كل العلوم، بما فيها ما نسميه "العلوم البحتة" لإنها جميعاً إنسان المنبع والمصب في نهاية المطاف، فإن العلوم المتصلة مباشرة بأوضاع الإنسان وهمومه أحرى بالتأثر في بنيتها وأهدافها ولغتها وأساليب بحثها بما يعتور تلك الأوضاع من اضطراب وتناقض· فإذا أضفنا إلى هذا البعد الإنساني العالمي بعداً آخراً يتصل باختلاف الثقافات والمشكلات الناتجة عن انتقال المعرفة سواء على شكل علوم أو نظريات أو مناهج أو مصطلحات فإن من الحري بالمشكلات أن تتضاعف ويزداد تأثيرها·

وإذا كان الأوروبيون في العصر الحديث بوجه خاص شغلوا، على ما بين ثقافاتهم من تجانس نسبي بتأثير العوامل التاريخية واختلاف الظروف الثقافية بالمعرفة التي تنتجها العلوم الإنسانية في المحيط الأوروبي نفسه، فإن من الطبيعي أن يشغل غيرهم بمدى المشكلات الناجمة عن تلك الانتقالات المعرفية عبر حواجز الجغرافيا والتاريخ ومتغيرات العقائد والمواقف والرؤى الفردية والجماعية·

أحد الذين توقفوا أمام ما يعتري المعرفة الإنسانية من تغير إذ تمر عبر انكسارات الزمن واختلافات الثقافة هو الفيلسوف الألماني هايدغر· ففي إحدى مقالاته يتوقف هايدغر أمام انتقال المعرفة عبر الترجمة من العصر اليوناني إلى أوروبا المعاصرة مروراً بالعصر الروماني اللاتيني، وتأثر المعارف المختلفة بذلك الانتقال على النحو الذي أدى إلى ما يصفه الفيلسوف بانقطاع الفكر الغربي عن جذوره أما السناريو التاريخي للانقطاع فيصفه هايدغر على النحو التالي: "يستحوذ الفكر الروماني على المفردات اليونانية دون معايشة أصيلة مماثلة لما تقوله المفردات، أي من دون العالم اليوناني· وبتلك الترجمة يبدأ انقطاع الفكر الغربي عن جذوره"· وكمثال على ذلك تبرز من بين المفردات اليونانية مفردة رئيسية، بل المفردة الكبرى في بحثه الفلسفي، وهي المفردة الدالة على "الكينونة" أو "الوجود"، ففي هذه المفردات يلاحظ هايدغر تغير المدلولات نتيجة الدخول عبر الترجمة في الأفق المعرفي المغاير للعالم الروماني/ اللاتيني"·· هذه الترجمة الحرفية ومن ثم الأمينة تختبئ ترجمة للتجربة اليوناينة إلى طريقة مختلفة في التفكير"·

ويصدق المثال أيضاً في الفكر الهايدغري على المفردة الأكثر أساسية وهي مفردة "فلسفية" إذ انتقلت من اليونانية عبر اللاتينية· فمع أن تلك المفردة المهيبة لم تفقد في اللاتينية رسمها وصوتها الأصلي، فإنها فقدت تجربتها الحميمية الأولى لدى اليونان وبالذات لدى هيراقليطس الذي يقال إنه أول من استعمل المفردة· ففي محاضرة بعنوان "ما الفلسفة؟" يؤكد هايدغر على أن طرح السؤال نفسه، أي ما يتضمنه طرح السؤال من طريقة في التفكير، هو الذي سيساعد على الوصول إلى التفلسف في صورته الأصلية، أي في صورته اليونانية وهو بهذا يفرق بين طرح سؤال "ما الفلسفة؟" ومن ثم  التفلسف على الطريقة اليونانية وبين الطريقة التأثيلية (الإيتيمولوجية) الشائعة المتمثلة في البحث في أصل كلمة "فلسفة" التي يكتفي سائلها والمجيب عنها بالقول إنها تعني "حب الحكمة" وكأن ذلك كاف لتعريف الفلسفة وفهمها·

 

مصطلح حامل لرؤى مغايرة

 

وقال د· عبدالمنعم في تعقيبه على بحث الدكتور البازعي:

يتصدى الباحث لجوهر المشكل الماثل في العربية العصرية· ذلك أن العرب المحدثين لم يشاركوا مشاركات ذات بال في تأسيس العلم الحديث الذي صار نظاماً حاكماً للنشاط البشري كما صار قوة الإنتاج المهيمنة التي تنتج سلعة العصر الأولى: المعلومة· وقوة اللغة من قوة أهلها· وما دام العرب في زماننا هذا - الحديث والمعاصر - لا يشاركون بقوة في علم العصر، فإن لغتهم لابد أن تترجم ذلك العلم، وأول عقبة في هذا الشأن أن مفاتيح العلم في مصطلحاته، وأن المصطلح مكثف لبنية حضارية ثقافية شحنته بمسيرها وتاريخها· ها هنا يقع المضطرب في الجانب العربي: عربية تسعى إلى مواكبة ما لم تشارك في تأسيسه، ومفتاح المترجم مصطلحات حاملة لرؤى وبنيات ومسارات تاريخية ثقافية حضارية مغايرة·

والحق أن الباحث قد توسل بنهج غير ذي عوج في معالجة مشكلات ترجمة العلوم الإنسانية إلى اللغة العربية·

طباعة  

إضاءات
 
لعدم توجيه الأمين العام دعوة رسمية لهم لحضور مؤتمر بغداد
اتحاد الكتّاب الفلسطينيين: نرفض الإهانة التي يوجهها د. عرسان للشعب الفلسطيني

 
تقارير ثقافية
 
وزير الثقافة اليمني في حوار صريح مع "الطليعة"
د. عبدالملك منصور: الثقافة العربية لا تمتلك وسائل الوصول إلى العالمية

 
وتد
 
كلمات في العاصمة
 
أجيال
 
شهادة تقدير من بينالي العالم الإسلامي لسامي محمد
 
ندوة الترجمة والثقافة العربية
خشبة: "نقل علوم الأوائل".. دعوة أطلقها مجددونا وعارضها دعاة التقليد والنقل

 
إصدارات